إن ظاهرة الشعوبية المحدثة والشطط الحاصل في نسبة ألفاظ عربية بعينها إلى هذه اللغة الجزيرية أو تلك لأسباب تتعلق بأسبقية التدوين، ظاهرة أصبحت ملحوظة في المجلات والمواقع العنكبية .. وأسبقية التدوين لا يقول بها عالم. وأكثر من يقول بها الشعوبيون وبعض الكتاب الذين يكتبون "على البركة" مثل الأب رافائيل نخلة اليسوعي في كتابه (غرائب اللغة العربية. المطبعة الكاثوليكية، بيروت،
1959)، حيث يرد كل كلمة عربية ذات أصل جزيري مشترك إلى السريانية لأنها أقدم تدوينا من العربية .. وهذا مذهب فاسد لأنه يقتضي بالمنطق رد جميع الكلمات السريانية ذات الأصول الجزيرية إلى العبرية لأن العبرية أقدم تدوينا من السريانية. كما يجوز وفقا لذلك المذهب رد العبرية إلى الأوغاريتية لأنها أسبق تدوينا من العبرية، والأوغاريتية إلى الأكادية وهلم جرا. والباحث العربي الذي تفطن إلى هذا الأمر هو الأب أنستاس ماري الكرملي الذي يقول في هذا الصدد: "ولا تكون الكلمة العربية من العبرية أو الآرامية إلا إذا كانت تلك الكلمة خاصة بشؤون بني إرم أو بني إسرائيل. أما الألفاظ العامة المشتركة بين الساميين جميعا، فليس ثم فضل لغة على لغة".
(1)
ثم إن البحث العلمي أثبت أن العربية الشمالية – على الرغم من أنها أحدث تدوينا من سائر اللغات الجزيرية – أقدم من سائر اللغات الجزيرية، بما في ذلك الأكادية التي دونت ابتداء من مطلع الألفية الثالية قبل الميلاد. ونستأنس في هذا السياق بقول النحوي السرياني أقليميس يوسف داود مطران دمشق على السريان في كتابه اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية: "وأشهر اللغات السامية هي العربية والعبرانية والسريانية والحبشية بفروعهن الكثيرة [..] وإنما ذكرنا العربية أولا بين اللغات الجزيرية لأن العربية باعتراف جميع المحققين هي أشرف اللغات السامية من حيث هي لغة وأقدمهن وأغناهن. ومعرفتها لازمة لمن يريد أن يتقن حسنا معرفة سائر اللغات السامية ولا سيما السريانية".
(2) ويضيف: "ثم إننا لا نعتقد أن الآرامية هي أقدم اللغات السامية كما زعم قوم، وأقل من ذلك أنها أقدم لغات العالم كما زعم غيرهم بلا بينة ولا أساس. بل نثبت مع العلماء المحققين أن اللغة العربية هي التي تقرب إلى أم اللغات السامية أكثر من أخواتها".
(3) ويقصد أقليميس يوسف داود بالعلماء المحققين المستشرقين الذين قالوا بهذا الرأي الذي ينقله، ونذكر منهم شخولتنز ونولدكة وبرغشتراسر وبروكلمان ورايت ودي لاسي الذين أثبتوا هذه الحقيقة بالدرس المقارن للغات الجزيرية.
سوف نتأمل في هذه الصفحة في ألفاظ عربية قحة ربما توهم فيها المتوهمون ونسبها إلى غير أصلها الجاهلون. ونبدأ بكلمة (لغة) التي زعم زاعم بأنها من اليونانية (لوغوس).
يشير الاستقراء في الجذور الجزيرية إلى أن الجذور كانت الأصل ثنائية كما ذكرنا، يضاف إليها حرف ثالث لتحديد المعنى. مثلاً: الجذر الثنائي /ج م/ يفيد ـ في أكثر اللغات الجزيرية ـ معنى "الجمع"، ثم أضيفت إليه حروف أخرى لتحديد المعنى فكانت الجذور الثلاثية /جمع/ و/جمم/ و/جمل/ الخ التي تفيد معاني فرعية دقيقة تدور كلها في المعنى العام ألا وهو "الجمع" كما أسلفت.
وإذا نظرنا في الجذر الجزيري الثنائي /لغ/، وجدنا أن المعنى العام له هو: "الكلام غير المفيد؛ الثرثرة؛ الكلام السري". وإذا أمعنا في الاستقراء وجدنا أن الشعوب الجزيرية أضافت إليه حروفا ثالثة للحصول على جذور ثلاثية مثل /لغط/ و/لغو/ و/لغز/ و/لغم/ و/لغي/ الخ. وتفيد هذه الجذور كلها في اللغات الجزيرية معاني تدور حول المعنى العام للجذر الثنائي /لغ/ ألا وهو "الكلام غير المفيد؛ الثرثرة؛ الكلام السري". لنتأمل هذه الجذور في اللغات الجزيرية:
1. /لغز/: يفيد هذا الجذر في العربية معنى "اللغز" المعروف، وهو الشيء المبهم والغامض. ويجانسه في العبرية:
לעז = /لَعَز/ [وأصله: لَغَز بالغين] "تحدث بلغة مبهمة ومن ثمة أجنبية". والكلام الأجنبي غير المفهوم هو بمثابة "اللغز" على الجاهل به كما هو معلوم. ومنه في العبرية:
לעז = /لُغِز/ "اللغة الأجنبية". ويجانسه في الآرامية القديمة:
לעוזא = /لَعُوزا/ [وأصله: لغوزا] "التحدث بلغة أجنبية". ويجانسه في السريانية:
ܠܥܙ = /لِعَز/ [وأصله: لِغَز] "تحدثَ بلغة أجنبية أيضاً"، وكذلك
ܠܥܙܐ = /لَعْزا/ [وأصله: لَغزا] "اللغة الأجنبية". ومنه في العبرية أيضاًَ
לעז = /لَعَز/ [وأصله: لغز] بمعنى "غمزَ، لمزَ". ولا يحتج بتفسير بعض الاشتقاقيين الشعبيين من اليهود لـ
לעז = لعز على أنه منقحر من
לשון עם זר = /لَشون عَم زَر/ أي "لسان شعب أحنبي"، فهذا اشتقاق شعبي لا أساس له.
2. /لغط/: يفيد هذا الجذر في العربية معنى "اللغط" المعروف، وهو الشيء السري. ويجانسه في العبرية:
לעט = /لَعَط/ [وأصله: لغط بالغين أيضا] "بلعَ الكلام بَلعاً (أي تحدث بصوت غير واضح)". الأكادية /لَعاطُ/ مثله؛ والسريانية:
ܠܘܥܛܐ = /لُوعاطا/ "ثرثرة".
(4)
3. /لغو/: يفيد هذا الجذر في العربية معنى "اللغو" المعروف، ومنه اشتقت /لغة/ وأصلها /لغوة/ وهو اسم المرة من "اللغو". ويجانسه في العبرية قطعا لا تخمينا
(5):
לעע = /لَعَع/ [وأصله: لَغَغ] "لغا يَلغُو"!
أما "لوغوس" (
λόγος) فتذكر المعاجم اليونانية أن المعنى الحسي لها هو "اختار". أما معنى "تحدث" فهو مجازي فيها لأنه جاء فيها بمعنى "اختار الكلمات" ومن ثم "الكلام المختار" أي "الكلام المنطقي" (
logic/logique). وعليه: فلا علاقة
لغوية بين "لوغوس" اليونانية و"لغة" العربية، لا من قريب ولا من بعيد، لأن "لغة" عربية قحة تشترك العربية في أصولها مع أكثر أخواتها اللغات الجزيرية. والاحتمال المنطقي أن يكون مرد التشابه بين الكلمتين العربية واليونانية إلى الصدفة أو إلى اقتراض اليونانية الكلمة من العربية.
------------------------------------
الحواشي:
(1) انظر: الأب أنستاس ماري (1938). نشوء اللغة العربية ونموها واكتمالها. الصفحة 67.
(2) انظر: داود، أقليميس يوسف (1896). اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية. الموصل، مطبعة دير الآباء الدومنيكيين. الصفحة 10.
(3) انظر: داود، أقليميس يوسف (1896). اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية. الموصل، مطبعة دير الآباء الدومنيكيين. الصفحة 13.
(4) ومن ܠܘܥܛܐ = /لوعاطا/ "ثرثرة" في اللهجات الشامية ـ التي هي من بقايا الآرامية التي كانت تحكى في الشام قبل تعريبها: لَعَّ أي "ثَرثَرَ" وكذلك قول الشاميين: حاجِه تْلِعّْ أي "كفاك ثرثرة" وكذلك لَعْلُوع أي "ثرثار")!
(5) وذلك بعد رد هذا الجذر إلى أصله الثنائي وذلك بإسقاط لام /لغو/ العربي ولام /لَعَع/ العبري ليصبح لدينا: /لغ/ وهو الجذر الثنائي لكل من /لغط/ و/لغو/ و/لغز/ و/لغم/ و/لغي/ الخ!