الأدب والفنون الأخرى
د. إبراهيم عوض
جاء في كتاب "الشعر بين الفنون الجميلة" للدكتور نعيم اليافي أن النقد الأوربي الحديث في مرحلته الإبداعية كان يربط بين الشعر والرسم ربطًا محكمًا، مُعليًا من شأن العنصر التصويري في الفن الشعري على حساب العناصر الأخرى، أما في المرحلة الابتداعية التي تلت ذلك فقد جنح النقاد إلى التركيز على جوانب المشابهة بين الشعر والموسيقا وإهمال ما عداها من العناصر[1]، والحق أن في كل من الموقفين مغالاة، ومحاباة أيضًا لأحد عناصر الإبداع الشعري على حساب سائر هذه العناصر، فضلًا عن أن الشعر ليس موسيقا فقط، بل موسيقا وتصويرًا وأشياء أخرى، وهذا الكلام لا يصدُقُ على الشعر وحده، بل يعم سائر فنون الأدب معه، وإن كانت هذه العناصر أكثر تركيزًا في الشعر منها في النثر، كما أنها لا تنفك عنه بحال، بخلاف النثر، الذي قد يَعْرَى عن بعض تلك العناصر في هذا السياق أو ذاك.
ونفتتح كلامنا بالعنصر الموسيقي، والموسيقا، كما نعرف، إيقاع منتظم: هكذا هي في الألحان المعزوفة، وكذلك هي في الأدب، بَيْدَ أنها في الألحان المعزوفة أصوات صادرة عن آلات النفخ والدقِّ والاحتكاك، كالناي والدفِّ والبيان والعود... إلخ، أما في الأدب فالأصوات صادرة عن نطق الفم البشري لحروف الألفباء المعروفة، علاوة على أن الموسيقا التي تعزفها الآلات هي موسيقا صافية، على عكس الموسيقا الأدبية التي لا تنفكُّ عن الكلمات، وهو ما يترتب عليه أن الموسيقا المعزوفة عبارة عن أصوات خالية من المعاني، أما موسيقا الأدب فمرتبطة بالمعاني لا تنفصل عنها، كذلك فالموسيقا الصافية تؤثر فينا بنفسها تأثيرًا مباشرًا، على حين أن موسيقا الأدب لا تستطيع ذلك؛ إذ هي بطبيعتها مصاحبة للكلمات ومعانيها، فلا وجود لها مستقل عن هذه الكلمات، ومن ثم لا يمكن أن يكون لها تأثير منفصل عنها، إنها تفتح مغاليق النفس أمام معاني العبارات التي تصاحبها، وتخلع عليها حُلل القبول، وتقويها بما تشعُّه حولها من إيحاءات.
وتتخذ الموسيقا في الإبداعات الأدبية صورًا مختلفة: فلدينا في الشعر مثلًا الوزن والقافية، اللذان ظلا يجريان على طريقة واحدة تقريبًا قرونًا طوالًا، وقد يظن قوم أن هذه الصورة لا وجود لها البتة في الإبداعات النثرية، إلا أن هناك لونًا من السجع يسمى: "السجع المرصَّع"، ومُفاده أن تتساوى الفقرتان أو أكثر ما فيهما في الوزن والتقفية، كقول الحريري...: "فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه"[2]، ولا شك أن بين جملتي "يطبع الأسجاع بجواهر لفظه" و"يقرع الأسماع بزواجر وعظه" توازنًا وتناظرًا تامَّين يذكراننا بنظيريهما في الوزن الشعري، وإن كان من الممكن أن يوجد هذا اللون من السجع داخل الشعر أيضًا؛ كقول امرئ القيس مثلًا:
الماء منهمر، والشدُّ منحدر ** والقصب مضطمر، والمتن ملحوب
حيث يطالعنا "السجع المرصع" في الجمل الثلاث الأولى من البيت، فكأنه وزن وتقفية إضافيات فوق الوزن والتقفية الموجودين أصلًا في الشعر، إلا أن "السجع المرصَّع" ليس إلا ضربًا واحدًا من ضروب السجع، فضلًا عن أنه قليل الانتشار في إبداعات الأدب بالقياس إلى الصور السجعية الأخرى الأقل صرامة، وبخاصة في النثر، الذي ينفر بطبيعته من القيود على عكس الشعر، اللهم إلا إذا تكلَّف الناثر ذلك.
وهناك لون آخر من الإيقاعات الموسيقية داخل البيت يسمَّى: "التصريع"، حيث تكون هناك قافية أخرى غير القافية الأصلية تتكرر قبل انتهاء الشطرات الثواني من أبيات القصيدة؛ كما في الأبيات التالية:
يا خاطبَ الدنيا الدنيَّة، إنها
شَرَك الردى، وقرارة الأكدار
دارٌ متى ما أضحكت في يومها
أبكت غدًا، بُعدًا لها من دار
غاراتها لا تنقضي، وأسيرها
لا يُفتدى بجلائل الأخطار
وأحفل مِن ذلك بالنغم ما يسميه البديعيون بـ"التسميط"، حيث لا توجد قافية داخلية تتكرر في الشطرات الثواني من الأبيات، بل قافية تتكرر عدة مرات في البيت الواحد؛ كما في المثالين التاليين:
هُمُ القوم: إن قالوا أصابوا، وإن دُعُوا ** أجابوا، وإن أعطَوْا أطابوا وأجزلوا
***
وحربٍ وردتَ، وثغرٍ سددتَ
وعِلْج شددتَ عليه الحِبالا
ومالٍ حويتَ، وخيلٍ حميتَ
وضيفٍ قرَيْتَ يخاف الوَكالا
أي إنه إذا كان تكرُّر القافية في "التشريع" تكررًا أفقيًّا، فإنه يتخذ في "التسميط" الوضع الرأسي.
ومِن موسيقا الإبداع الأدبي أيضًا "التجنيس"، الذي يصل إلى قمة نغميته في النوع المسمى بـ"الجناس التام"، مثل قول الشاعر:
حَدَق الآجال آجالُ ** والهوى للمرء قتَّالُ
فـ"آجال" الأولى جمع "إجْل"؛ أي: الظباء، وكان العرب يشبهون بها النساء الجميلات ذوات العيون النُّجل، و"آجال" الثانية جمع "أجل"، وهو الموت، والمقصود أن في العيون الساحرة حتفًا لمن تسوقه مقاديره إلى الوقوع في شباكها، وفي التنبه إلى أن "آجال" الثانية هي غير "آجال" الأولى مفاجأة مدهشة ومنعشة معًا، ومن ذلك أيضًا قول أبي تمام:
ما مات مِن كرم الزمان فإنه ** يحيا لدى يحيى بن عبدالله
وهذه المفاجأة تكون أكثر إدهاشًا وإنعاشًا في مثل قول الشاعر:
فلم تضَعِ الأعادي قدر شاني ** ولا قالوا: فلانٌ قد رشاني
حيث نجدُ أنفسنا، لا أمام كلمتين متقابلتين، بل أمام عبارتين كل منهما تختلف في تركيبها عن الأخرى اختلافًا يفسره انتقال الراء في العبارة الثانية من آخر كلمة "قدر" إلى أول كلمة "شاني"، مما غيَّر الكلام من "قدر شاني" إلى "قد رشاني"، وهناك لون آخر من "الجناس" أقل من هذا في موسيقيته، لكنه لا يخلو مع ذلك من مفاجأة الإدهاش والإنعاش، إن لم يزد نصيبه منها، ألا وهو "الجناس المذيَّل"، كالذي بين "الجوى" و"الجوانح" في قول الخنساء:
إن البكاءَ هو الشفا ** ءُ مِن الجوى بين الجوانح
وقول أبي تمام:
يمدُدْن من أيد عواصٍ عواصمٍ ** تصول بأسياف قواضٍ قواضبٍ
ومِن أجمل صور "الجناس" تنغيمًا ما كان بين كلمتين متعاقبتين؛ كما في قوله عز وجل على لسان الهدهد مخاطبًا سليمان عليه السلام: "وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ" [النمل: 22][3]، وكما في قوله تعالى أيضًا: "وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ" [الهمزة: 1، 2].
ومن ألوان الموسيقا في الإبداع الأدبي كذلك ما يسمى: "رد الأعجاز على الصدور"؛ كما في قوله تعالى: "قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ" [الشعراء: 168]، وقول بعضهم: "سائل اللئيم يرجع ودمه سائل"، وأشباه ذلك، وهو، كما يتضح من المثالين، تكرير الكلمة بنصها، أو بما يقرب منها في أول الكلام وآخره؛ فهو كالصدفتين المتناظرتين اللتين تشكلان معا كُلًّا فنيًّا بديعًا.
كذلك من أشكال الموسيقا في إبداعات الأدب ما يطلق عليه في علم البديع اسم "الموازنة"؛ كقوله عز من قائل عن موسى وهارون: "وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" [الصافات: 117، 118]، وكقول عمرو بن كلثوم في معلقته يشمخ بأنفه عاليًا على ملك الحِيرة عمرو بن هند:
بأنَّا المطعمون إذا قدرنا
وأنَّا المُهلكون إذا ابتُلِينا
وأنَّا التاركون إذا سخطنا
وأنَّا الآخذون إذا رضِينا
وأنَّا العاصمون إذا أُطعنا
وأنا العازمون إذا عُصينا
وكقول ابن تمام:
فأحجم لما لم يجِدْ فيك مطمعًا ** وأقدم لما لم يجِدْ عنك مهرَبَا
حيث نجد في بيت الشاعر العباسي مثلًا أن كل كلمة في جملته الأولى متوازنة مع نظيرتها الثانية: "فأحجم/ وأقدم، لما/ لما، لم/ لم، يجد/ يجد، فيك/ فيك، مطعمًا/ مهربًا"، ومن ذلك أيضًا هذا البيت المشهور للمتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ** وأنثني وبياض الصبح يُغرِي بي
وفي "الموازنة" موسيقية واضحة أساسها التناظر بين الجملتين.
وفضلًا عما مرَّ، هناك تكرار الكلمة أو العبارة داخل الجملة الواحدة أو على مدى متقارب في الفقرة من الكلام حيث يبدو الأمر وكأنه الصوت وأصداؤه بما يترتب على ذلك من رنين تطرب له الأذن وتهفو إليه النفس، علاوة على تأكيده للمعنى، لنأخذ مثلًا قوله تعالى عن اليهود: "وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" [آل عمران: 78]، وعلى نفس المنوال تجري السطور التالية التي اقتطفناها من مقال للدكتور زكي مبارك، كتبه عن "أيام" طه حسين: "وهو طه حسين، ولن يكون غير طه حسين، وكيف يكون برجل آخر، وهو ليس برجل آخر؟ تلك إذًا قضية، وإن لم تكن له قضية، وكيف تكون له قضية، وهو أعظم من أن تكون له قضية؟"[4]، أما في الشعر فنشير إلى ربيعة الرقي الشاعر العباسي الذي يمضي فيكرر في إحدى قصائده اسم حبيبته "داح" وكأنه درويش من الدراويش يصيح باسم مَن يهوى متراقصًا من الوَجْد:
صاح، إني غير صاح
أبدًا من حب داح
وعصى في حب داح
كل لوَّام ولاح
صار قدحًا حب داح
في فؤادي المستباح
داح داح حِب نصر
آحِ من حُبك آح
إن ربع ابن نُصير
معدن البيض الملاح
فيه داحٌ، ولما في
حب داح من جُناح
وفتاة غير داح
ذات دلٍّ ومزاح
قد تجشمت إليها
هول ليل ونباح[5]
ومِن قبلُ نجد مالك بن الريب في مرثيته لنفسه التي يعز نظيرها في الآداب المختلفة يكرر اسم موطنه عند "الغضى" وهو يجود بأنفاسه الأخيرة في بلاد الغربة من خراسان إثر أن لدغته عقرب في بعض الطريق؛ إذ فاضت نفسه وجدًا وتشوقًا إلى مسقط رأسه وأهله فأنشأ يقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بجنب
الغضى أزحي القلاص النواجيا؟
فليت الغضى لم يقطع الرَّكبُ عرضه
وليت الغضى ماشي الركاب لياليا
لقد كان في أهل الغضى لو دنا الغضى
مزار، ولكن الغضى ليس دانيا
وفي القرآن المجيد أمثلةٌ غير قليلة لتكرار آية بأكملها أو جزء منها؛ كما في سور "الشعراء" و"الصافات" و"القمر" و"الرحمن" و"المرسلات"[6]، وأثر ذلك في إبراز المعنى بالإلحاح عليه وشدة التذكير به أوضح من أن يحتاج لبراهين، وقد أطلق بعض الدارسين الغربيين على الآية التي من هذا القبيل مصطلح "القرار: refrsaisdn"([7])، ولهذا مغزاه الذي لا يخفى.
ولا يقف أمر الإيقاع الموسيقي في إبداعات الأدب عند هذا الحد، بل هناك أيضًا مساوقة حرف أو حروف معينة لبعض المعاني أو المشاعر مما يؤدي لتقويتها من خلال الإيحاء الصوتي بها: ومن هذا الوادي ما لمحه د. محمد النويهي من الدور الذي يقوم به حرفا السين والفاء الساكنتين عند نهاية التفعيلتين الأوليين في البيت التالي الذي يصف فيه تأبط شرًّا ما كان يتمتع به ابن عمه من سرعة رهيبة في العدو:
ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي ** بمنخرق من شده المتدارك
إذ يوحي الحرفان المذكوران بعصف الريح واحتكاك جسم ذلك العدَّاء بالهواء أثناء جريه الخارق([8])، كذلك لاحظ سيد قطب أن في استعمال القرآن الكريم لصيغة "افتعل" في قوله تعالى عن معاناة أصحاب الجحيم وصراخهم من هول العذاب:(وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) [فاطر: 37] إيحاءً بمدى فظاعة الألم الذي كانوا يقاسونه حتى عندما كانوا يصرخون، وذلك من خلال الثقل الناتج من تجاور حرفي الصاد والطاء في كلمة: (يَصْطَرِخُونَ ) [فاطر: 37][9]، ويمكننا أن نضيف إلى ذلك استخدام كعب بن زهير هذه الصيغة نفسها في إشارته إلى صعوبة قطعه البيداء أثناء وفادته على الرسول عليه السلام؛ إذ كان يختبئ نهارًا، ويرحل ليلًا؛ خشية أن يعثر به أحد المسلمين قبل أن يبلغ الرسول ويعلن رجوعه عن حرب الإسلام ودخوله في دعوته صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله:
ما زلتُ أقتطع البيداء مُدَّرِعًا ** جُنح الظلام، وثوب الليل مسدول
وبالمثل يمكننا أن نرى في تسكين الجيم واللام في "فَجْع" و"وَلْع"، وفي سكنتي التنوين الخاص بحرف العين في كل من هاتين الكلمتين في قول الشاعر نفسه عن حبيبته الغادرة:
لكنها خُلة قد سيط من دمها ** فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخلاف وتبديل
إيحاء بما كان يلذع فؤاده من حرقات الحرمان، وكذلك في مدتي "إخلاف" و"تبديل" تنفيسًا عن ألم هذه الحرقات كأنهما زفرتا متأوِّه، أما المد في كلمات الشطر الأخير من البيت التالي من نفس القصيدة:
أمسَتْ سعادُ بأرضٍ لا يُبلِّغها ** إلا العِتاقُ النَّجيَّات المراسيل
فهو يوحي بتطاول المسافات بينه وبين حبيبته الهاجرة، تلك المسافات التي لا يمكن قطعها إلا على ظهور النُّوق العتاق النجيات المراسيل.
على أنه ينبغي القول بأننا لا نقصد أن الشاعر، حين يفعل ذلك، إنما يفعله عن وعي وبينة، بل نريد أن عبقريته الباطنة تعمل عملها غالبًا في الخفاء، فتمدُّه بهذه العجائب الشادهة دون أن يظهر عليه أن يقصد ما يفعل، إنها الموهبة الربانية، والمحفوظ الشعري الواسع الذي يبدو وكأنه قد نُسي وانتهى أمره، لكنه في الواقع لا يزال هناك يفعل فعله في أعماق النفس البعيدة، فضلًا عن التمرس الطويل بالنظم، وهذا يذكرني بالجني الذي في خاتم سليمان، لكنه هنا جني يؤدي عمله في صمت دون أن يضيع وقته في النطق بعبارة "شبيك، لبيك! عبدك وبين يديك"، بل دون أن ينتظر الأمر بما يجب عليه فعله.
وإذا كان جان برتلمي يقلل من شأن موسيقا الشعر لصالح موسيقا الآلات[10]، فإننا على العكس من ذلك نرى أن تأثير موسيقا الشعر، والأدب بعامة، أقوى من تأثير الموسيقا الخالصة وأفعل بالنفس كما سبق القول، وإن كنا لا نشاح في أن أنغام الموسيقا الأدبية أخفتُ صوتًا من أنغام الصفارة والقيثارة والدف والصنج وما إليها من آلات العزف.
وبعد، فإن للموسيقا تأثيرها الضخم على النفس الإنسانية، ومن هنا كان طربُنا للشعر والنشوة التي نتلقاه بها، إنها تفتح أبواب العقول والقلوب أمام إبداعات ذلك الفن العجيب، وتستولي على حصونهما وتسلم مفاتيحها له، وتبسط سلطانه عليها، وكم من مرة طالعنا ترجمة نثرية لهذا النص الشعري أو ذاك فلم يكن لها ذلك العُلُوق بالنفس الذي للترجمة الشعرية حتى لو كانت أقل دقة في نقل الأصل، إن في الموسيقا سرًّا عجيبًا، كما أن لإيحاءاتها أثرًا هائلًا في تقوية المعاني والمشاعر التي يراد توصيلها إلى المتلقِّي، إنها تَهَبُ المعاني والمشاعر أجنحة عملاقة تطير بها إلى الذُّرَى، لكنها، رغم ذلك، تشكِّل قيدًا على المبدع، بيد أنه قيد يستخرج قواه العبقرية من مكامنها ويستحثها وينفخ في ضرامها حتى تتوقد وتصبح لهيبًا يتلظى!
وبسببٍ من هذا التأثير الساحر للموسيقا في الشعر فإن نقاد هذا الفن وعشاقه قد يقبلون من الشاعر ما لا يقبلونه من الناثر ويغتفرونه له بمحبة خالصة، وهذا مفتاح ما يسمى بـ"الضرورات الشعرية"، إن هذا المصطلح إنما يشير إلى جانب الضرورة والقيود، غير أننا، عند إمعان النظر، نرى أن سحر الموسيقا الشعرية في الواقع هو، على أقل تقدير، السبب الأول في عدم انزعاجنا من صرف الممنوع من الصرف، أو همز الاسم الموصول، أو تسكين ياء المضارع أو واوه بدلًا من فتحهما في حالة النصب... إلى آخر ما يُعْرف بـ"الضرورات الشعرية" مما لو اجترح منه الناثر شيئًا لَجُوبِهَ على الفور بالانتقاد العنيف.
ونضيف إلى ذلك تقبلنا، وبتلذذ في غير قليل من الأحيان، للألفاظ والصيغ غير الشائعة، والتراكيب التي تقف عندها الأذن مستغربة، أو ربما مستهجنة، لو وردت في كتابة نثرية، صحيح أن قيود الوزن والقافية والأسجاع والموازنات... إلخ هي التي تضطر الشاعر إلى هذا وغيره، لكن سحر الموسيقا أيضًا هو الذي يَجْبُر هذه الضرورة، ويحلي تلك القيود أن الموسيقا مسؤولة في الحالين: إنها تقيد من جهة، لكنها تعود من الجهة الأخرى فتفك هذه القيود وتطلق الطاقات المذخورة، إنها هناك سلبًا وإيجابًا، وهذه من مفارقات الإبداع الأدبي المدهشة، ومن ذلك مثلًا هذا البيت لعمر بن أبي ربيعة، الذي يتحدث فيه عن طول ترقُّبه مغيب القمر تطلعًا إلى لقاء فتاته في أمان من العيون:
وغاب قُمَيرٌ كنت أرجو غيوبَه ** وروَّح رُعيانٌ ونوَّم سُمَّرُ
حيث استخدم صيغة التصغير: "قُمير" بدلًا من "قمر"، والمصدر "غُيوب" بدلًا من "مغيب" أو "غياب"، والفعلين: "روَّح" و"نوَّم" بدلًا من "راح" و"نام"، والجمعين: "رُعيان" و"سُمَّر" بدلا من "رُعاة" و"سامرون" أو "سُمار"، وكذلك قول إبراهيم ناجي في قصيدته "العودة":
دارُ أحلامي وحبي لقيتنا
في وجوم مثلما تلقى الجديد
أنكرتنا، وهي كانت إن رأتنا
يضحك النور إلينا من بعيد
فعبثًا نبحث في جملة "يضحك النور" (وهي خبر "كانت") عن ضمير يعود على اسم هذا الفعل الناسخ، ومع ذلك فإن النغم الموسيقي للبيت يغطِّي على ما فيه من كسرٍ لهذه القاعدة التركيبية.
إن الشِّعر ليشبه المرأة الجميلة الأنيقة التي يُغتفر لها ما لا يُغتفر للعاطلات من الجمال والأناقة جميعًا: هذه لفتنتها وجمالها، وذاك لسحر أنغامه وموسيقاه، ومن هنا أيضًا نستطيع أن نفهم مثلًا كيف أنه لا ملام على الشاعر إذا خاطب الملوك بأسمائهم المجردة، أو إذا استعمل معهم فعل الأمر بضمير المفرد عاريًا عن عبارات الترجي والخضوع التي كثيرًا ما نُضطر للجوء إليها حتى في مخاطبة مَن ليسوا ملوكًا، على الأقل من باب اللياقة الاجتماعية، إنه سحر الموسيقا العجيب!