الألفاظ الأعجمية في القرآن الكريم
دراسة في ضوء معطيات علم اللغة الحديث
بقلم: سليمان بن علي*
تعتبر مسألة وجود ألفاظ غير عربية في القرآن الكريم من المسائل التي كثر حولها الجدل قديما وحديثا، مما جعلها تفوز بقسط وافر من كتابات القدماء والمحدثين، من مؤيد لورودها في الذكر الحكيم ومن مخالف لذلك، ولكل حججه وأدلته من المنقول أو المعقول .
غير أنني لاحظت فيما لاحظت أن أغلب المحدثين ينزعون إلى أحد الرأيين مستميتين في الدفاع عنه بكل ما تُقدّمُه الدراسات اللغوية الحديثة من مناهج وأفكار، خاصة في مجال المقارنة بين اللغات، هذا المجال الذي اعتبره بعضهم خير دليل على عدم وجود تلك الكلمات الأعجمية في القرآن بسبب أنها تمثل تطورا لكلمات عربية قديمة " أي أن الأصل العربي القديم الذي انحدرت منه تلك الكلمات موجود، وبشيء من المقارنة نحكم على تلك الكلمات بأنها أصيلة في العربية، ولكنها خضعت للتطور )، بينما اعتبره بعضهم الآخر أفضل دليل لنفي عربية تلك الكلمات، إذ اتضح لهم بالمقارنة أن هذه الكلمات التي وردت في القرآن الكريم ذات أصول أجنبية، وأن العرب أخذوها وصقلوها بما يتماشى وقوانين لغتهم، فوقوفهم على تلك الأصول الأعجمية ينفي عندهم عروبة تلك الكلمات . وسنتحدث عن ذلك بإسهاب في حينه.
والذي يهمنا هو أن كل أولئك الدارسين من المحدثين لم يحاولوا التوفيق بين جميع ما توصلوا إليه من نتائج في مجال دراساتهم المقارنة، وإنما ذهب كل فريق بما اعتقد أنه الصواب دون غيره، لا يريد أن يتنازل عن رأيه أو أن ينظر إلى رأي الآخر على أنه يحتمل أن يكون صوابا، خاصة إذا كانت دراساتهم جميعا علمية وتستند إلى حقائق العلم المنهجي الصحيح . ولا بأس أن أورد هنا - وقبل أن نصل إلى مبتغانا من هذه الدراسة - آراء بعض القدماء في هذه المسألة معرجا بعد ذلك على آراء بعض المحدثين، بأدلتها التي سيقت لإثباتها؛ وذلك قصد وضع القارئ أمام معطيات البحث وإشكالاته بدقة .
آراء بعض القدماء
مذهب ابن عباس وعكرمة ومجاهد وغيرهم أنه وقع في القرآن ما ليس من لسان العرب(1)، فمن ذلك (الطور) جبل بالسريانية و(طفقا) أي قصدا بالرومية و(القسط) و(القسطاس) العدل بالرومية (إنا هدنا إليك) تبنا بالعبرانية و(السجل) الكتاب بالفارسية و(الرقيم) اللوح بالرومية و(المهل) عكر الزيت بلسان أهل المغرب و(السندس) الرقيق من الستر بالهندية و(الإستبرق) الغليظ بالفارسية بحذف القاف (السرى) النهر الصغير باليونانية (طه) أى طأ يا رجل بالعبرانية (يصهر) أي ينضج بلسان أهل المغرب (سينين) الحسن بالنبطية (المشكاة) الكوة بالحبشية وقيل الزجاجة تسرج (الدري) المضيء بالحبشية (الأليم) المؤلم بالعبرانية (ناظرين) إناه أي نضجه بلسان أهل المغرب (الملة الآخرة) أي الأولى بالقبطية والقبط يسمون الآخرة الأولى والأولى الآخرة (وراءهم ملك) أي أمامهم بالقبطية (اليم) البحر بالقبطية (بطائنها) ظواهرها بالقبطية (الأب) الحشيش بلغة أهل المغرب (إن ناشئة الليل)، قال ابن عباس (نشأ) بلغة الحبشة قام من الليل (كفلين من رحمته) قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ضعفين بلغة الحبشة (القسورة) الأسد بلغة الحبشة، واختار الزمخشري أن التوراة والإنجيل أعجميان ورجّح ذلك بقراءة الأنجيل بالفتح(2) .
وقد يحتج لهذا المذهب عند بعضهم بأن العرب كانت لها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وبرحلتي قريش، وكسفر مسافر بن أبي عمرو إلى الشام، وكسفر عمر بن الخطاب، وكسفر عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة، وكسفر الأعشى إلى الحيرة وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة، فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرى مجرى العربي الصحيح ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن، فإن جهلها عربي ما فكجهله الصريح بما في لغة غيره كما لم يعرف ابن عباس معنى فاطر إلى غير ذلك (3) . كما ذهب بعضهم إلى أن تلك الألفاظ لقلتها لا تخرج القرآن عن كونه عربيا مبينا ولا رسول الله عن كونه متكلما بلسان قومه (4) .
أما مذهب الشافعي، وهو قول جمهور العلماء – كما نصّ على ذلك الزركشي - منهم أبو عبيدة ومحمد بن جرير الطبرى والقاضى أبو بكر بن الطيب وأبو الحسين بن فارس اللغوى والباقلاني فعلى خلاف ذلك إذ رأوا أن القرآن أنزله الله بلغة العرب فلا يجوز قراءته وتلاوته إلا بها لقوله تعالى : ( إنا أنزلناه قرآنا عربيا )[يوسف 02]، وقوله : (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصّلت آياته )[فصلت 44] يدل على أنه ليس فيه غير العربي، لأن الله تعالى جعله معجزة شاهدة لنبيه عليه الصلاة والسلام ودلالة قاطعة لصدقه وليتحدى العرب العرباء به ويحاضر البلغاء والفصحاء والشعراء بآياته، فلو اشتمل على غير لغة العرب لم تكن له فائدة (5) . واستدل بعضهم على ذلك بأن ما وجد فيه من الألفاظ التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها أن تواردت اللغات عليها فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة وغيرهم (6)، أي أن ما وقع في القرآن مما يوافق الأعجمية فهو من باب ما توافقت فيه اللغات (7)، ورُدّ بأنه بعيد وأنه يجب أن تكون إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر مع عدم دفع جواز الاتفاق قليلا شاذا (8) . كما نجد أن فكرة توافق اللغات قد استبعدها فقه اللغة الحديث (9).
وقال أبو عبيدة فيما حكاه الزركشي عن ابن فارس : " إنما أنزل القرآن بلسان عربى مبين فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول ومن زعـم أن كذا بالنبطية فقد أكبر القول، قال : ومعناه أتى بأمر عظيم) (10)، واحتج بقوله تعالى : ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) [الزخرف 03] (11) هذا، وقد حكى ابن فارس أيضا عن أبى عبيد القاسم بن سلام أنه حكى الخلاف في ذلك ونسب القول بوقوعه إلى الفقهاء والمنع إلى أهل العربية (12) .
هذه خلاصة ما ذهب إليه العلماء في قضية الألفاظ الأعجمية في القرآن الكريم سردتها باقتضاب دون تفصيل دقائقها، لأن الغرض هو أن يقف القارئ على هذا الاختلاف، فإن أراد التوسع فليعد إلى بعض المصادر التي اعتمدتها في هذه الدراسة أو إلى غيرها، وهي كثيرة .
________________________________________
يقول ابن فارس: وليس كل من خالف قائلا في مقالته ينسبه إلى الجهل،فقد اختلف الصدر الأول في تأويل آي من القرآن،ثم خلف من بعدهم خلف فأخذ بعضهم بقولٍ وأخذ بعض بقول، حسب اجتهادهم وما دلتهم الدلالة عليه.
________________________________________
إن الذي يهمنا هنا هو أن الاختلاف بين العلماء قديما – وحديثا كما سنرى – موجود، وهذا الاختلاف لا يدعونا بالضرورة إلى أن نقف إلى جانب أحد المذهبين ونصف أصحاب المذهب الآخر بعدم العلم أو عدم المعرفة أو حتى الكذب ! ، كما فعل بعض المحدثين عن قصد أو عن غير قصد، فلا يجوز أن يُقْدِم أحد على العلماء المشهود لهم – وهذا لا يعني أنهم معصومون - فينسبهم إلى الجهل ويتوهم عليهم أنهم أقدموا على كتاب الله بغير ما أراده الله عز و جل، فهم كانوا أعلم بالتأويل وأشد تعظيما للقرآن، وكما يقول ابن فارس: “ وليس كل من خالف قائلا في مقالته ينسبه إلى الجهل،فقد اختلف الصدر الأول في تأويل آي من القرآن،ثم خلف من بعدهم خلف فأخذ بعضهم بقولٍ وأخذ بعض بقول، حسب اجتهادهم وما دلتهم الدلالة عليه “(13)، وهذا لا ينفي كون بعض العلماء أفقه وأعلم بالتأويل من بعض، فقد ذهب الجواليقي إلى أن ابن عباس ومجاهد وعكرمة أعلم بالتأويل من أبي عبيدة، ولكنهم ذهبوا إلى مذهب وذهب هو إلى غيره، وأن كليهما مصيب إن شاء الله (14) .
دراسات المحدثون
وإذا ما انتقلنا إلى دراسات المحدثين في هذا الشأن ألفينا نفس الخلاف، فقد انقسم المحدثون قسمين :
قسم ذهب إلى وقوع هذه الألفاظ الأعجمية في القرآن، وقسم نفى ذلك وأرجع كل ما يعتقد أنه أعجمي إلى أصول عربية، كما أظهر بعض الباحثين شيئا من الوسطية فقالوا بوقوع النزر القليل من هذه الألفاظ ثم تزيّد بعض المتأخرين من العلماء وتكثروا (15) .
فمن الذين أثبتوا وقوع الألفاظ الأعجمية في القرآن نجد الدكتور حلمي خليل في كتابه ( المولد في العربية )، الذي يرى أن العربية في تاريخها الطويل لم تنج من تأثير اللغات الأخرى أو تأثيرها في اللغات الأخرى، ناهيك عن صلتها بما حولها من أمم وما جاورها من بلاد كبلاد فارس وبلاد الروم ..، وأن كل هذا وغيره يدل دلالة قاطعة على أن اللغة العربية احتكت بمعظم اللغات القديمة سواء من العائلة السامية أم من العائلات الأخرى (16). وقد سوغ له ذلك القول أن : " كلام القرآن الكريم ليبدو فوق طاقة البشر في توازنه وتجانسه وانسجامه، ومع ذلك لم يمنع أن ترد في هذا الكتاب الكريم ألفاظ مما اقترضتها العربية من اللغات الأخرى أثناء احتكاكها بهذه اللغات أو المتكلمين بها، وذلك باعتبار أن هذه الألفاظ أصبحت ملكا خالصا للعرب والعربية ولها من الدلالات ودقة الاستعمال ما لا تغني معه ألفاظ أخرى .. “ (17) .
ولكنه - رغم ذلك - يلاحظ على بعض القدماء عدم الدقة التي اتسمت بها أحكامهم في نسبتهم بعض تلك الألفاظ إلى لغات بعينها، ملتمسا لهم العذر لأن المحدثين ممن لهم دراية بفقه اللغة الحديث وقعوا في مثل هذه الأخطاء، ولأنهم - أي القدماء – لم يلموا بفكرة العائلات اللغوية وفصائلها وحركاتها التاريخية إلماما دقيقا (18) .
ونراه يقول بعد ذلك بوجود قدر من الألفاظ المشتركة بين العربية وغيرها من اللغات السامية، وأن هذه الألفاظ هي التي تسجل عدم دقة القدماء أحيانا في إصدار أحكام بنسبة بعضها إلى لغات معينة (19)، ولكن ذلك عنده لا يقلل من جهود علماء العربية القدماء ، وذلك لأن حصر الكلمات التي اقترضتها العربية من اللغات الأخرى أو بالنسبة لأي لغة أخرى مع معرفة أصولها البعيدة والطريق التي سلكتها عند دخولها إلى العربية أمر يحفه الغمـوض أحيانا(20) . ثم يستدرك قائلا : “ وعلى الرغم من اشتراك اللغات السامية في هذه الألفاظ فليس معنى ذلك إطلاق القول بأن العربية لم تقترض من اللغات السامية كلها أو بعضها، إذ لا شك أن بعض الألفاظ، التي أثبتت الدراسات اللغوية الحديثة أنها دخلت العربية، من بعض اللغات السامية “ (21) .
ويصل الدكتور حلمي خليل، بعد كل هذا، إلى حقيقة مهمة عنده، وهي أنه قد يكون من السهل إلى حد ما ردّ كلمة معربة إلى مصدرها الأول إذا كان هذا المصدر من عائلة لغوية أجنبية عن العربية، أما إذا كانت اللفظة من عائلة لغوية واحدة فإن الأمر عسير، إذ لا بد على الأقل من أن تكون الكلمة في هذه الحالة منتمية فكريا وحضاريا بشكل واضح إلى غير المجتمع الذي انتقلت إلى لغته أو أن تكون بلا سلسلة اشتقاقية (22)، لأنه إذا كان للكلمة عنده سلسلة اشتقاقية غير كاملة في العربية أو غيرها حكم عليها بعدم أصالتها في تلك اللغة، أما إذا كانت هذه السلسلة كلها موجودة في العربية فإن القول بأنها معربة باطل، إذ يمكن اعتبارها والحالة هذه من التراث العام للغات السامية كلفظ ( القدس ) مثلا (23) . وهو بذلك لا ينفي اشتراك اللغات في ألفاظ بعينها، مما ذكر بعض القدماء أنها انحدرت إلى العربية من لغات محددة ، وهذا ما دفعه إلى انتقاد بعض الدارسين المحدثين لمبالغتهم في إلحاق ألفاظ عربية أصيلة العروبة بمصادر سامية أخرى، ذاكرا أن الطريقة المثلى في حالة هذا المشترك يكون بيانها بذكر الألفاظ المشتركة بين اللغات السامية دون القول بأن العربية أو غيرها هي التي أخذت إلا عندما يثبت الانتقال بما لا شك فيه من الظواهر الصوتية والصرفية بالإضافة إلى الأدلة التاريخية و الحضارية، وهو ما لا نعدمه عند بعض الدارسين . أما إذا كانت هذه الألفاظ من مجموعات لغوية أخرى فإن المرجح هو تحقيق وجود اللفظة العربية بمعناها في أصل كامل التصرف له سلسلة واضحة من الاشتقاقات قبل أن نقول برأي في أصالة هذه الألفاظ أو عدم أصالتها في العربية (24)، فأساس الحكم عنده إذن يكمن في تصرف الألفاظ التي يشك في أصالتها في العربية تصرفا كاملا مما يولد سلسلة من الاشتقاقات، وهو ما لا يقبل به بعض المنكرين كما سنرى .
وقد ختم الدكتور حلمي خليل بحثه في هذه القضية بأن ظاهرة الاقتراض من لغات أخرى ظاهرة طبيعية ولا خطر فيها كما توهم بعض القدماء والمحدثين، وأنها وسيلة من وسائل النمو اللغوي ، وأن ذلك لا يعني فتح الباب في المقابل على مصراعيه لتدخل منه الألفاظ الأجنبية كيف شاءت، بل لا بد من مراعاة شرط العوز والحاجة، بالإضافة إلى صبها في قوالب عربية؛ وأن هذا هو السر في تشدد مجمع اللغة العربية بالنسبة للتعريب وإصداره لقراره بأن ذلك يكون عند الضرورة (25) .
هذا، ويمثل قسم المنكرين الأستاذ أحمد محمد شاكر الذي يرى أن أساس السلسلة الاشتقاقية الذي وضعه الدكتور حلمي خليل قد لا تتحقق لنا معرفته، وفي ذلك يقول : “ والعرب أمة من أقدم الأمم ولغتها من أقدم اللغات وجودا، كانت قبل إبراهيم وإسماعيل وقبل الكلدانية والعبرية والسريانية وغيرها بله الفارسية، وقد ذهب منها الشيء الكثير بذهاب مدنيتهم الأولى قبل التاريخ، فلعل الألفاظ القرآنية التي يظن أن أصلها ليس من لسان العرب ولا يعرف مصدر اشتقاقها، لعله من بعض ما فقد أصله وبقي الحرف [ أي اللفظ ] وحده ثم تزيد بعض العلماء المتأخرين وتكثروا في ادعاء العجمة لألفاظ من حروف القرآن “ (26)، وهو بذلك ينكر إنكارا تاما القول بوجود كلمات غير عربية في القرآن الكريم . ولكنه لا يثبت على هذه الحجة دائما في رد بعض الألفاظ التي ذكر الجواليقي في معربه أنها غير عربية، فمرة يرى هذا الرأي ومرة يرى أنها مما اتفقت فيها اللغات، وأخرى يفترض لها أصلا لا علاقة له بمعناه، ونحن نعلم أن من شروط الاشتقاق من أي لفظ أن تكون المشتقات مجتمعة على المعنى العام الذي وضع له ذلك الأصل، ودليلنا على ذلك قول ابن جني في تعريف الاشتقاق الذي نحن بصدده : “ .. كأن تأخذ أصلا من الأصول فتتقرّاه فتجمع بين معانيه وإن اختلفت صيغه ومبانيه، وذلك كتركيب ( س ل م ) فإنك تأخذ منه السلامة في تصرفه، نحو سلم ويسلم وسالم وسلمان وسلمى والسلامة والسليم : اللديغ؛ أطلق عليه تفاؤلا بالسلامة . وعلى ذلك بقية الباب إذا تأولته ...”(27)، وفي رأي رابع يرى الأستاذ شاكر أن ذكرها في القرآن فقط دليل عربيتها، وكأنه يحتكم في ذلك إلى قوله تعالى: )إنا أنزلناه قرآنا عربيا( [ يوسف 02 ].