منهج ابن جني في كتابه
"التنبيه على شرح مشكلات الحماسة"
قراءة ومراجعة: د. عبد الكريم مجاهد
الجامعة الهاشمية
ديوان الحماسة لأبي تمام (ت 231هـ) من أشهر الاختيارات الشِّعريّة العربية، وتميزت عن غيرها من الاختيارات الأخرى، كالمفضليات والأصمعيات وجمهرة أشعار العرب، بأن المقطوعات الشعرية فيها جاءت مبوَّبة على الموضوعات أو المعاني التي بلغت عشرة أبواب، أولها باب الحماسة الذي سمى به أبو تمام المجموعة,الأولى كلها؛ من تسمية الكل باسم الجزء، وتلته أبواب: المراثي، والأدب والنسيب والهجاء والأضياف والصفات والسِّيَر والنُّعاس والمُلَح وآخرها باب النساء. وقصة جمع ديوان الحماسة أصبحت معروفة، فهي كما أوردها التبريزي أن أبا تمام قصد خراسان ليمدح عبدالله بن طاهر وتمَّ له ذلك ورجع قافلاً إلى العراق، واستضافه في همذان أبو الوفاء بن سلمة ولكن الثلوج التي وقعت أجبرته على البقاء والمكوث في بيت ابن سلمة الذي رحّب به وقال له: وطِّن نفسك على الإقامة، وأحضر له خزانة كتبه التي أخذ يطالع ما فيها ويصنف مما اختاره؛ فاجتمع له كتابا الحماسة والوحشيات. وظل ديوان الحماسة عند آل سلمة يضنون به ويتمكن من الظفر به منهم أبو العواذل من أهل دينور، الذي حمله إلى أَصبهان فاشتهر بين أدبائها. وشاع أمر الديوان بين الناس فيما بعد وتناوله النقاد والدارسون، وعكفوا على دراسته وشرحه وتفسيره. وطارت شهرة هذه المجموعة فنسج على منوالها، تبويباً وتسميةً، كثيرٌ ممّن صنّف في الاختيارات الشعرية بعد ذلك كحماسة البحتري والحماسة الشجرية والحماسة البصرية.
ونالت حماسة أبي تمام ثقة اللغويين فصارت عندهم مصدراً للاستشهاد والاحتجاج في اللغة. وصارت محلًّا لعناية النقاد والدارسين والمصنفين في الأدب فاتجهوا إلى شرحها وبيان مستغلقها؛ وتنوّعت اتجاهاتهم ومناهجهم في تناولها؛ وقد أورد حاجي خليفة في كشف الظنون واحداً وعشرين شرحاً، ذكرها غير مرتبة، وهذه الشروح مرتبة تاريخياً كالآتي:
1- شرح أبي بكر الصولي (ت 335هـ).
2- شرح أبي بشر الآمدي صاحب الموازنة (ت 371 هـ).
3- شرح أبي الفتح عثمان بن جني (ت 392 هـ).
4- شرح أبي هلال العسكري (ت 395 هـ).
5- شرح أبي المظفر الهروي ( ت414 هـ).
6- شرح المرزوقي (ت 421 هـ).
7- شرح الخطيب الإسكافي (ت 421 هـ).
8- شرح ابن سيده (ت 458 هـ).
9- شرح أبي القاسم الفسوي (ت 467 هـ).
10- شرح أبي الفضل الميكالي (ت 475 هـ).
11- شرح عبدالله الساماني، أوالشاماتي كما في كشف الظنون (ت475هـ).
12- شرح الأعلم الشنتمري (ت 476هـ).
13- شرح عبدالله الشيرازي ( ت476 هـ).
14- شرح التبريزي ( ت 502 هـ).
15- شرح البيهقي (ت 544 هـ).
16- شرح ابن ملكون الإشبيلي ( ت 584 هـ).
17- شرح العكبري ( ت 616 هـ).
18- شرح أبي سعد (سعيد) الكاتب النحوي ( ت 714هـ).
19- شرح الأستراباذي ( ت 717 هـ).
20- شرح ابن أبي الدميك الحلبي ( أبي نصر منصور بن مسلم) مجهول تاريخ الوفاة، ولم أجد في تاريخ بغداد 2/453 وسير أعلام النبلاء 14/ 227 سوى ابن أبي الدميك البغدادي، وهو أبو العباس محمد بن طاهر بن خالد بن أبي الدميك (ت سنة 305 هـ).
21- شرح أبي نصر قاسم بن محمد الواسطي، ولم أعثر له على ترجمة.
وهناك شروح أخرى لم يأتِ حاجي خليفة على ذكرها، ولكن ابن جني ( في الورقة 1- أ) من المخطوط، ذكر ثلاثة منها لأبي رياش الشيباني (ت339 هـ) والديمرتي (مجهول تاريخ الوفاة)، والنَّمَّري (ت 385 هـ). وقد تتبع الشروح الدكتور حسين محمد نقشه فأوفاها على واحد وأربعين شرحاً بزيادة عشرين شرحاً على ما أورده حاجي خليفة.
وأكثر الشروح إفادة من شرح ابن جني شرح التبريزي؛ الذي كان أحياناً كثيرة يصرّح بذكر أبي الفتح، وشرح المرزوقي الذي تجاهل صاحبه الإشارة إلى ما أفاده من ابن جني، وأما خزانة الأدب للبغدادي فقد رصدتُ فيها أكثر من مئة وخمسة وعشرين موضعاً نقل فيها عن ابن جني، ويذكر بصريح العبارة: قال ابن جني في إعراب الحماسة في معظم نقوله عنه.
اللغة العربية عندنا نحن العرب وسيلة وغاية، ولا يخالجني شك في أن ابن جني، رحمه الله، أحد أئمة اللغة الذين تعهّدوا لغتنا الشريفة بجهدهم ونذروا حياتهم لتطبيق هذه المقولة فكراً وعملاً؛ فقد تعبَّد في محرابها تقرباً لله عز وجل، فملكت عليه عقله وشغفت وجدانه، فتوافر له بذلك مطلب حيوي من حبها جعله يسخِّر لها ما يمتلكه من قوة نظر عقلية، وما يتميز به من سعة إِحاطةٍ لغوية، وما يمتاز به من دقة بصر في جوانبها، فباحت له بأَسرارها ومكّنته من فض مغاليق ما يشكل من أصواتها وصرفها ونحوها في مصنفات قد تصل إلى خمسين كتاباً منها الخصائص وسر الصناعة والمنصف والتمَّام. ولما كانت أصوات اللغة وصرفها ونحوها هي محل البحث والدرس اتخذها ابن جني موازين للكلام، شكلاً ومضموناً، لأنه لا يستقيم معناه (أي الكلام) ومبناه إلا بمراعاة أحكامها؛ فجاء شرحه للحماسة حافلاً بقضايا هذه الجوانب.
وقد حدّد ابن جني هدفه وغايته في مقدّمة كتابه التنبيه على شرح مشكلات الحماسة حين قال فيها (الورقة 1-أ):" أجبتك… إلى ملتَمسِك من عمل ما في الحماسة من إعراب، وما يلحق به من اشتقاق أو تصريف أو عروض أو قوافٍ، وتحاميت شرح أخبارها أو تفسير شيء من معانيها إلا ما ينعقد بالإعراب فيجب لذلك ذكره… ولم أر أحداً تعرّض لعمل ما فيه من صنعة إعراب" فقد كان دقيقاً في بيان غايته وتحديد هدفه فلم يوجّه عنايته إلى المعاني المعجمية للمفردات ولا إلى شرح الأبيات الأدبي إلا ما اقتضته ضرورة الشرح وفضّ الإشكال. وتحاشى الحكايات المصاحبة للأشعار وأخبار أصحابها، وتعامل مع النصوص بيتاً بيتاً في بحث جاد وجَلَدٍ لا يفتر عن الجزئيات النصيّة، صوتاً وصرفاً ونحواً، التي تتضافر لتكوين الأفكار وتوجيه المعاني؛ وكأن الفكر في نظره صورة لمعاني النحو والصرف. وهو بتركيزه على الجانب اللغوي ببحثه عما استغلق في الأبيات من بنى صرفية، وما أشكل فيها من دقائق نحوية كان أميناً مع نفسه مخلصاً لفنه الذي يتقنه واختصاصه الذي يتفوَّق فيه، ولعله لم يُرِد تكرار تجربته في تفسير ديوان المتنبي الذي كان أكثر قصده واشتغاله فيه بمعاني المفردات وشرح الأبيات ولم يتخلَّ بالطبع عن التعليقات اللغوية، صرفية كانت أو نحوية، حتى أنه يحيل إلى بعض المسائل اللغوية التي شرحها في تفسيره هذا، كقوله مثلاً في التنبيه (الورقة 25-أ):"وقد أكثرت على هذا ونحوه في شرح تفسير المتنبي"، وأَفْهَمُ حذر ابن جني ضمناً من خلال المآخذ التي وجهها، فيما بعد، ابن معقل الأزدي (ت 644 هـ) لشرح ديوان المتنبي في كتابه "المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي"، الذي تضمن نقداً لشروح خمسة من مشاهير شراح ديوان أبي الطيب وهم ابن جني والمعري والتبريزي وأبو اليمن الكندي والواحدي. ويذكر أن ابن جني في شرحه لديوان المتنبي "قد طوّل في الشواهد وقصّر في المعاني" وبعد استعراضه لكثير من المواضع المتعلّقة بفهم مفردات اللغة عند ابن جني يسخر منه بجرأة وبقسوة مثيرة للاستهجان بقوله:"ما كان أغناك عن التعرض لشرح معاني الشعر، وأنت فيها بهذه المنزلة، وأحوج هذا الديوان إلى غيرك! ولو كان تصرفك بالمال كتصرفك في المعاني، لكان ينبغي أن يُحْجَر فيه عليك ويُؤخذ به على يديك، ولقد أخطأت سبيل هذا المعنى، وتجاوزت طريقه؛ فأنت في واد وهو في واد".