شخصية الشهر
تهدف زاوية (شخصية الشهر) إلى إلقاء الضوء على أحد أعلام العربية في الوطن العربي، سواء أكان ذلك بالحوار أم بالكتابة عنه؛ وذلك بهدف إبراز الوجه التنويري والتثقيفي لهؤلاء العلماء، وتقريب مؤلفاتهم للمثقف العربي، وهذا غيض من فيض نحو حق هؤلاء العلماء علينا.
14-الأستاذ الدكتور عبد الحميد عبد النوري
أستاذ اللسانيات بكليّة اللّغة العربيّة جامعة أمّ القرى
وعضو مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية
عبد الحميد النوري عبد الواحد (1373هـ= 1954م): نحوي، لغوي، أستاذ لسانيات. وُلد بقابس بتونس. حصل على بكالوريا التعليم الثانويّ، شعبة الفلسفة والآداب الأصليّة، تونس عام 1972م، وإجازة في الآداب واللّغة العربيّة، جامعة باريس 8، فرنسا عام 1977م، والأستاذيّة في الآداب واللّغة العربيّة اختصاص لسانيّات، جامعة باريس 8، فرنسا عام 1978م، ودبلوم الدراسات المعمّقة في اللّسانيّات العامّة، اختصاص عربيّة، جامعة باريس3، السربون الجديدة، فرنسا عام 1979م، ودكتوراه السلك الثالث في اللّسانيّات العامّة، اختصاص عربيّة جامعة باريس3، السربون الجديدة، فرنسا عام 1982م، ودكتوراه دولة، اختصاص لغة عربيّة، جامعة منّوبة، تونس عام 2003م. درَّس بمعهد ترشيح المعلّمين والمعلّمات، قابس- تونس 1984/ 1989، وبكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بصفاقس، جامعة صفاقس (تونس) 1989/ 2010م، وبكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بالقيروان، جامعة القيروان (تونس) 1995/ 2010م، وبكليّة اللّغة العربيّة، جامعة أمّ القرى، مكّة المكرّمة من 2010م/ إلى الآن. وهو عضو في العديد من الهيئات البحثية واللجان العلمية. من مؤلفاته: "الكلمة في التراث اللسانيّ العربيّ"، و"من أصول التصريف. شرح التصريف الملوكيّ"، و"في التطبيق النحويّ والصرفيّ"، و"بنية الفعل. قراءة في التصريف العربيّ". أشرف وساهم في العديد من الكتب منها: ""الصرف بين التحويل والتحريف"، و"الوحدات اللّسانيّة والتحليل اللّسانيّ"، و"الأصوات والصواتم في اللّسان العربيّ"، و"في التعليل النحويّ والصرفيّ".
• التعليم في كلّ مراحله، وفي كلّ البلدان العربيّة يعاني ضعفًا، وهذا باعتراف كلّ المهتمّين بشأن اللغة العربيّة والتدريس.
• بقي النحو قوالب نظريّة تُصاغ، وقد يعسر على طالب العلم فهمها.
• تعليم التلميذ في سنواته الأولى اللغة العربيّة دون اللجوء إلى القواعد، لأنّ القواعد من إنشاء النحاة، وهي لاحقة وتابعة للغة.
• أمر الكلمة ليس حكرًا على التراث القديم، وإنّما هو شائع في الدرس اللسانيّ المعاصر.
• مجمع اللغة العربيّة يُعدّ إنجازًا هائلاً... وميزة هذا المجمع المؤسّس في مكّة المكرّمة أنّه يستمدّ شهرته وتوسّع نشاطه من كونه أوّل مجمع على الشبكة العنكبوتيّة.
• من النقاط النيّرة في المجمع أنه انفتح على أسئلة الناس بمختلف مستوياتهم، واهتمّ بالفتاوى اللغويّة، ولم يجعل قراراته حبرًا على ورق.
• لا بدّ من الالتفات إلى التراث، لا لتمجيده والتغنّي به، ولا لهدمه والتشكيك فيه، وإنّما بغاية قراءته القراءة الأكفى، وحسن تمثّله.
• أرجو أن أرى اللغة العربيّة في مجتمعنا لغة العلم والمعرفة والفنون والتكنولوجيا، لا تعترضها مشاكل في صوغ المفاهيم والمصطلحات.
كل هذا وغيره كثير... فإلى تفاصيل الحوار:
• في البداية نود إلقاء الضوء على الشخصيات والمحطات المؤثرة في تكوينكم العلمي، وكذا آخر مشاريعكم البحثية ومؤلفاتكم العلمية.
- لقد مررت في مسيرتي العلميّة بمحطّات مهمّة كانت مؤثّرة ولا شكّ، وذلك منذ أن كنت طفلاً وقد حفظت جزءًا من القرآن الكريم عند المؤدّب وقبل الدخول إلى المدرسة، فولعت ولعًا شديدًا منذ الصغر باللغة العربيّة والقراءة والمطالعة، ووجدت نفسي مقبلاً إقبالاً لا نظير له على التعلّم والدراسة، فكنت تلميذًا نشطًا جادًّا. ولا يخفى أنّني قد تأثّرت تأثّرًا واضحًا ببعض الأساتذة، وأنا في مرحلة التعليم الثانويّ، إلى أن انتقلت إلى الجامعة، إلى باريس والتحقت بقسم العربيّة بالسربون الجديدة، جامعة باريس 3 وباريس 8 فانسان، واكتشفت عالم الاستشراق ودراسة اللّغات الشرقيّة، واحتككت بأساتذة كبار مثل أندري ميكال، وبلاشير، ومحمد أركون، ونَدى طوميش، وأرلنداز، وجاك كولون، وجورج بوهاس، وجمال الدين بن الشيخ، وغيرهم كثير، ولم يقتصر الأمر على هؤلاء وإنّما انفتحت على آخرين في دروس مفتوحة، وفي اختصاصات مختلفة مثل سمير أمين، ومحمود أمين العالم، وأندري مارتيني، ووليام لابوف، وتودوروف، ورولان بارت، وقريماس، وكريستيفا، وفوكو، ونيكولا ريفي وغيرهم. وكان لكلّ هؤلاء، والحقّ يقال أثر بالغ في تكويني العلميّ والمعرفيّ، وفي توجّهي إلى مجال اللغة واللسانيّات، وأنا أدين للكثير منهم بالفضل، والاعتراف بالفائدة الحاصلة، وأنا طالب لا في مرحلة الماجستير والدكتوراه فحسب، وإنّما طالب في مرحلة البكالوريوس أيضًا. وأنا لا أنكر أنّ هذا التكوين ترسّخ بعد رجوعي إلى تونس وأنا أحمل شهادة الدكتوراه لألتحق بالجامعة التونسيّة وأستفيد الاستفادة الكبيرة، سواء مباشرة أو غير مباشرة من أساتذة كبار مثل عبد القادر المهيري وعبد السلام المسدّي والطيّب البكّوش، وصالح الماجري، وصلاح الدين الشريف وغيرهم.
وأما بشأن المشاريع البحثيّة فقد بدأت ولا ريب منذ مرحلة الدكتوراه والماجستير في الاهتمام بقضايا اللغة، ولاسيّما اللغة العربيّة، ولقد تعلّق الاهتمام خاصة بمسائل الصرف والفونولوجيا، في محاولة لقراءة التراث الصرفيّ، وإعادة صياغة بعض مسائله صياغة جديدة، تحاول أن تستفيد من الدرس اللسانيّ المعاصر، وخاصّة من النحو التوليديّ التحويليّ. ولقد بدأت التأليف في هذا الاختصاص منذ سنوات خلت، وما زلت على هذا المنهج، راجيًا من الله التوفيق، وأن أقدّم للغة العربيّة ما يتيسّر لي أن أقدّمه.
• كنتم عضوًا في اللّجنة القطاعيّة لإصلاح التعليم العالي في تونس، اختصاص لغة عربيّة في الفترة من 2005 / 2009م. برأيكم ما أسباب الخلل في التعليم العالي؟ وما الإجراءات الجادة التي نحتاجها للإصلاح؟
- لا غرو في أنّ التعليم في كلّ مراحله، وفي كلّ البلدان العربيّة يعاني ضعفًا، وهذا باعتراف كلّ المهتمّين بشأن اللغة العربيّة والتدريس. والضعف يتجلّى في مستوى التلاميذ والطلّاب، وضعف المخرجات، وضعف مستوى اللغة العربيّة يظهر أيضا في المؤسّسات التعليميّة والإعلاميّة والإداريّة، وفي المجالات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة وغيرها. وواضح أنّ هذا الضعف يشكّل قضيّة للجميع، وخاصّة للمختصّين ولأهل السياسة وتسيير شؤون البلاد، وواضح أيضًا أن البحث عن الحلول بات قائمًا، والاقتراحات كثيرة ومختلفة. ولكنّ الإصلاح في رأيي هو إصلاح سياسيّ بالدرجة الأولى يتعلّق بأصحاب القرار والتشريع. ويَكفي لقرار واحد من هذا النوع أن يُغني عن جدل كبير، ومحاولات كثيرة يائسة في اقتراح حلول لقضايا كثيرة، من نحو مكانة اللغة العربيّة، وتدريسها، وإحلالها محلّ اللغة أو اللغات الأجنبيّة، والتقليل من الهوّة الفاصلة بين الفصحى والعاميّة، وتوحيد المصطلح، وغيرها من القضايا.
• من معاينتي لسيرتكم الذاتية وجدت أن تخصصكم الدقيق هو "اللسانيات". نود من سيادتكم تعريف قرائنا بهذا الفرع من فروع الدراسات اللغوية، وما الدور الذي يسهم به في خدمة لغتنا العربية؟
- اللسانيّات بمعناها الدقيق هي علم معاصر بدأت نشأته منذ الربع الأوّل من القرن العشرين، وذلك على يد عالم كبير هو فردينان دي سوسير، وأما بمعناه العامّ فهو علم قديم قدم اللغات نفسها، إذ للهنود لسانيات، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرومان واليونان والعرب وغيرهم. وما المدارس اللسانيّة المعاصرة في واقع الأمر إلّا امتداد لهذا التراث اللسانيّ العالميّ.
وأما بشأن اللسانيات المعاصرة فهي قد قامت على نقد الأنحاء المعياريّة القديمة، والنحو المقارن، وفقه اللغة (الفيلولوجيا)، من أجل إرساء تصوّرات جديدة في دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها، فأبعدت عنها كلّ ما له علاقة باللّغة بصورة غير مباشرة، مثل التاريخ والقانون والأدب وغيرها. والجديد في اللسانيات المعاصرة وضع مناهج وتصوّرات موضوعيّة تدّعي العلميّة. واقترب الدرس اللسانيّ المعاصر من العلوم الطبيعيّة والتجريبيّة من جهة، ومن العلوم الصحيحة والدقيقة من جهة ثانية، إذ استفادت من الفيزياء، والرياضيّات، وعلم تشريح الأعصاب، والمعلوماتيّة، والذكاء الاصطناعيّ، وغيرها. وأفادت اللسانيات في الوقت ذاته مجالات معرفيّة كثيرة مثل التعليميّة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الجناسة، والترجمة، والأدب، وعلم المصطلح، وتفكيك النصوص.
واللسانيّات اليوم موضوع ومنهج، وأعتقد أنّ على العرب أن يستفيدوا من هذا الحقل المعرفيّ، وخاصّة من المنهج، لأنه يقرّبنا كثيرًا من فهم اللغة العربيّة، وكلّ ما يتعلّق بها، ويساعدنا على اقتراح الحلول الناجعة لحلّ الكثير من المشاكل، مثل تعليميّة العربيّة، وتعليميّة المواد، ومثل الترجمة والتعريب ووضع المصطلح، وإنشاء برامج حاسوبيّة ومعلوماتيّة للتعامل مع الأجهزة الحديثة في عالم الحاسوب.
واللسانيّات مهمّة أيضًا في قراءة التراث النحويّ واللغويّ عموما، من أجل فهمه الفهم السليم، ونقده النقد الموضوعيّ، وبناء أنحاء جديدة، ودراسة اللغة العربيّة في جميع مستوياتها، الصوتيّة والصرفيّة والتركيبيّة والمعجميّة والدلاليّة، بل والأسلوبيّة والبلاغيّة والبراجماتيّة أيضًا. وهي مهمّة في قراءة المجتمع ونفسيّة الأفراد والمجتمعات، وقراءة التاريخ وتحليل الخطاب أو النصوص بمختلف أنواعها.
• شاركتم بالمساهمة في تأليف كتاب "الصرف بين التحويل والتحريف" بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بصفاقس- تونس. ماذا يعني العنوان السابق للكتاب؟ ولماذا يشكو أبناؤنا في الجامعات دائمًا من صعوبة تعلم النحو والصرف؟ وما السبيل للقضاء على هذه الشكوى؟
- هذا الكتاب هو في الأصل أعمال الملتقى الدوليّ الثالث المنظّم من قِبل وحدة بحث اللسانيّات والنظم المعرفيّة المتصلة بها، في أكتوبر 2009، والتي كنت المؤسّس والمدير أو المسيّر لأعمالها، وهي تابعة لجامعة صفاقس بتونس. وموضوع الكتاب يتعلّق بمسائل الصرف وفروعه، وقد اشتمل الملتقى على محاور من نحو: الصرف والفونولوجيا، والصرف والأصوات، والصرف والمعجم والدلالة، والصرف والمكوّنات اللسانيّة، والصرف والمعلوماتيّة.
وموضوع الصرف مهمّ سواء عند القدامى أو المحدثين، ولقد توسّعت دائرته فدخل في مجالات عدّة، ولعلماء الصرف العرب القدامى في هذا المجال باع لا يُنكر. ومن هنا جاء عنوان هذا الملتقى أو الكتاب: الصرف بين التحويل والتحريف، والمصطلح في الحقيقة لابن جنيّ من نحاة القرن الرابع للهجرة، وهو وإن لم يشعّ، يقضي بالتمييز بين مجالين معرفيّين اتضحا اليوم في اللسانيات المعاصرة بصورة جليّة، وهما مجال "المورفولوجيا" ومجال "الفونولوجيا"، مجالان لم نستطع إلى اليوم أن نجد لهما المصطلح العربيّ المناسب. ويهتمّ المجال الأول، وبضرب من التبسيط والاختصار، بأبنية الكلم، في حين يهتمّ الثاني بما نسمّيه التغيّرات الصوتيّة الطارئة على الكلمات، من نحو البدل والحذف والنقل والإدغام وغيرها.
وأمّا بشأن الشقّ الثاني من السؤال المتعلّق بصعوبة تعلّم النحو والصرف، وكيف يمكن القضاء على هذه الشكوى، فالأمر يمسّ في اعتقادي منهج تدريس المسائل النحويّة والصرفيّة. وهذا المنهج يقضي بإيراد طرق النحاة العرب القدامى في تقديمهم لهذه المسائل، وقد نغفل كثيرًا عن أنّ هذه الطرق فيها ما يتعلّق بالجوانب النظريّة، وفيها ما يتعلّق بالجوانب التعليميّة، ونحن إلى اليوم لا نفصل بين هذين الجانبين بصورة واضحة، وبقي النحو قوالب نظريّة تُصاغ، وقد يعسر على طالب العلم فهمها، وقد يتساءل الطالب فيما بينه وبين نفسه عن معنى الفاعل والمفاعيل، ومعنى الإعراب والإضمار ومحلّات الرفع والنصب، والإسناد والابتداء والحال والمصدريّة، وأبنية الكلمات وتصاريفها إلخ... وصعوبة تدريس مسائل النحو والصرف في اعتقادي متأتّية من عدم التمييز الواضح بين المسائل النحويّة والصرفيّة ومسائل اللغة العربيّة التي هي لغة تخاطب واستعمال. وكان من باب أَوْلَى وأحرى تعليم التلميذ في سنواته الأولى، أي في الابتدائيّ اللغة العربيّة دون اللجوء إلى القواعد، لأنّ القواعد من إنشاء النحاة، وهي لاحقة وتابعة للغة، والاستعمال مجاله الاكتساب. هذه المسائل لا بدّ لها من تصوّرات جديدة لمواجهة مسائل العربيّة، وما تدريس النحو والصرف إلّا جزء من هذه المسائل.
• "الكلمة في التراث اللسانيّ العربيّ" عنوان أحد كتبكم. ما الرسالة التي حاول الكتاب توصيلها للقارئ؟ ومتى نجد جمهورًا للمؤلفات المتخصصة من غير المتخصصين؟
- إنّ هذا الكتاب يحاول أن يهتمّ بقضيّة الكلمة مفهومًا واصطلاحًا، وأمر الكلمة ليس حكرًا على التراث القديم، وإنّما هو شائع في الدرس اللسانيّ المعاصر، لهذا السبب هذا الكتاب له صنوه، وقد جاء بعنوان الكلمة في اللسانيّات الحديثة، والكتابان عبارة عن بحث واحد متكامل أنجزناه في نطاق دكتوراه الدولة. والكتابان يعالجان إشكاليّة الكلمة من حيث طبيعتها وتعريفاتها ورسم حدودها وما بداياتها ونهاياتها، وهل أنّ الدرس اللسانيّ المعاصر يقرّ باستعمال مصطلح الكلمة أم لا؟ وما هي المصطلحات الأخرى المزاحمة لها، والتي يمكن أن تكون بديلة لها؟ والتراث اللسانيّ العربيّ يمدّنا بالكثير من المواقف الدقيقة الجيّدة بشأن الكلمة، وبناء على هذا حاولنا أن ننظر إلى الكلمة من جوانبها المختلفة، الصوتيّة والفونولوجيّة والصرفيّة والتركيبيّة والمعجميّة والدلاليّة. ولم يقتصر الأمر في طرح هذه المسائل مجتمعة على النحاة وحدهم، وإنّما شمل الأصوليّين والبلاغيّين والمفسّرين والفلاسفة. وأمّا الهدف الخفيّ أو الضمنيّ لهذا الكتاب فهو ليس دراسة الكلمة على الصورة التي قدمناها، وإنّما هو اختبار منهج أو أداة معرفيّة نتوسّل بها لقراءة التراث اللسانيّ العربيّ.
يتبع..