أثر اختلاف الإعراب في تحديد المعاني
د/ عبد القـادر بوزياني
جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف
المصدر: مجلة الحكمة للدراسات الأدبية واللغوية - مؤسسة كنوز الحكمة للنشر والتوزيع - الجزائر، ع33
تاريخ النشر: 2015م
مقدمة
نعيش في زمن العزوف عن القراءة والمطالعة لعلوم اللغة العربية، ونلمس هذا الإهمال عند معظم النخب السياسية والطبقة المسؤولة المثقفة التي يقع عليها الدور الأساسي في تأهيل اللغة العربية والرقي بها وتطويرها، وتحصينها، والمحافظة عليها، وجعلها تساير الحضارة والتكنولوجيا والعولمة والعلمنة. مما انعكس شره على جُلّ طلاب العلم والمعرفة.
وهذا ما نجده في يومياتنا حيث نرى نفراً من أبناء الأمة يعتقد أن استعمال اللغة الأجنبية أمارة على التقدم والعلم والأناقة، في الوقت الذي يرى فيه أن استعمال اللسان العربي دلالة على التخلف والانحطاط.
والأدهى والأمر عندما نجد بعض القائمين على اللغة العربية ينادون بفصم العرى من قواعد اللغة العربية وضوابطها، وهي لغة القرآن الكريم أشرف كتاب على وجه الأرض إنّهُ كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يده ولا من خلفه؛ عكف العلماء على خدمته وبيان علومه وتفسيرها، وكل علم يتعلق بكتاب الله يعد من أجل العلوم، قدرًا وأعلاها منزلة، وأسماها مكانة بعد نزوله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن هذه العلوم علم النحو والإعراب، وقديما قالوا: الإعراب فرع المعنى، ومن غير المعقول أن يقدم شخص على إعراب نص يجهل معناه؛ لذا كان من لوازم من يريد تفسير القرآن العظيم أن يكون عالما باللغة وعلومها ومنها النحو والإعراب.
وإن الدعوة إلى التخلي عن الإعراب في لغة تعتمد حركات الإعراب للتعبير عن المعاني النحوية كاللغة العربية هدم لها وإماتة لمرانتها. وإن في ترك حركات الإعراب إلباسًا لكثير من الجمل والتعبيرات لباس الإبهام والغموض. وإن كثيرا من الجمل تضيع معانيها بضياع الإعراب فيها، ومن ذا الذي يستطيع أن يقرأ من غير الإعراب ويفهم مثل قول الله تعالى: {إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ}. سورة فاطر، الآية 28.
وهذا ما دفعني إلى دراسة بعض الكلمات والجمل القرآنية التي اختلف النحويون في بيان مواقعها الإعرابية، مع محاولة تفسير تلك المقاطع التي وردت فيها تلك الكلمات والجمل وتوجيه معانيها من خلال الأعاريب المختلفة في الكلمة الواحدة والجملة الواحدة. والعلاقة الوثيقة بينهما. وبيان حاجة الإعراب في إضافة معانٍ جديدة. وهذا لون من ألوان الإعجاز اللغوي.
وغايتنا في ذلك كله ابتغاء الأجر والثواب من الله -في الدنيا والآخرة، وخدمة كتاب الله– جل وعلا-. فما معنى الإعراب؟
أولاً: الإعراب لغةً:
الإعراب بكسر الهمزة مصدر من الفعل أَعْرَبَ يُعْرِبُ إِعْرَابًا، وهو بمعنى البيان والإيضاح والإفصاح.
جاء في لسان العرب: «عرب منطقه، أي: هذّبَه من اللّحن، والإعراب الذي هو النّحو، وإنّما هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ، وأعرب كلامه إذا لم يلحن في الإعراب. ويقال عرّبت له الكلام تعريبًا، وأعربت له إعرابا إذا بينته له حتى لا يكون فيه حضرمه»1
قال الأزهري2 : «الإعراب والتعريب معناهما واحد، وهو الإبانة. يقال: أَعْرَبَ عنْهُ لِسَانُهُ وعَرَّبَ أي: أَبَانَ وأَفْصَحَ. ويقال: أَعْرِبْ عمَّا في ضَمِيرِكَ، أي: أَبِنْ. ومن هذا يُقالُ للرَّجُل إذا أفصح في الكلام: قد أَعْرَبَ»3.
وقال الراغب4: «والإعرابُ: البَيَانُ. يقال: أعرب عن نفسه. وفي الحديث: (الثَيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا) ،5 أي: تُبَيِّنُ. وإعْرَابُ الكلام: إيضَاحُ فَصَاحَتِهِ».6
ويقال للرجل إذا لم يلحن في الإعراب: أعرب كلامه، وعرّب منطقه: أي هذبه من اللحن، فأجاد وأفصح في الكلام.7
ومن معاني الإعراب أيضا: التغيير، حيث يقال: عرِبت معدة الرجل: إذا تغيرت لفساد طرأ عليها، فتغيرت من حال إلى حال.
ثانيا: الإعراب اصطلاحًا:
لم تختلف عبارات العلماء كثيرًا في تعريف الإعراب تعريفًا اصطلاحيًّا، وجميع التعريفات التي ذكرها العلماء في معنى الإعراب تدور في فلك واحد.
عرّفه ابن الأنباري 8(577هـ) بقوله: «وسمي الإعراب إعرابًا، لأنّه تغيير يحلق أواخر الكلم، ثم قال: أمّا الإعراب، فحده اختلاف أواخر الكلم، باختلاف العوامل لفظًا وتقديرًا».9
والإعراب ما هو إلاّ حركات تظهر على أواخر الكلمة، وتسمى الآثار الظاهرة، وهي: الضمة، والفتحة، والكسرة، والجزم. وظهورها نطقًا فصيحًا (الإعراب)، وهي من اختراع الخليلي بن أحمد الفراهيدي (175هـ) .10
وتناول أيضا سيبويه (ت180هـ) حركات الإعراب والبناء بالتفصيل تحت باب مجاري أواخر الكلم من العربية، قال: «وهي تجري على ثمانية مجار: على النصب، والجر، والرفع، والجزم، والفتح، والضم، والكسر، والوقف». 11
وموضوعه كما ورد عند سيبويه: «الرفع، والجر، والنصب، والجزم لحروف الإعراب، وحروف الإعراب للأسماء المتمكنة، وللأفعال المضارعة، ولأسماء الفاعلين التي في أوائلها الزوائد الأربعة: الهمزة، والتاء، والياء، والنون».12
وقال ابن جني13في تعريف الإعراب: «هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ».14
ولكن يلاحظ على هذا التعريف أن ابن جني قد عرف الإعراب بمعناه اللغوي العام الذي هو بمعنى الإبانة والإفصاح عن المعنى، لذلك فلا أرى أن تعريفه يعد تعريفًا اصطلاحيًّا جامعًا مانعًا.
وجاء في قول الكيشي:15 «الإعراب: اختلاف آخر الكلمة باختلاف العامل. والإعراب وضع للدلالة على أحوال الذات، كما أن الكلمة وضعت للدلالة على الذات، ولذلك لا تختلف الكلمة، لأن مدلولها لا يختلف، ويختلف الإعراب، لأن مدلوله يختلف».16
وذكر علماء آخرون بأنه: اختلاف آخر الكلمة باختلاف العوامل الداخلة عليها لفظًا أو تقدي»)17
وذهب مجمع اللغة العربية بأنه: «تغيير يلحق أواخر الكلمات العربية من رفع ونصب وجر وجزم، على ما هو مبين في قواعد النحو».18
وخلاصة القول أن الإعراب هو تلك العلامة التي تعتري الحرف الأخير من الكلمة الذي هو محل الإعراب، وتتغير هذه العلامة تبعًا لتغير موقع الكلمة في الجملة، والذي يجلبه العامل اللفظي أو المعنوي حيث إن كل موقع من المواقع الإعرابية يختص بعلامة معينة تميزه عن المواقع الأخرى بالإضافة إلى أنها تدل على معنى خاص بذلك الموقع دون غيره.
ولتوضيح هذا الكلام نذكر مثالاً على ذلك، فإذا قلنا: جَاءَ زَيدٌ، ورَأَيْتُ زَيْدًا، ومَرَرْتُ بزَيْدٍ.
فكلمة (زيد) في تلك الجمل الثلاث لم تتغير ذاتها، وإنما تغير موقعها الإعرابي من رفع ونصب وجر. ففي الجملة الأولى جاءت كلمة (زيد) مرفوعة وعلامة رفعها الضمة؛ لكونها وقعت فاعلاً للفعل جاء. وجاءت في الجملة الثانية كلمة (زيد) منصوبة بالفتحة؛ لكونها مفعولاً به حيث وقع عليها فعل الرؤية. ووردت في الجملة الأخيرة كلمة (زيد) مجرورة بالكسر؛ لكونها وقعت اسمًا مجرورًا بحرف الجر الباء.
وبالنظر في تغير العلامات الإعرابية تبعاً لتغير المواقع الإعرابية فإننا نجد أن معنى الكلمة ذاتها في كل جملة قد اختلف عن معناها في الجملة الأخرى، وهذا يدل على أن اختلاف الإعراب يؤدي إلى اختلاف وتباين في المعنى.
فوائد الإعراب وأهميته:
فوائد الإعراب كثيرة لا يمكن الاستغناء عنها، فبفضله نميز بين الفاعل والمفعول، والمضاف والمضاف إليه، والصفة والموصوف، ولولاه لاختلفت المعاني، والتبست مقاصدها، ويثبت ذلك ابن جني في سر صناعة الإعراب بقوله: «الإعراب هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ».19
وأهمية الإعراب تكمن في العلاقة الوثيقة بين تفسير كلمات القرآن الكريم وضرورة فهم مراد الله تعالى منها، ومن ثَم فَهْمُ معانيه ومراميه، فكذلك الإعراب؛ هدفه الإفصاح عن المعنى وتبيانها، فهو لا يقل ضرورة عن التفسير. فالإعراب ليس علامات لفظية فحسب بل هو مناط إيضاح المعنى وإظهاره. وفي هذا قال ابن جني في باب القول على الإعراب: «هو الإبانة عن المعنى بالألفاظ؛ ألا ترى أنك إذا سمعت أَكْرَمَ سعيدٌ أبَاهُ، وشَكَرَ سعيدًا أَبُوهُ، علمت برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل من المفعول، ولو كان الكلام شرجا –أي نوعا– واحدا لاستبهم أحدهما من صاحبه».20
وبيّن قيمته ابن فارس 21بقوله: «فأما الإعراب فيه تُميز المعاني ويوقَف على أغراض المتكّلمين، وذلك أن قائلاً لو قال: «ما أحسن زيد (غيرَ مُعْرِبٍ)، أو: ضرب عمر وزيد (غير معرِبٍ) لم يوقَفْ على مرادِهِ، فإذا قال: مَا أحْسَنَ زَيْداً !، أو: مَا أحْسَنَ زَيْدٌ!، أو: مَا أحْسَنَ زَيْدٍ ! أبان بالإعراب عن المعنى الذي أراده».22
صنيع النحاة المفسرون.
وقد ظهرت اتجاهات كثيرة في تفسير القرآن الكريم. وكان من أقدمها الاتجاه اللغوي المتعلق بقضايا النحو والإعراب. ومن صنيع النحاة الأوائل من يضع تفسيرًا للقرآن الكريم؛ لأنه هو الكتاب الذي كانوا يعتمدون عليه في وضع قواعدهم وآرائهم النحوية والاحتجاج لها وتأييدها من خلال تفسير آيات الكتاب الحكيم. 23
ويعد الفراء ( 24(ت207ه)،الإمام النحوي أشهر من ألف وصنف في هذا الفن، وكذلك أبو العباس محمد بن يزيد 25(ت286ه)، وثعلب أحمد بن يحيى 26(ت291هـ)، ويحيى بن علي التبريزي 27(ت508هـ)، وعبد الرحمن بن محمد أبو البركان الأنباري (ت577هـ)، وغيرهم كثير.
وهذا القسم من الاتجاه اللغوي في تفسير القرآن الكريم على نوعين، ولكلٍ منهما مؤلفاته الخاصة به، وهما:
الأول: كتب في تفسير القرآن أو المُشَكَّلُ منه، والتي عنيت بالنحو، ومنها كتاب معاني القرآن للفراء، والبحر المحيط لأبي حيان.
الثاني: كتب اختصت بإعراب القرآن الكريم، وهي كثيرة منها:
إعراب القرآن للزجاج 28(ت311ه).
إعراب ثلاثين سورة من القرآن لابن خالويه ،29 النحوي (ت370ه).
التبيان في إعراب القرآن المجيد لأبي البقاء العكبري ،30 (ت616ه).
المجيد في إعراب القرآن المجيد للصفاقسي ،31 (ت742هـ).32
وفي بيان دور النحاة السابقين وخدمتهم لكتاب الله نجد أنهم أبلوا البلاء الحسن في توثيق نص القرآن الكريم بالاحتجاج للقراءات وبيان عللها ووجوهها، واختلاف قرائها، وأنهم هيؤوا لعلماء التفسير الوسيلة الفعالة لفهم معانيه والاجتهاد في أحكامه وتفصيل آدابه، وكان ما قاموا به من أبحاث في كتبهم النحوية وكتب: (معاني القرآن) و (الاحتجاج)، وما بينوا فيه من تحليل لآياته، كان ذلك هو القبس الذي أضاء للعلماء الطريق في تفسير الكتاب العزيز ومَكَّنَهُم من تفسيره العقلي، إذ كان التقاء التفسير اللغوي بالأثري هو السبب الأكبر في نشأة التفسير بالرأي وجرأة العلماء عليه، وتوسعهم فيه، وترسيخهم أصوله ومناهجه.33
يتضح مما سبق أن صلة الإعراب بالتفسير التحليلي قوية ومتينة، ويمثل ذلك الكلمة القرآنية (أَنُلْزِمُكُمُوهَا) من قوله تعالى: }قَالَ يَا قَومْ أَرأَيْتمُ إْنِ كْنُتْ عَلَى بيَنِّةَ مِن رْبي وَآتَانِي رحَمْةً مِن عْنِدِهِ فعَمُيِّتْ عَلَيكْم أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهاَ كَارِهُونَ{ سورة هود الآية28.
فيها من الجمال والروعة ما لا يتوافر في كلمة ترادفها في المعنى، وفيها من بلاغة وتعبير، ما تثيره هذه الكلمة من صور وأحاسيس، وما تشتمل عليه من معنى ومغزى، ولولا الإعراب، ومعرفة قواعده، ما كان ليتسنّى لنا أن نفهم معاني القرآن المبين، ولا أن ندرك مواطن جماله، ومحالّ بلاغته، وإعجازه، وسائر أوامره ونواهيه، ومصادر أحكامه في حلاله وحرامه، وآيات وعده ووعيده. فما أحرانا إذن بإتقان الإعراب، لنكشف عن غوامض لغتنا، وكنوز قرآننا العظيم.