إبدال الحروف الصوامت حروفًا صوائت في اللغة العربية
وتوجيه ذلك وفق القوانين الصوتية اللغوية[1]
الدكتور يحيى بن علي المباركي[2]
المستخلص:
تعد ظاهرة إبدال الحروف الساكنة الصحيحة (الصوامت) حروف علة ولين (صوائت)، من الظَّواهر الصوتيَّة في اللغة العربية التي تستحق الوقوف عندها مليًّا، فشواهدها كثيرة، وتناوُل القُدماء من علماء اللغة العربيَّة والنحو لها متعدِّد الجوانب، وحكمهم عليها كان متعجلاً، وكانت مهمَّتي في هذا البحث هي المتابعة - ما أمكن - لِمَا قيل قديما وحديثًا حول هذه الظَّاهرة الصوتيَّة في اللغة العربية، ورَصْد شواهدها، ومناقشة بعض آراء القدماء من علماء اللغة العربيَّة والنحو في ضَوْء ما قاله المحْدثون حول بعض قضايا تتَّصل بِهذه الظَّاهرة الصوتيَّة، وخلصتُ إلى ما أراه إجراءً صوتيًّا تعمِد إليه بعض اللغات المنطوقة (والعربية واحدة منها)، وقانونًا صوابًا يتلمَّسُه المتكلِّمون بحروف هذه اللُّغات، ويَميلون إليه متى توافرتْ دواعيه، وقد أتى هذا البحث في مقدّمة تناولت التَّعريف بهذه الظَّاهرة الصوتيَّة والهدف من دراستها، ثمَّ انتقلْتُ إلى التَّعريف بالإبدال، وأوضحْتُ الفرْقَ بينه وبين كلٍّ منَ القلْب والتَّعويض، وهي مصْطلحات تردَّدتْ كثيرًا في مؤلَّفات القُدماء من اللُّغويين والنُّحاة العرب، ثمَّ تحدَّثت بعد ذلك - بإيجاز - عن التَّعريف بكلٍّ من الحروف الساكنة الصحيحة (الصوامت)، وحروف العلة واللين (الصَّوائت)، وكيف تسنَّى التناوُب بينها في اللغة العربية عند القدماء، وأوردتُ طرَفًا من آراء المحْدثين من الباحثين اللغويين حول علة هذا التناوب، واستشهدنا على ذلك بجملةٍ من الأمثلة والشواهد التي عثَرْنا عليها في بعضِ المطوَّلات من المعاجم اللغوية وكتب النحو والصرف، ثم عقَّبْنا على ذلك ناقدين ومناقشين ومحاكمين ما قيل حول هذه الظاهرة الصوتية في حُرُوف العربية، ومِلْنا إلى ما ظننَّا أنَّه الصواب، ثم عقَّبنا على ذلك بالخاتمة.
مقدمة
يرى القُدماء من علماء اللغة العربيَّة والنَّحو أنَّ حروف اللغة - أي لغة - تتعرَّض - في تبدلها - لما تتعرَّض له اللغة نفسها في أنظِمتها الأخرى من التطوُّر والتغيُّر أحيانًا؛ نتيجة انتقال اللغة من بيئتها واتصالها بلغة أخرى، وما قد يكون بين اللغتين من صراع[3]، وإلى ما قد يُصيب حُرُوف اللغة نتيجة الحقب التاريخيَّة الطويلة التي تَمُرُّ على اللغة في حروفها عندما يتكلمها أفرادٌ مختلفون في عصور مختلفة وأماكن متفرقة، وينظر بعضُ الباحثين عادةً إلى اللغة - في تطوُّرها على مُرُور الزمن - بأن اللغة تخضع للتطوُّر والتغيُّر من جيلٍ إلى آخر؛ لأن اللغة ليستْ في الحقيقة إلا عادات صوتية تؤدّيها عضلات خاصَّة، ويتوارثها الخلَف عن السلف، غير أنَّ تلك العضلات لا تؤدِّي تلك العادات الصوتية بصورةٍ واحدة في كلِّ مرَّة؛ إذ يُعزى إلى ما يمكن أن يطلق عليه العوامل الخلقية العضوية بعض ما يصيب اللغة التي يتكلمها أفراد مختلفون في عصور مختلفة من تبدُّلات صوتيَّة أو خلافها، وقلَّ أن تحتفِظ اللغة - في فروقٍ كهذه - بوحْدتها الأولى أمدًا بعيدًا، إضافة إلى أنَّ تلك التبَدُّلات الصوتيَّة الَّتي تصيب حروف اللُّغة تحدث على ما يلائم البيئة نفسها التي تحتضِن العُنصر اللغوي من رقَّة في الألفاظ والحروف أو ميل إلى الشِّدة والفخامة، وقد دلَّت الوقائع على أنَّ التفاوت الاجتماعي بين الطَّبقات داخل الجماعة اللغوية يحتِّم وجود آثار واضحة في اللغة رغم تجانس الوسط الاجتماعي إلى حدٍّ كبير[4]، وتبرهن الشواهد على أنَّ كلَّ لغة قد تتغير بمرور عدَّة قرون على استِخْدامها على ألسنة متكلِّميها تغييرًا يعتدُّ به، وتؤدي استِعْمالات الأفراد للُغتهم مع اختلاف تكوينهم الخلقي وتبايُن بيئاتهم إلى بروز اختلافات في أنظِمة اللغة - ومنها الصَّوتية - التي تُوصف بأنَّها سريعة التأثُّر ظاهرة التبَدُّل، فإذا تبلورت تلك الاختلافات وترافقتْ بمرور الزَّمن مع ما يصيب اللغة - خاصَّةً في حروف أصواتها - من تغيُّر وتبدُّل، نتيجة ما يتاح لأبنائِها من فرص الاحتِكاك والاختِلاط، عن طريق اتِّصالهم بأبناء اللغات الأخرى التي تختلف عنها، أو تنتمي إليْها بصلة، نازحين إلى بيئتها سلمًا لتبادُل المنافع واجتِلاب المصالح، أو حربًا يُسبَق بغزو منظم وسيطرة مسلَّحة، فإنَّ النتيجة في النهاية صراع بين لغتي الفريقين، وتختلف نتائجُه باختلاف أحوال هذا الصراع وأمده ومدى تقبل إحداهما لتأثير الأخرى، والمحصلة تبدُّل في أنظمة اللغتين - خاصَّة حروف الأصوات - يَجعلهما متأثِّرتين ببعضِهما في كثيرٍ من مظاهِرِهما الصَّوتية.
وتنقسِم هذه التَّغييرات الصَّوتيَّة عمومًا إلى قسمَين كبيرين:
أوَّلهما: التغْييرات التَّاريخيَّة.
وثانيهما: التَّغييرات التَّركيبيَّة.
ونعني بالتَّغييرات التَّاريخيَّة: تلك التغْييرات الَّتي تحدث من التحوُّل في النظام الصوتي للغة، بحيث يصير الصَّوت اللغوي في جَميع سياقاته صوتًا آخر، أمَّا التَّغييرات التركيبيَّة: فهي الَّتي تُصيب الأصْوات من جهة الصِّلات الَّتي تربط هذه الأصْوات بعضها ببعض في كلِمة واحدة[5].
أهداف البحث:
ليستْ غايتنا في الصَّفحات القادمة التأكيد على وُجُود هذه التغييرات الصوتية بقسميها - التَّاريخي والتَّركيبي - في اللغة العربيَّة، فآثارها واضحة، وشواهدُها لا تُحصى، والبحث فيها قد يطول، وإنَّما نهدف في هذا البحث أن نناقِشَ هذه الظَّاهرة الصوتية التي يلحظها كلُّ دارس ومتتبِّع لأصوات اللغة العربيَّة ألا وهي حقيقة "إبدال الحروف الصحيحة (الصوامت) حروف علَّة ولين (صوائت)" في اللُّغة العربيَّة، وأسباب هذا التغيير، وعِلَله الصوتية في ضوء ما قاله القُدماء من عُلماء اللُّغة العربيَّة والنَّحو، وما قال به بعض المحْدثين، مع الميل إلى ترجيح ما نظن أنَّه الحقّ والصَّواب في هذه المسألة أو تلك، ووضع القواعد والقوانين الصَّوتية - ما أمكن - مما ينتظم هذا التغيير ويضبطه صوتيًّا مع النظر إلى مدى اتِّفاق العربية - في أصْوات حُرُوفها - مع لهجاتها، وشيوع هذه الظَّاهرة الصوتية في اللغات العالميَّة الأخرى.
تعريف الإبدال والفرق بينه وبين القلْب والتعويض:
يحسُن بنا قبل أن نتحدَّث عن حقيقة هذا التناوُب بين الحروف الساكنة الصحيحة (الصوامت) وحروف العلة واللين (الصوائت) في لغتنا العربية - موضوع البحث - أن نفرِّق أوَّلاً بين المصْطلحات الصَّوتيَّة الثَّلاثة (البدل، القلب والتعويض)، فنقول:
حدُّ البدل: وضْعُ الشيءِ مكان غيره على تقدير إزالة الأوَّل.
أمَّا القلْب: فهو تغْيير الشَّيء على غير الصورة التي كان عليها[6].
وحدُّ التعويض: هو جعْل حرْفٍ خلفًا لحرف أو أكثر أو حركة[7]، وهذه حُدُود - كما يُقال - عامَّة لما يجري في النَّحو وغيره[8].
والفروق بين الإبدال والقلب: أن القلب يختص بحروف العلة، والإبدال يكون فيها وفي الحروف الصحيحة، فالإبدال أعمّ والقلب أخصّ، وقال بعضهم: بدلٌ هو إقامة حرف مقام حرف غيره؛ نحو تاء تخمة وتكأة، وبدلٌ هو قلب الحرف نفسه إلى لفظ غيره على معنى إحالته إليه، وهذا إنَّما يكون في حروف العلَّة، وفي الهمزة أيضًا لمقارنتها إيَّاها وكثرة تغيُّرها، وذلك نحو: "قام"؛ فالألف واو في الأصل، و "موسر" أصله ياء، و "راس" أصل الهمزة استحالتْ ألفًا[9]، وكلّ قلْب بدل وليس كلّ بدل قلبًا، ويرى بعضُهم أنَّ الفرق بين البدل والقلب في الحروف: أنَّ القلْب يَجري في حروف العلَّة، ومناسبة بعضِها البعض، وشدَّة تقارُبها؛ فكأنَّ الحرف نفسه انقلب من صورة إلى صورة؛ إذا قلت: "قام"، والأصل "قوم"، فكأنَّما لم يُؤْت بغيره بدلاً منه، ولم يخرج عنه، فهذا في حروف العلَّة، فأمَّا في غيرها فيجْري على البدل لتباعُد ما بين الحرفَيْن؛ فلم يَجِبْ أن يجريَ مَجرى ما يتقارب التَّقارُب الشَّديد، بل وجب فيما تقارب أن يقدر أنَّه لَم يخرج من التَّغْيير عنْه؛ فلذلك أُجْري على طريقة القلب، فأمَّا ما تباعد فيقْتضي الخروج عنه التغيير[10]، والإبدال على نوعَيْن:
1- ما أبْدل إبدالاً شائعًا للإدْغام، وهو جَميع حروف المعجم إلاَّ الألف.
2- ما أبدل فيه حرف من غيرِه لبُعْده عن الإدغام[11]، وحُرُوف البدَل - لغير إدغام - اثنان وعشرون حرفًا، قال صاحب "التَّسهيل": يجمع حروف البدل الشَّائع لغير إدغام قولك: "لجد صرف شكس آمن طي ثوب عزته"، وعدَّها بعضُهم في اثني عشر حرفًا، جمعوها في عبارات متعدّدة منها: "طال يوم أنجدته"، وأسقط بعضهم اللام، ويعدّها في أحد عشر حرفًا، ثمانية من حروف الزيادة، وهي ما عدا السّين واللام، ويُضيف إليها الجيم والطاء والدال، وبعضهم يعدّها أربعة عشر حرفًا - كالرمَّاني - ويجمعها في قولهم: " أنصت يوم زل طاه جد"، ويرى الزمخشري بأنَّ حروف البدل هي حروف الزيادة والطاء والدال والجيم والصاد والزاي، ويجمعها قولك: "استنجد يوم صال زط"[12].
ويرى القالي: أنَّ حروف الإبدال عند اللغويين اثنا عشر حرفًا فقط يَجمعها قولك: "طال يوم أنجدته"[13].