أسْرارُ البَيانِ في القُرآنِ:
زيَادَة (هاءِ السّكْت) في قَولهِ تعالَى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾، وسَائِر أَمثَالِها
ذ. مصطفى بوعزة
اِستِكمالا لِـما ذَكرناهُ في الحَلقة السّابقَة عنْ (هاءِ السّكْت) في (اقْتَدِهْ)، نأتِي إلَى بَاقي الكلمَات الّتي دَخلتهَا هذهِ (الهَاء)؛ والقَصدُ إلَى (يَتَسَنَّهْ) في سورَة (البَقَرَة)، وَ(مَا هِيَهْ) في(القَارعَة)، وَ(كِتَابِيَهْ-حِسَابِيَهْ-مَالِيَهْ-سُلْطَانِيَهْ) في (الحَاقَّة).
أمّا قولهُ تعَالى في سُورَة (البَقَرَة): ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾، حيثُ الظاهرُ منْ سيَاق الكَلامِ أنّ مَعنَى (لَمْ يَـتَــسَنَّهْ): لَمْ يَتغيَّر. وهوَ المعنَى الّذي تجدهُ في كتُب التَّفسير واللُّغة. وقدْ جمعَ (الطبريّ) في تفْسيرهِ عَدداً ممَّن قالُوا بذَلك، كـ(ابنِ عبّاس) و(الضّحّاك) و(عِكْرمَة). لكنَّ المفَسّرين ومعهُم عُلماء اللّغة، اخْتلفُوا في طَبيعَة (الهَاء) الّتي في آخِر الفِعل. وتشعَّبَت بهمْ مَسَالك البَحثِ ومَذاهبُ النَّظر. فجَاءُوا بمَا يُبهرُ النَّاظرَ اسْتِـيفَاءً واسْتِقصاءً. فإذَا أنتَ ذَهبتَ تَستَجمعُ خُلاصاتِ مَا نظرُوا، ومَقاصدَ ما اعْتبرُوا، تَكشّفَ لكَ منْ ذلكَ مذهبَان: أحدُهُما أنْ تَعتَبر (الهَاءَ) حرفاً أصْليّاً. فيكونُ السُّكونُ عليهَا سُكونَ الجَزمِ. والثَّاني أنْ تَعتَبرَ (الهاءَ) حرفاً زَائداً للسَّكْتِ، والسكُونُ عليهِ للوَقفِ. وهمْ في الاسْتِدلالِ علَى ذَلك، ينتَهجُونَ مَباحثَ أُصُول الاشتِقَاق. فردُّوا (يَتَسَنَّهْ)إلى ثلاثَةِ أصُولٍ مُختلفةٍ:(سنه-سنو-سنن).
أمَّا(سنو-سنه) فقدْ ربَطوهُمَا دَلالةً واشْتِقاقاً بلَفْظِ (السَّنَة)، بمَعنَيَيْـها: المعنَى بالقَصدِ إلَى الزَّمَن، وهوَ الحَوْلُ والعَام، والآخرُ بالقَصدِ إلَى الأثَر، وهوَ القَحطُ والجَدْبُ، خِلافُ الخِصْب، كمَا جاءَ في قولهِ تعَالى: ﴿وَلَقَدَ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. قالَ (ابنُ الجَوْزيّ) في (زَاد الْـمَسير) عنْ ذلكَ: «السِّنُون في كَلامِ العَرَب: الجُدُوبُ، يُقالُ: مَسَّتْـهُم السَّنَةُ، ومَعناهُ: جَدْبُ السَّنَة، وَشِدَّة السَّنَةِ». ومنهُ دَعوةُ النبيّ، صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، على (مُضَرَ) بقولهِ: «وَاجْعَلْهَا عَلَيْـهِمْ سِنِينَ كَسِنِـي يُوسُفَ»، أيْ مِثْلها في القَحْط والجَدْب.
أمّا عنَ أصلِ (السَّنَة)، فقدْ قالَ (ابنُ سِيدَهْ) في (الْـمُحكَم): «السَّنةُ: الْعَام، مَنْقُوصَة، والذّاهبُ مِنْهَا يَجوزُ أَنْ يَكونَ (هَاءً) و(واواً)، بِدَلِيل قَوْلهم فِي جَمعِهَا: سَنَهــاتٌ وسَنَواتٌ… والسَّنةُ مُطلقَةً: السَّنةُ الْـمُجدِبَة، أوقَعُوا ذَلِك عَلَيْهَا إكباراً لَهَا، وتَشنِيعاً واسْتِطالةً، يُقَال: أَصَابَتْهُم السَّنةُ». فيكونُ أصلُ (السَّنَة) علَى(الوَاو): (سَنْوَة)، والجمْعُ (سَنَوَاتٌ)، مثلُ: (شَهْوَةٌ وشَهَوَاتٌ). وعَلى (الهَاء): (سَنْـهَةٌ)، والجمعُ (سَنَـهَاتٌ)، مثلُ: (جَبْـهَةٌ وجَبَـهَاتٌ). لكنْ يَنشأُ عن ذَلكَ اخْتِلافُ حُكمِ (الهاءِ). فعَلى اعْتبَار (الوَاو)، يَكونُ (يَتَسَنَّهْ) أصلُهُ (يَتَسَنَّوُ = يَتَفَعَّلُ)، ثمَّ قلبَت (الوَاوُ) (ألفاً) فصارَ (يَتَسَنَّى)، فلمَّا دخلَ الجَازمُ (لَمْ) حُذفَ حرفُ العلَّةِ: (لَمْ يَتَسَنَّ)، فدَخلَتْ (هاءُ السَّكْت) لِبَيَان فَتحَةِ النُّون عندَ الوَقف: (لَمْ يَتَسَنَّهْ). فيَكونُ حُكمُها أنَّها زَائدَة. أمّا عَلى اعْتبَار (الهَاء) ، فيكونُ (يَتَسَنَّهْ) أصلهُ (يَتَسَنَّهُ)، منْ: (سَنِهَ). قالَ في (تَاج العَرُوس): «سَنِهَ الطَّعامُ والشَّرَاب، كَفَرِحَ، سَنَهاً، وَتَسَنَّهَ: تَغيَّرَ». ويكونُ التّغيُّـر بمَرّ السنِين عَليهِ. وتَكونُ (الهاءُ) من أصلِ الفِعْل، فلمَّا دَخلَ الجَازمُ (لَمْ)، غَيّرَ الضّمّةَ إلَى جَزمٍ بالسُّكُون على (الهَاءِ)، فصارَ (لَمْ يَتَسَنَّهْ)، فيكونُ حُكمُها أنَّها أصليّةٌ. فتكونُ (تَسَنَّهَ)، مثلُ: (تَوَجَّهَ – تَـنَبَّهَ – تَنَـــزَّهَ…).
وأمَّا الأصلُ الثّالثُ (سنن) فذَكرُوا أنهُ منْ (سَنَّ الشيءُ) إذَا تَغيّر . جاءَ في (تاج العَروس): «سَنَّ الماءُ فهُوَ مَسنونٌ، أَيْ تَغَيّر. قالَ (الأخفشُ): وإنَّما تغيَّرَ إذا قامَ بغَيرِ مَاءٍ جارٍ». فعليهِ يكونُ أصلُ (يَتَسَنَّهْ): (يَتَسَنَّنُ)، فاجْتمَعتْ فيه ثَلاثُ (نُونَاتٍ)، فقُلبَت (النُّون) الأخِيرَة (يَاءً) فصارَ (يَتَسَنَّــــــيُ)، ثمَّ قُلبَت ألفاً: (يَتَسَنَّى)، حَسبَ قاعدَة الإعْلَال. كمَا حَدثَ في (تَمَطَّطَ = تمَطَّى)، وفي (تَقَضَّضَ=تَقَضَّى). قال (الـمُبَرّدُ) في (المقتَضَب): «إذَا وَقعَ التَّضعيفُ أبْدَلُوا (اليَاءَ) منَ الثَّانِي لِئَلّا يَلتَقِي حَرْفَانِ منْ جِنْسٍ وَاحدٍ. وذَلكَ قَولُهُم مِنْ تَقَضَّضْتُ: تَقَضَّيْتُ. وفي أَمْلَلْتُ أَمْلَيْتُ، وكذَلكَ تَسَرَّيْتُ في تَسَرَّرْتُ». وهكذَا رجَعَ (يَتَسَنَّنُ) من (سنن)، في تَقلُّبِ آخِرهِ، إلَى مَا رجَعَ إليهِ مَا كانَ بـ(الوَاو) من (سنو): (يَتَسَنَّــــــيُ) ثم (يَتَسَنَّـــى). فدخلَ الجَازمُ (لَمْ)، فَحُذفَ حرفُ العلَّةِ للجَزْمِ: (لَمْ يَتَسَنَّ). فدخَلتْ (هَاءُ السَّكتِ) لبَيَان فَتحَةِ (النُّون)، فيَكونُ حُكْمُها أنَّهَا زَائِدَةٌ. وأنتَ واجدٌ أنَّ هذَا الحكمَ النَّحْويّ في (الهَاء)، في هَذهِ الكلمَةِ وأمْثَالهَا، قدْ أثَّر في أَحكَامِ القِراءَة في إثْبَاتِها وحَذْفِهَا، فاختَلفَ القرَّاءُ في ذَلكَ وَقفاً وَوَصْلاً، وأغْلبُـهم أثبَتَـها وَصلاً ووَقفاً، لثبَاتِـها في الرَّسمِ.
وأما قولهُ تعَالى في سورَة (القَارِعَة): ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾، بإلحَاق (هاء السّكْت) بآخر الضَّمير المنفَصِل (هِــيَ)، فيَأخذُك حَثيثاً إلى قولهِ تعالَى في سُورَة (البَقرَة): ﴿قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾، حيثُ نَجد الضّمير المنفَصلَ (هِيَ) في الآيةِ علَى أصْلهِ. وعلَى قَواعدِ الوَقفِ في القُرآن، فإنّ الوقفَ علَى (هِيَ) يَجعلُ (اليَاء) ساكنَةً، فتَصيرُ حرفَ مدٍّ مُناسبٍ للحَركةِ الَّتي قبلهَا، فيَسري عَليها ما يَسْري علَى ما آخرُهُ حرفُ مدٍّ، فيُوقَفُ عليهَا بمَدّ (الياءِ) مدّاً طبيعِيّاً. ومثلُها الضّمير المنفَصلُ (هُوَ) في قولهِ تعالَى: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ﴾. فيكُونُ الوقفُ بالمدِّ الطَّبيعيّ. لكنّ الضميرَ (هِيَ) في الآيةِ الثَّانيَة جاءَ على غَير أصلهِ، فقدْ زيدَتْ فيهِ (هَاءٌ) سَاكنةٌ في آخرهِ (هِيَهْ)، هيَ (هاءَ السَّكْت). فدُخُول (الهَاء) السَّاكنَة في آخِر (هِيَ)، أبْقَى (الفَتحَة) عَلى (اليَاء) وانْتَقلَ الوقفُ منهَا إلَى(الهَاء). فكَانتْ أبعدَ في الصَّوتِ وأوسَعَ في الدَّلالَة. وأنتَ مُدركٌ أنّ هذهِ (الهاءَ) قدْ أكسَبَتِ الكلمَةَ تَلويناً صَوتيّاً، أدخَلهَا في انسجَامٍ سِياقيٍّ بَديعٍ، سَابقٍ ولاحِقٍ: (رَاضِيَهْ – هَاوِيَهْ-مَا هِيَهْ-حَامِيَهْ). ثمَّ أفاضَ عليهَا مَزيَّةً دَلاليّةً في تَعبيرٍ عَن التّهْويلِ والاسْتِعظَامِ. فَانظُرْ إلَى سُؤَالهمْ عَن البَقرةِ البَسيطةِ، (مَاهِيَ؟)،كيفَ جاءَ بَسيطاً عنْ أمرٍ بَسيطٍ. وَانظُرْ في السُّؤَال عنْ (هَاوِيَة)؛ تلكَ الرّهيبَةُ في غَوْرها الْـمَهُولةُ في سُحْقِها، والّتي «يَهْوي بهَا سَبْعينَ خَريفاً»، كيفَ جاءَ مُوحياً بتلكَ الرهبَة وذَلك الهَوْل، مَشحُوناً بكل مَا تَحملُه تلكَ (الهاءُ) الصّاعدَةُ من بَاطنِ الجَوْفِ.
فإذَا جِئتَ إلى سُورة (الحَاقَّة) معَ: (كِتابِيَهْ-حِسَابِيَهْ – مَالِيَهْ – سُلْطَانِيَهْ)، وقعتَ علَى (هاءِ السَّكْت) وقدْ سَبَقتْـها (ياءُ المتَكلّم)، فَالأصلُ: (كِتَابِـــي – حِسَابِـي…). وقدْ تَكرّرَت الأُولَيَان مِنهُنّ، في سِياقَيْن مُختَلفَين، أثّرَا علَى المعنَى تَأثيراً بارزاً، تجدُ لِـ(هَاءِ السّكتِ) فيهِ لَطيفَ بيَانٍ، أبانَ عن هَوْل الموقِفِ يومَ الحِسَاب، واخْتلافِ كلّ نفْسٍ مِمّنْ سَعدُوا وَممَّن شَقُوا. فأنتَ تَستَشعرُ فيهمَا أوَّلا، تَعبيراً عنْ فَيْضِ الحُبُورِ، ممَّنِ انْقلبَ إلى أهلهِ مسرُوراً بوَجهٍ مُسفِرٍ، ضاحِكٍ مُستَبشِرٍ، فخَرجَت تِلكَ (الهَاءُ) منْ صَدرهِ، مُفعمَةً حُبوراً وبِشْراً: ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأُواْ كِتَـابِيَهْ﴾ ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُـلاقٍ حِسَابِيَهْ ﴾، في بَسطَةٍ منَ الرّضَى والسَّكينَة. وانْظرْ إلى ذلكَ التّركيبِ الفَريد الّذي أفْضَى إلى ما يُعرَف في (علمِ النّحو) بـــ(التَّنَازع)، حيثُ يجتَمعُ عامِلانِ على مَعمُول واحدٍ يَطلبَانهِ. فــ(كِتابيَهْ) مَفعولٌ بهِ، سبقهُ عاملانِ يطلُبانِه: (هَاؤُم)، وهوَ اسمُ فعلِ أمْرٍ بمَعنى (خُذُوا)، و(اقْرَأُوا)، وهوَ فعلُ أمرٍ. لذلكَ جعلَ نحاةُ البَصرَة العمَل لأَقرَب عاملٍ، وهوَ (اقرَأُوا)، وقدّروا الجُملةَ: (هَاؤُم كِتَابي، اقْرَأُوا كتَابِي)، فحُذفَ المفعولُ الأوّل، لدَلالَة الثَّاني عَليهِ.وفي هذَا الأسلُوب تَعبيرٌ عنْ شدّة فرحَتهِ بنَجاتهِ، فيُريدُ أنْ يُخبرَ منْ حولهُ في اسْتِعجَال، يَجعلُ الكَلامَ يُسابقُ في لَفظهِ بَعضُهُ بعضاً. قالَ (فخر الدّين الرّازي) في (مَفاتيح الغَيب): «دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ في السُّرُورِ؛ لِأنَّهُ لَـمّا أُعْطِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، عَلِمَ أنَّهُ مِنَ النّاجِينَ ومِنَ الفائِزِينَ بِالنَّعِيمِ، فَأحَبَّ أنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ حَتّى يَفْرَحُوا بِما نالَهُ». وجاءَت (هاءُ السّكْت) لتُبرزَ ذلكَ، بِبيَان الفَتحةِ علَى (اليَاء)، ثمَّ بانْسيَاب صوتِ (الهَاء)، في نَفَسٍ، خارجاً منَ الجَوفِ كأنَّه تَنهيدَة اسْتِرواحٍ وانْشِراحٍ. ولوْ قالَ: (كِتَابِـي)، لَـما أدَّتِ (اليَاء) مَا أدَّتْهُ (الهَاء).
وعلى نَقيضِ ما مرَّ، تجدُكَ تَسْتشعِرُ بعدَ ذلكَ، في قولِ الآخذِ كتابَه بشمَالهِ، وقدْ شَخصَ بَصرُه وفُؤادُه هَواءٌ، هَولاً وفَزعاً منْ مَصيرهِ المنتَظَر، بوَجْهٍ ذِي غَبَـرَة، تَرْهَقُهُ قَتَـرَة. فتَخرُجُ الهَاءُ منْ صَدرهِ مُثقَلةً أَنِيناً وحَسْرَةً: ﴿فَيَقُولُ يَـا لَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ﴾. في تَنهيدَةٍ عَمِيقةٍ حَرّى منَ الآهَاتِ والنَّحيبِ. وكأنَّها (هاءُ) النُّدبَة والتَّفَجُّع، فيها تعْبير عنْ دُعاءِ الثُّبُورِ، ممَّنْ سيَصلَى السّعِير، مَخذُولاً من مَالهِ وسُلطَانهِ.
المصدر