تعليم اللغة العربية في ضوء مواجهة تحديات العولمة وتلبية متطلباتها: منهجا وسياسة
إعداد: د. نصر الدين إدريس جوهر
(كلية الآداب جامعة سونن أمبيل الإسلامية الحكومية، إندونيسيا)
مقدمة
أصبحت العولمة في العصر الحاضر اتجاهًا سائدًا تتحرك في ضوئها جميع ديناميكيات هذا العصر بشتى مجالاتها بدون استثناء. وأصبح كل ما ينشغل به إنسان هذا العصر ممن يريد التطور والتقدم سعيًا إلى مواجهة تحدياتها وتلبية متطلباتها، ويقاس التطور والتقدم في ضوء ذلك على مدى القدرة على تلبية متطلبات العولمة.
ورغم أن العولمة كانت في البداية تعني عولمة اقتصادية التي تمثلت في عولمة الاقتصاد الرأسمالي إلا أن الحديث عنها هذا اليوم بدأ يتوقف كثيرًا على منظور ثقافي. ذلك لأن العولمة الثقافية كما يراه الكثير قد تركت آثارًا كبيرة على حياة الجنس البشري منها إيجابية ومنها سلبية. أما آثار العولمة الإيجابية ثقافيًّا فمنها توفير الوسائل الحديثة ليس فقط لنشر الثقافات المحلية والمحافظة عليها في حدودها وإنما أيضًا للتعامل عبر الثقافات بين الأمم مما يمكن خلال ذلك تبادل الاستفادة والاحترام بين أبناء الثقافات.
أما ما يترتب على العولمة الثقافية من آثار سلبية فمنها اختفاء الحدود الثقافية بين الأمم حيث إن الإنسان في هذا العصر لم يعد ينتمي إلى ثقافة أرضه ودينه، إنما ينتمي إلى الثقافة السائدة دوليًّا وهي كما يتفق عليه الكثير الثقافة الغربية. إنه بعبارة أخرى يعني أن الانتماء الثقافي لم يعد على أساس الحدود الجغرافية والدينية وإنما على أساس السيادة الثقافية في ضوء تيار العولمة. وبما أن الثقافة الغربية في ذلك هي الثقافة المهيمنة التي تدعم العولمة وتدعمها العولمة فبدأ الانتماء الثقافي على المستوى الدولي يتجه إليها.
ولعل أبرز أشكال العولمة الثقافية التي يشهدها العصر الحاضر هي العولمة اللغوية. إن العولمة -من ناحية- قد فتحت بابًا ووفرت جميع الوسائل لكل لغة لتجد سبيلها إلى خوض التواصل الدولي. ولكنها من ناحية أخرى قد أدت إلى ما يمكن الإطلاق عليه مصطلح "أزمة الهوية اللغوية"، حيث إن أبناء هذا العصر لم يعودوا يعيشون اللغة التي تنتمي إليها ثقافتهم وأرضهم وإنما تنتمي هويتهم اللغوية إلى اللغة المهيمنة في التواصل الدولي، فكما اختفت هويتهم الثقافية اختفت هويتهم اللغوية.
واللغة العربية قد تعد أكثر ما يعاني من هذه الأزمة الهوية اللغوية في ظل العولمة لكونها لغة للثقافة الإسلامية من جانب ولغة أجنبية دولية من جانب آخر. يرى البعض أن العولمة قد جاءت بكل ما تحتاج إليه هذه اللغة لإثبات كونها لغة دينية من جانب ولغة أجنبية من جانب آخر بل يمكن القول أن العولمة تأتي لخدمة هذه اللغة. إلا أن البعض الآخر يرى ما يخالف ذلك ويزعمون أن اللغة العربية بدأت تصبح معزولة داخل أرضها وخارجها ومنسية لدى الناطقين بها والناطقين بغيرها. وأن الانتماء لهذه اللغة الذي يتمثل في الرغبة في تعلمها وتعليمها واستخدامها ينقص شيئًا فشيئًا وذلك لأسباب ليست فقط خارجية مثل هيمنة اللغة الغربية واستيلائها وإنما أيضا داخلية مثل انعدام المنهج اللغوي والسياسة اللغوية لدعم هذه اللغة.
وهذه القضية هي التي تحاول هذه المقالة تسليط الضوء عليها مبينة في ذلك ما تخسر اللغة العربية من العولمة وما تنتفع بها أولاً، وتعليم اللغة العربية على منهج وسياسة تمكن هذه اللغة من مواجهة تحديات العولمة وتلبية متطلباتها ثانيًا.
العولمة ما تخسر منها العربية وما تنتفع بها:
يمكن تعريف العولمة Globalization، بأنها تعميم نمط من الأنماط الفكرية والسياسية والاقتصادية على نطاق العالم كله؛ ولأن الدعوة إلى العولمة، ولدت في الولايات المتحدة، فمن المفترض نظريًّا أنها تعني الدعوة إلى تبني النموذج الأمريكي في الاقتصاد والسياسة وفي طريقة الحياة بشكل عام، ومن ضمنها الثقافة والفكر والإعلام.[1]
ولعل أول ما تؤدي إليه العولمة في ضوء هذا المفهوم هو ما يعرف بطمس الهويات وضياع الاتجاهات غير الأمريكية. لأن تعميم النموذجي الأمريكي في هذه المجالات يعني الابتعاد عن أي نظام آخر متبع فيها. فتعميم النموذجي الأمريكي في الاقتصاد على سبيل المثال يعني أول ما يعني الابتعاد عن أي نظام اقتصادي لا يتناغم معه. فإذا وقعت هذه العولمة الاقتصادية في دولة معينة فذلك سوف يحثها على الابتعاد عن نظامها الاقتصادي وتبنى نظام آخر أمريكي وبهذا اختفت هوية هذه الدولة الاقتصادية.
والعولمة اللغوية لا تقل خطورة من ذلك، بل إنها أخطر ألوان العولمة؛ لأنها لا تعني عولمة اللغة الإنجليزية (وهي اللغة التي تتسلح بها أمريكا في شن هجوم العولمة على العالم) وهيمنتها على سائر اللغات فقط وإنما تعني أيضا عولمة ثقافة هذه اللغة وسيادتها على ثقافات العالم كلها. واللغة العربية تعد أكثر ما يتعرض من اللغات لهذه النوع من العولمة. ذلك لكونها لغة أجنبية ولغة دينية في آن واحد مما يعني أن المواجهة بين الإنجليزية والعربية في ضوء العولمة تعني المواجهة بين الثقافة الغربية والثقافة الإسلامية –الأمر الذي قد أشعل غزوا فكريًّا منذ قرون.
وعند مواجهة بين اللغتين تخسر اللغة العربية كثيرًا و يأتي ذلك في المقام الأول من سيادة اللغة الإنجليزية على الوسائل التكنولوجية ومجال الأعمال والاتصال الدولي. تقول الأرقام الدولية الرسمية إن (تسعين)90% من العناصر التي تتحرك في شبكة الإنترنت هي بالإنجليزية وحدها، و(خمسة وثمانين) 85% من الاتصالات الدولية عبر الهاتف تتم بالإنجليزية أيضًا، وإن أكثر من 70% من الأفلام التليفزيونية والسينمائية بالإنجليزية، و(خمسة وستين) 65% من برامج الإذاعات في كل العالم بالإنجليزية.[2] أما في مجال الأعمال فتشكل الإنجليزية أهم شروط يجب توفيره للحصول على عمل أو منصب مرموق معين بخلاف العربية التي تنحصر مطالبتها على مجالات محددة.
وليست هذه الظاهرة هي المشكلة الحقيقة التي تتعرض لها العربية وإنما المشكلة الحقيقية ما يترتب على هذه الظاهرة من تكوين الاتجاهات الإيجابية تجاه الإنجليزية والسلبية تجاه العربية وما ينتج من ذلك من طمس الهوية اللغوية العربية والثقافية الإسلامية.
ولعل أبرز صورة من صور هذا الطمس أن يفتخر المسلمون بالإنجليزية ويعتبرونها لغة وحيدة للفوز على الحياة المعاصرة وفي المقابل ينظرون إلى العربية نظرة مخالفة. فتنقص رغبة الأجنبيين ودافعيتهم لتعلم العربية وتعليمها، وضاع افتخار العرب باستخدام العربية إلا صورتها العامية، ويعلمون أولادهم في المدارس الغربية لكي يجيدوا الإنجليزية أكثر من العربية. بل هناك ظاهرة كادت أن تفوق الخيال ما يلاحظ في العقود الأخيرة من الزمن من أن بعض السيدات الحوامل يسافرن إلى أمريكا أو إنجلترا ليلدن هناك حتى يكتسب الوليد جنسية فوقية لا عربية دونية.[3] لقد وصلت هذه الأزمة الهوية بين أبناء هذه الأمة إلى أقصى حدودها!
ولكن لا تقوم العولمة دائمًا ضد هذه اللغة. هناك من ظواهر العولمة ما تنتفع بها العربية ولعل أهمها توافر الوسائل التكنولوجية الإعلامية التي اتخذت العربية فيها مكانًا للتداول. إن الوسائل الإعلامية خاصة شبكات الإنترنت والقنوات الفضائية بالنسبة للناطقين بغير العربية تقدم لهم ما يتمتعون به من برامج لغوية وثقافية التي بدورها تزودهم بالمعلومات عن العربية وثقافتها. أما بالنسبة للمواطنين العرب فتضاعفت من خلال هذه الوسائل فرصهم في سماع الفصحى وفهمها في الوقت الذي سادت العامية في حياتهم اليومية. والإنترنت هي أهم ما ينتفع بها العربية خاصة في تقديم ديناميكية هذا العصر أمام المجتمع الدولي بأسلوب عربي، وهي بهذا تحمل العربية على مواكبة جميع تطورات العالم الحاضر مما يعني أن هذه الوسيلة تضمن وجودية هذه اللغة في التواصل الدولي.
على صعيد آخر إن بعض ردود الأفعال على العولمة قد تأتي لمصالح اللغة العربية. ومن ذلك ظهور رغبة متزايدة في بعض الدول في تطبيق نظام الاقتصاد الإسلامي ردًّا على الاقتصاد الأمريكي الرأسمالي. هذا قد أدى إلى رغبة متزايدة مثلها في تعلم اللغة العربية لأغراض اقتصادية. فبدأ المعنيون بالاقتصاد الإسلامي يهتمون باللغة العربية لكونها وسيلة وحيدة للرجوع إلى المصادر الاقتصادية الإسلامية.
والإرهاب الذي ظهر ردا على العولمة قد ترك أيضًا شيئًا آخر لمصالح اللغة العربية. إن الحرب على الإرهاب والإسلام أثارت فضول الملايين في الغرب لمعرفة الإسلام واكتشاف تعاليمه التي ربطوها بالإرهاب فيندفعون إلى تعلم العربية بدواعٍ كثيرة في مقدمته الرغبة في أن يفهموا بأنفسهم الإسلام والثقافة العربية دون تأثير من أحد.[4]
منهج وسياسة تعليم اللغة العربية لمواجهة تحديات العولمة وتلبية متطلباتها:
إن تعليم اللغة العربية في العصر الحاضر أصبح مجالًا متعدد الأبعاد لا يتعلق فقط بالتعليم اللغوي وإنما يتعلق كذلك بالسياسي اللغوي. وقد علمتنا العولمة اللغوية أن اللغات السائدة في هذا العصر فازت المنافسات في التواصل الدولي ليس عن طريق التعليم فقط وإنما أيضا عن طريق السياسة اللغوية المدعمة لها، مما يعني أن مجال تعليم أي لغة أجنبية في هذا العصر يجب أن يستند إلى التآزر بين المنهج والسياسة. وتتناول السطور التالية منهجًا يمكن الاستناد إليه في تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية وسياسة يمكن وضعها لدعم تعليمها.
أ. المنهج
لم تكن مناهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها -منذ السبعينيات حتى العقد الحاضر- مناهج يتم تصميمها شكليًّا وتطبيقها عمليًّا في ضوء مواجهة تحديات العولمة وتلبية متطلباتها. أو بعبارة أخرى إن ظاهرة العولمة لم تكن مما يراعي في عملية وضع تلك المناهج. لذلك فمن الضرورة بمكان إعادة النظر إلى تلك المناهج خاصة الأسس التي تنبني عليها عملية بنائها والعناصر التي تتكون منها بنيتها لكي تتناسب مع محاولات تعليم اللغة العربية في ضوء مواجهة تحديات العولمة وتلبية متطلباتها.