المعجم العربي العصري وإشكالاته
نص مداخلة في ندوة
المعجم العربي العصري وإشكالاته
المنعقدة بمعهد الدراسات والأبحاث للتعريب
جامعة محمد الخامس ـ السويسي
الرباط
( 16 و17 دجنبر 2004 )
إعداد: عبد العزيز قريش
المفتش التربوي للتعليم الابتدائي بنيابة تاونات
باحث في علوم التربية
قبل البدء:
انطلاقا من الواقع التعليمي، الذي يتعاطاه المفتشون التربويون وَفق مسمى قطاع التربية الوطنية، أو المشرفون والمؤطرون التربويون وَفق مسمى الأدبيات التربوية والتعليمية. هذا المسمى الذي يحيل من جهة أولى إلى البحث التربوي، بما يتضمن تفعيل النظرية النقدية اتجاه أداء الممارس البيداغوجي، واتجاه المناهج والبرامج والكتب المدرسية ومداخلها النظرية والتطبيقية، للوقوف على السلبيات فتجاوزها، والوقوف على الإيجابيات فاستثمارها من أجل تصحيح مسار المنظومة التربوية. وهو هنا معني بامتلاك المعرفة النظرية التي تؤطر بحثه التربوي وتؤهله لممارسة النقد. ويحيل ذلك المسمى من جهة ثانية إلى تقويم الممارسة التعليمية التعلمية في القسم، بما يفيد وجوب امتلاك المشرف التربوي مناهج البحث والأدوات والتقنيات العملية التطبيقية؛ التي تمكنه من تطبيق المعرفة النظرية على أداء الممارس البيداغوجي، وعلى المناهج والبرامج والكتب المدرسية قصد تطويرها وتجديدها وتجويدها، ومعالجة ثغراتها في حينه، بتوجيه وإرشاد الفاعلين التربويين إلى ما يجب أن يكون، وكيف يكون، وبما يكون، ولما يكون...
من هنا نعتقد أن الوحدة بين النظري والتطبيقي وحدة عضوية متزامنة كوجهي العملة المالية، لا يستقيم الإشراف التربوي دونها. بل نذهب إلى أن هذه الوحدة تكاد تكون في فكرنا وثقافتنا التربوية والتعليمية مفقودة بالمطلق. لذا نلمس بوضوح وجلاء تجليات وتمظهرات فقدان هذه الوحدة في تعليمنا الراهن، في إشكالات متعددة الوجوه، ومتعددة المستويات. ولعل الأمر يرجع في ذلك إلى انقطاع التواصل بين الأكاديمي والممارس الميداني، فضلا عن ( أن من مواطن الضعف في ممارسة العلم عندنا التعلق بكثير من النماذج والتفسيرات الجاهزة الموضوعة في البلاد المتقدمة، وبالتالي عدم الربط لمسألة النظرية والتطبيق بواقع الإنسان العربي [ المغربي] ، فمبدأ الوحدة بين النظري والتطبيقي مبدأ مفقود في معظم أعمالنا. وهذا أمر طبيعي لأن الإطار النظري لهذه الأعمال مستمد من النماذج الغربية والبعد التطبيقي متحايل عليه من خلال ما نوظفه من أدوات وتقنيات منهجية مستوردة في مجملها ).
وهذه الوحدة توجب علي استحضارها في هذه الورقة، ولكن باستدماج وجهيها النظري والتطبيقي، من خلال مقاربة الإشكالات في المعجم المدرسي، التي سأستهدفها مباشرة بعد التحديد الإجرائي لمصطلح المعجم، ووظيفة المعجم المدرسي وأزمته، وذلك اختصارا للوقت. ووعيا منا بأن المشاركين الكرام في هذه الندوة الطيبة، لهم من المعرفة النظرية ـ خاصة في نظرية المعجم ـ ما لا نملك، وأنها ستتجلى لهم من خلال تعداد الإشكاليات.
1 ـ التحديد الاصطلاحي للمعجم:
وبما أننا نقارب المعجم المدرسي في ورقتنا هذه سوف نذهب إلى تحديد إجرائي لمصطلح المعجم لأجل التمييز بين مستوياته تمييزا واضحا، يحقق الغاية المنشودة من هذه الورقة. ذلك أنني أحدد مصطلح:
أ ـ المعجم اللغوي أو القاموس: بالكتاب الذي يوظفه المتعلم للوقوف على شرح كلمة وتفسيرها وتحديد معانيها اللغوية، فهو أداة ذات مداخل عمودية مرتبة ترتيبا معينا ـ خاصة الترتيب الألفبائي ـ تشرحها وتفسرها ، وتعطي معلومات عن نطقها واشتقاقها وتركيبها بجانب معلومات عن مرادفاتها وأضدادها بالاستشهادات عليها، كمعجم العين مثلا.
وعند الإطلاق فإن المعجم هو: مجموع الوحدات المعجمية المتداولة فعليا أو احتماليا < والاحتمال يستدعي وجود الإنتاجية اللغوية > من قبل المتعلم أو الكتاب المدرسي.
والمعجم بهذا الاصطلاح ينقسم حسب موضوع المقاربة إلى قسمين هما:
ب ـ المعجم المدرسي، وهو مجموع الوحدات المعجمية المتداولة فعليا في الكتب المدرسية في كل مستوى معين، وضمن السياق التعليمي لهذه الكتب.
ج ـ المعجم اللسني، وهو مجموع الوحدات المعجمية المتداولة والمحتملة بما فيها الإنتاجية اللغوية، التي يوظفها المتعلم في تعلمه وتواصله والتعبير عن ذاته، وعن عالمه الخارجي.
ومنه؛ فإنه: عندما يتحدد مخزون مفرداتي معين من المعجم اللغوي أو القاموس في إطار الفعل التعليمي، فإنه ينتقل إلى المعجم المدرسي إن تعلق بالكتب المدرسية. وأما إن تعلق بالتداول اللسني للمتعلم؛ فينتقل إلى المعجم اللسني. ومن ثم فإن المتعلم يوظف في تعلمه ثلاثة معاجم هي: المعجم أو القاموس اللغوي، والمعجم المدرسي، والمعجم اللسني.
2 ـ وظيفة المعجم:
1.2. وظيفة القاموس اللغوي: انطلاقا من التعريف السابق للقاموس اللغوي، تتعدد وظائفه حيث نجد منها على سبيل المثال:
ـ شرح المفردات والكلمات، وبيان معانيها اللغوية .
ـ بيان الوظيفة الصرفية للكلمة.
ـ بيان البنية الصوتية للكلمة، وكيفية النطق بها.
ـ بيان موقعة الكلمة تركيبيا عند تحديد معناها ضمن سياق معين.
ـ بيان طريقة وكيفية كتابة الكلمات.
هذه الوظائف عامة وهي تنبع من طبيعة موضوع المعجم اللغوي ، غير أن له وظائف تعليمية ( بيداغوجية ) تتمثل أساسا في:
ـ مساعدة المتعلم على فهم المتن التعليمي، من ناحية التركيب والصرف والصوت والكتابة.
ـ يمكن المتعلم من بعض مناهج البحث حين يبحث فيه.
ـ يقوي ويثري رصيده اللغوي الوظيفي.
ـ يبني شخصية المتعلم في مناحيها المتنوعة:المعرفية، والنفسية، والحركية الحسية، والاجتماعية..
ـ يمكن المتعلم من مجموعة من المعارف والمعلومات.
ـ يركز وينمي التعلم الذاتي عند المتعلم.
ـ .............
2.2. وظيفة المعجم المدرسي: ومن خلال تعريفه السابق، فإن للمعجم المدرسي وظائف بيداغوجية ولغوية جمة منها:
ـ مساعدة المتعلم على الوقوف على معاني وشرح الكلمات والمفردات ضمن السياق، فيتحقق عند المتعلم المعنى اللغوي، والمعنى الوظيفي، والمعنى الاجتماعي.
ـ تمكين المتعلم من الرصيد اللغوي الوظيفي، والمصطلحات، والعلامات.. المتعلقة بالمنهاج الدراسي.
ـ تمكين المتعلم من القواعد الصرفية والتركيبية والصوتية للكلمات العربية.
ـ تمكين المتعلم من معلومات وتواريخ وأسماء المواضيع المدرسية.
ـ تنمية الإنتاجية اللغوية عند المتعلم.
ـ تنمية مناهج البحث وآلياته عند المتعلم.
ـ تنمية التعلم الذاتي لدى المتعلم، وتحفيزه على ذلك.
ـ يمكن المتعلم من قراءة المتن التعليمي، وفهمه ضمن حيثيات المقام والمقال. والتفاعل معه والانفعال به.
ـ ينمي ملكة النقد عند المتعلم انطلاقا من البحث الذاتي في المعجم المدرسي.
ـ يحصر المتن التعليمي في حدود السياقات الواردة فيه، والحيثيات المتضمنة في المتن.
ـ يربط المتعلم بالمجال التعليمي، وسياق الفعل التعلمي.
ـ يشكل المعيار اللساني، واللغة الفوق فردية، والمظهر الموحد للغة المتعلم في مقابل كلامه، الذي هو حديث لساني، وفردي الإنتاج ضمن سياق اجتماعي معين، ومظهر مفرد خاص به. يجب أن يراعي هذا المعيار في إنتاج كلامه.
ـ ...............
3.2. وظيفة المعجم اللسني للمتعلم: انطلاقا من التعريف الإجرائي لهذا المعجم، فإن من جملة الوظائف التي يقوم بها:
ـ ينمي الإنتاجية اللغوية عند المتعلم، ويطورها تجاه تفعيل مناشط فعل التعلم، والتخزين والاسترجاع والتوظيف.
ـ يحقق للمتعلم المرجع اللغوي للتوظيف القولي والحدثي للاتصال والتواصل.
ـ يشكل المتن اللغوي لارتكاز المتعلم عليه في تطوير لغته، وتنمية هذا المتن وإغنائه من خلال الإنتاجية اللغوية.
ـ يعد المرجع اللغوي الفردي للتناول القولي والحديثي.
ـ يشكل الركيزة الأساس في تأثيث المعجم الذهني عند المتعلم، باستدخال حيثيات الحدث التعليمي. والمعلومات العالقة بالمتن التعليمي، من نطق، وكتابة، وتراكيب، وصرف، وقواعد صوتية، ومعاني، ووضع مقامي وبلاغي، ورموز، وعلامات، ومخططات، وأحداث..
ـ يعد الإطار العام اللغوي الذي يتعلم فيه المتعلم، ويتواصل مع الآخرين، ويعبر عن ذاته. ومن خلاله يتفاعل مع ذاته ومع خارجها.
ـ يعد الإطار العام اللغوي الموحد للخطاب البيداغوجي بين الأستاذ والمتعلم. إذ به يتحقق التواصل بينهما.
ـ يعتبر مؤشرا من بين مؤشرات شخصية المتعلم.
ـ يعتبر المخزن الرئيس للمتن الاجتماعي ذي المصدر المجتمعي للمتعلم، الذي يحدد اجتماعيته بما فيها من قوانين وقواعد ومعايير اجتماعية..
ـ ..............
3 ـ أزمة المعجم المدرسي:
لا يختلف أهل التربية والتعليم في كون المعجم المدرسي ـ وهو مفقود في الساحة التعليمية المغربية موضوعا لغويا مستقلا بذاته، وأداة تعليمية مستقلة. وإنما مجازا يطلق على ما هو متناثر في الكتب المدرسية من شرح للمفردات، ومن مصطلحات علمية في المواد العلمية والاجتماعية والإسلاميات ـ يشهد أزمة حادة تنعكس على المتعلم. ذلك أن من بين تمظهراتها: