الرد على أستاذة بالجامعة البريطانية تدَّعي أن اللغة العربية لا تصلح لتدريس العلوم
بقلم د.مصطفى شعبان
نشرت الدكتورة أمل قصري، الأستاذ بكلية الهندسة بالجامعة البريطانية، مقالًا في مجلة scientific amrican، عن أسباب تدهور التعليم الجامعي في مصر، أكدت فيه أن نظام الاختيار عبر ما يسمى مكتب التنسيق، عفى عليه الزمن ولم يتطور ليواكب التغيرات التي لحقت نظم التعليم في مختلف دول العالم.
وطالبت قصري باشتراك الطلاب في المشروعات البحثية والخروج من المدرجات ليزوروا الأماكن التي تمكنهم من تطبيق ما يدرسونه ومواجهة المشكلات، مضيفة أن الإنجليزية، هي لغة العلم واللغة العربية لم تشهد تطورًا لتتواكب مفرداتها مع التطور المستمر، مما يجعل تدريس العلوم بغير الإنجليزية ضربًا من الخيال، واذا تم استخدام العربية كلغة للعلم سيفقد الطالب القدرة على الاطلاع.
واختتمت الأستاذة بالجامعة البريطانية مقالها بتأكيد أنه لم يتم تطوير البرامج الدراسية منذ سنوات والأسوأ من ذلك أن تلك البرامج يتم استنساخها في كل الجامعات، حتى أصبحت الجامعات الحكومية والخاصة نسخة واحدة خالية من أي ابتكار، ولا توجد في مصر سوى جامعة واحدة تدرِّس برامج تشمل العلوم الحديثة.
وأقول وبالله التوفيق: إن كلام الأستاذة الفاضلة يحمل في جنباته جَنينَ إبطاله ونقضه بكل سهولة، وإني لأجد ردَّ هذه الأضغاثِ-بحول الله- على طرفِ الثُّمامِ، فإن من الحيثيات التي ذكرتها وادَّعت أن العربية من أجلها لا تصلح لتدريس العلوم التجريبية الحديثة ثلاث حيثيَّات:
أولاها: أن العربية في عصرنا ليست لغة العلم.
ثانيتها: أن العربية لم تشهد تطورًا في مفرداتها حتى تتواكب مع التطور المستمر.
ثالثتها: أن مناهج تعليم العربية لم يتم تطويرها، وما هي إلا استنساخ.
الردُّ على الحيثية الأولى: أن العربية في عصرنا ليست لغة العلم.
أقول للأستاذة: لا تُحمِّلي العربية ذنبَ خِذْلان أبنائها لها وتسلُّط أعدائها عليها، فمتى كانت الإنجليزية لغة العلم؟! إن الغرب المتقدم الآن كان منذ مائتي سنة تقريبًا لا يزال غارقًًا في الصراعات الطائفية والحروب والحملات العصبية، والنزاعات العرقية، وكان سلطان العربية سابغًا لأرجاء واسعة من آسيا وإفريقيا وأروبا، فمتى كانت الإنجليزية لغة العلم؟!
لقد ظلَّت العربية لغة العلم قبل عصور أوربا المظلمة الوسطى وبعدها لقرون عديدة، ولم تكن الإنجليزية قد برزتْ على مسرح اللغات التاريخية بعدُ، فقد تُرجمتِ العلومُ من العربية إلى اللاتينية؛ كالفن والعمارة والطب والصيدلة والزراعة والفلك والرياضيات والموسيقى واللغة والجغرافيا، وظلت حركة الترجمة سريعة لم تتوقف من القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر، وكانت كل تلك العلوم مدونة بالعربية الفصحى، وإليك على سبيل المثال لا الحصر تلك الأمثلة:
1-ترجم ستيفن البيزي عام 1127، كتيبًا عربيًا حول النظرية الطبية إلى اللاتينية.
2-طوّر الخوارزمي (من اسمه اشتقت كلمة “خوارزمية”) طريقة لأداء العمليات الحسابية باستخدام الأرقام العربية في القرن التاسع، والتي نقلها ليوناردو فيبوناتشي إلى أوروبا، كما ترجم روبرت من شيستر كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة للخوارزمي نحو عام 1145.
3-كانت لابن الهيثم مؤلفات في علم البصريات باللغة العربية، اعتمد عليها إسحاق نيوتن ورينيه ديكارت كمصادر في أبحاثهم. وكانت أيضًا العلوم الطبية متطورة للغاية عند المسلمين، بشهادة المشاركون في الحملات الصليبية، الذين اعتمدوا على الأطباء العرب في أكثر من مناسبة، كما ذكر جان دي جوانفيل أنه تم إنقاذه على يد طبيب مسلم عام 1250.
4-ترجم جيراردو الكريموني وحده 87 كتابًا من العربية للاتينية، منها المجسطي، وكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة للخوارزمي، وكتاب الهيئة في إصلاح المجسطي لجابر بن أفلح، والبصريات للكندي، وكتاب جوامع علم النجوم والحركات السماوية للفرغاني، وتصنيف العلوم للفارابي، وأعمال الخيمياء والكيمياء والطب والصيدلة للرازي، وأعمال ثابت بن قرة، وحنين بن إسحاق، والزرقالي، وبني موسى، وشجاع بن أسلم ،والزهراوي، وابن الهيثم (بما فيها كتاب المناظر).
5-ترجم روبرت من شيستر عام 1144 كتاب الكيمياء لجابر بن حيان (الذي ترجم في أوروبا بعنوان كتاب تراكيب الكيمياء (بالإنجليزية: Book of the Composition of Alchemy)، وترجم جيراردو الكريموني (قبل عام 1187)كتاب الرسائل السبعين.
6-كان لترجمة أعمال الخوارزمي أكبر الأثر على علم الرياضيات في أوروبا. فقد كتب الأستاذ الجامعي فيكتور كاتز قائلاً: "معظم الأعمال الأولى في الجبر في أوروبا، اعتمدت في الأساس على الترجمات لأعمال الخوارزمي والعلماء المسلمين الآخرين. كما أنه كان هناك إقرار بأن معظم علمي حساب المثلثات المستوي والكروي ينسبان إلى العلماء المسلمين".كما أن كلمة "algorithm" (خوارزمية)، مشتقة من الترجمة اللاتينية لاسم الخوارزمي "Algorismi"، وأيضًا كلمة "algebra" (جبر) مشتقة من عنوان كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة، لذا فهما يصنفان ككلمات إنجليزية من أصل عربي. كما ترجمت الأعمال الفلكية والرياضياتية العربية للبتانيوالفزاري إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر.
7-كتاب القانون في الطب لابن سينا أحد أعظم أعمال الترجمة لكتب طبية، والذي ترجم إلى اللاتينية، ثم طبع وانتشر في أوروبا. ظل هذا الكتاب المرجع الأساسي في الطب في أوروبا، حتى بداية العصر الحديث، وخلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر وحدهما، طبع الكتاب أكثر من 35 مرة. لاحظ ابن سينا ظاهرة نقل العدوى لبعض الأمراض المعدية التي تنتقل عبر الهواء من قبل شخص مريض، وشرح كيفية اختبار بعض الأمراض الجديدة حينها. وقد كتب ابن سينا أيضًا كتاب الشفاء، والذي كان بمثابة موسوعة عامة في العلوم والفلسفة، وقد حظي هذا الكتاب أيضًا بشعبية في أوروبا. كتب أبو بكر الرازي كتاب الحاوي في الطب، والذي وصف فيه بعناية بل وميّز بين مرضي الحصبة والجدري، وقد كان لهذا الكتاب أيضًا أثره في أوروبا. كما كتب الزهراوي كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف، وهو موسوعة طبية اشتهرت بسبب قسم الجراحة بها. تضمن هذا الكتاب وصف ورسوم لأكثر من مائتي جهاز جراحي، العديد منها من اختراع الزهراوي نفسه. وقد ترجم جيراردو الكريموني جزء الجراحة في الكتاب إلى اللاتينية، واستخدم من حينها في كليات الطب الأوروبية لقرون، وظلوا يصدرون منه الطبعات حتى نحو عام 1770.
8-ترجمت أعمال الفلسفة الإسلامية القديمة إلى العبرية واللاتينية والإسبانية اليهودية، مما ساهم في تطور الفلسفة الأوروبية الحديثة.
ومن أهم من أثر في الفلسفة الأوربية ابن رشد مؤسس مدرسة ابن رشد الفلسفية في النهضة العلمانية في أوروبا الغربية.
أسس ابن سينا مدرسة في الفلسفة، أثرت في العالمين الإسلامي والمسيحي على حدٍ سواء. كان ابن سينا من المعلقين المهمين على أعمال أرسطو، معدلاً فيها في بعض الجوانب بأفكاره الخاصة، و كان لابن رشد أيضًا مرسة فلسفية، جعلته أحد أكثر الفلاسفة المسلمين تأثيرًا في الغرب، اختلف ابن رشد مع ابن سينا حول تعليقات ابن سينا على أعمال أرسطو في بعض الجوانب مثل وحدة الفكر، وظل تعليق ابن رشد حول تلك المسألة هو السائد في أوروبا خلال العصور الوسطى. وقد اتفق دانتي أليغييري مع الرؤية الرشدية لنظرية علمانية الدولة في كتابه De Monarchia.
9-انتقلت عدد من التقنيات المستخدمة في العالم الإسلامي إلى أوروبا في العصور الوسطى، ومنها تقنيات زراعة عدد من المحاصيل، إضافة إلى عدد من الأجهزة الفلكية منها الإسطرلاب الإغريقي الذي طوره الفلكيون العرب ليستخدم في أي خط عرض جغرافي، والصفيحة الزيجية وهو إسطرلاب اخترعه الزرقالي، وآلة السدس، وعدد من الأجهزة الجراحية إضافة إلى المسننات المتقدمة التي استخدمت في الساعات المائية والآلات ذاتية التشغيل.ورغم أن التقطير كان شائعًا في عصر الإغريق والرومان، إلا أنه أعيد اكتشافه مرة أخرى في أوروبا العصور الوسطى نقلاً عن العرب، حتى أن كلمة "alcohol" (التي تستخدم لوصف السائل الناتج عن التقطير) مشتقة من كلمة "الكحول" العربية.وكذلك كلمة "alembic" (من الكلمة اليونانية "Ambix") هي في الأصل كلمة عربية (الأنبيق). وفي المجمل، يمكن القول بأن انتقال التقنية القديمة والحديثة من الشرق الأوسط إلى أوروبا عصر النهضة، مثّل أحد أكبر عمليات انتقال التقنية في التاريخ العالمي.
يقول الدكتور محمود الجليلي عضو المجمع العلمي العراقي:
«إن اتساع اللغة العربية يجعلها قابلة للتطور لتستوعب النمو السريع في مختلف العلوم والفنون، وقد سبق لها أن استوعبت العلوم والفلسفة قبل مئات السنين، وهي الآن ماضية في نفس السبيل».
ويؤكد الأستاذ خير الدين المهندس في كلية الهندسة بجامعة حلب السورية : «أن عبقرية اللغة العربية متأتية من توالدها. فكل كلمة فيها تلد بطوناً ، والمولودة بدورها تلد بطوناً أخرى، فحياتها منبثقة من داخلها، وهذا التوالد يجري بحسب قوانين، وصيغ، وأوزان، وقوالب، هي غاية في السهولة والعذوبة».
ويجزم الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله عضو أكاديمية المملكة المغربية والأمين العام للمكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي سابقًا بأن : «في مصنفات العلوم والفنون ذخيرة لغوية، كانت هي القوام الأساسي للتفاهم بين العلماء، والتعبير عن أعمق النظريات التقنية يوم كانت الحضارة العربية في عنفوان ازدهارها، ويكفي أن تتصفح كتابًاً علميًّاً أو فلسفيًّاً لتدرك مدى هذه القوة وتلك السعة الخارقة. ففي العربية إذن مقدرات شاسعة لا يتوقف حسن استغلالها إلا على مدى ضلاعتنا في فقه اللغة».
ويقول الأستاذ بنعبد الله:«أن اللغة العربية أصبحت في العصور الوسطى لغة الفلسفة والطب ومختلف العلوم والفنون، بل أصبحت لغة دولية للحضارة. ففي عام 1207 م لوحظ وجود معهد في جنوب أوروبا لتعليم اللغة العربية. ثم نظم المجمع المسيحي بعد ذلك تعليمها في أوروبا، وذلك بإحداث كراسي في كبريات الجامعات الغربية. وفي القرن السابع عشر اهتمت أوروبا الشمالية والشرقية اهتمامًاً خاصًّاً بتدريس اللغة العربية ونشرها. ففي 1636م قررت حكومة السويد تعليم العربية في بلادها. وعند ذلك الحين انصرفت السويد إلى طبع ونشر المصنفات الإسلامية، وبدأت روسيا تعتني بالدراسات الشرقية والعربية على الخصوص في عهد البطرس الأكبر الذي وجه إلى الشرق خمسة من الطلبة الروسيين. وفي عام 1769م قررت الملكة كاترينا إجبارية اللغة العربية. وفي عام 1816م أحدث قسم اللغات السامية في جامعة بتروكراد».
فأين كانت الإنجليزية في ذلك الوقت يا أستاذة؟! ومتى كانت لغةَ العلم؟!
إنَّ إعلاء مكانة العربية مسؤوليات أبنائها، وإرادة شعوبها، وعزيمة حواضرها، فمتى كان للعربية حواضر كبغداد وقرطبة والقاهرة، ومتى كان لها الكلمة العليا كانت لغة العلم والرُّقي والنهوض بالأمة، فإن اللغة رمز هُويَّة الأمة وعنوان حضارتها، فالمشكلة يا سيدتي مشكلة أمة وحضارة لا مشكلة اللغة، مشكلة أمة تكالبَ عليها أعداؤها من جانبٍ فأعاقوا سَيْرها وأوقفوا انطلاقها، وتخاذل عنها أبناؤها من جانبٍ آخر فاستقوَوا بضواري الغرب الرَّابضين حول عرينها يقتنصون كل سانحةٍ ويستبقون لكل فرصة حتى ينقضُّوا عليها فريسةً هيِّنة وحِمى ضائعًا ومرتعًا خِصبًا غاب عنه حُماته.
وقد حملت الأندلس مشاعل النور لثمانية قرون وظلَّت العلوم تُدرَّسُ في جوامعها وجامعاتها بالعربية الفصحى، وكانت لغة العلم باقتدار، فما الذي حدث اليوم؟! هل تغيرت خصائص اللغة وطبيعتها فأصبحت تنوء بحِمل أعباء ابتكار المصطلحات العلمية وتئِطُّ عن تحمُّل تسارع العلوم وتقدمها وتطورها المتنامي؟! لا وربي،،،،! إن الخَوَر والضَّعف والوَهْي قد لحق بأبنائها وشعوبها هوية وانتماءً وثقافة ودينًا، فما حدث للعربية الآن إنما هو انعكاس لحالتهم المرضية المُزْمنة، وما هو بحادثٍ في جسد العربية وبنيانها الذي كفل الله حفظه ما دام كتابه محفوظًا، وإنما نَخَرَ في جسد الأمة حتى انبعث من أبنائها من ينادون بإحلال العَامِّيَّات والدَّوَارِجِ محلها، وحتى نَبَتَ منهم وبكل أسفٍ مَنْ يرميها بكُل فاقة وعِلَّةٍ، ويصفها بالعجز والتراجع والقصور.
وما كل ذلك إلا تَعِِلَّاتٌ لإزاحة العربية عن ساحة المعركة ليقينهم بأنه متى ما تمسك أبناؤها بركائزهم الدينية والثقافية واللغوية عادت حضارتهم وسادت وكان للعربية الكلمة وارتدتْ لغةَ العلمِ كما كانت.
فالعربية كانت وما زالت وستظلُّ لغة العلم والدين والحضارة على رَغْم مَنْ رَغِمَ.