الفقيد الغالي أبو فواز (د. صالح الغامدي) منارة من منارات جامعة أم القرى
أ.د. رياض الخوام
الفقيد الغالي الدكتور أبو فواز "صالح الغامدي" في رحمة الله تعالى، لتبك البواكي، وتذرف الدموع وترفع الأيادي بالدعاء لأبي فواز، ذكريات مع هذا العلم الشامخ لا تنسى، وسنوات من الأخوة الصادقة من الذاكرة لا تمحى، عرفته منذ كان طالبًا في مرحلة الماجستير، أعد رسالة قيمة عن الشواهد النثرية في النحو "تحت إشراف الدكتور محمود الطناحي رحمه الله، واختارت الكلية أن أكون منا قشًا مع الدكتور محمد إبراهيم البنا رحمه الله تعالى، وكانت هذه المناقشة هي أول مناقشة لي في رحلة المناقشات العلمية، أفدت من هذه الرسالة كثيرًا وبقيت معي في مكتبتي، أنظر فيها كلما أردت توثيق شاهد نثري، ومعرفة أماكن وروده كانت عزيزة عليَّ لأن صاحبها ساكن في سويداء قلبي، ولها منزلة خاصة لأن كاتبها من أكابر القوم، ومن فلتات الرجال، ثم حصل على الدكتوراه.
وتولى رئاسة قسم اللغة والنحو والصرف، فكان من الماهرين في الإدارة، نهض بالقسم إداريًّا وعلميًّا، وطوره تطويرًا تراثيًّا متميزًا، كان – رحمه الله – عالمًا صاحب رسالة تراثية، قام بها وأداها بدقة، وصار الطالب المتخرج من الكلية مُزوَّدًا بتراث علمي قوي مكين، ثم تابع في تحقيق هذه الرسالة حين صار وكيلًا للكلية في عهد البركات والخير، عهد العمداء العلماء الأفاضل منهم الدكتور عبدالله القرني والدكتور صالح الزهراني، فكان الدكتور صالح هو قلب الكلية النابض، يعيش مع الطلاب والأساتذة خادمًا لهم وراعيًا، يفرح بالعطاء، ويسعد بقضاء الحاجات، فهو روح الكلية، وضياؤها، لقد اكتسب الدكتور صالح خبرة متميزة في تصريف الشؤون، وحل المعضلات من عمله في إمارة مكة، تنصب كلها في كيف تُحلُّ المشاكل، لذا ففي عهده حين كان رئيسًا للقسم ووكيلًا للكلية، ازدهرت الكلية ازدهارًا واضحًا فالكل فرح مسرور إذ لا يمكن أن تقع مشكلة من طالب أو أستاذ، لا يحلها أبو فواز لقد اجتمع في هذا الرجل من الفضائل ما لا يحصى ومن الشمائل ما لا يعد، الدين مع الاستقامة، والرجولة مع الشهامة، والحب مع الإخلاص، والنقاء مع الوفاء، لا يعرف النفاق، ولا سوء الأخلاق من نحو خبث وحسد وروغ وختل ودجل، باطنه كظاهره، اسمه صالح فبدا ذلك في صلاحه وتقواه، ولله الحمد والمنة، وكنيته أبو فواز فظهر ذلك في فوزه، إذ فاز بحب كل من يعرفه، وفي ذلك إشارة إلى القبول له عند الله.
كان رحمه الله تعالى حاد الذكاء، سريع البديهة، دائم البشر، تنبعث من عينيه الرجولة، ومن محياه البطولة، ومن نكاته الظريفة روحه الأنيسة المأنوسة، جاء إليَّ بعد تركي الجامعة، فعرض عليَّ المال الوفير، وقلت له: والله إني لا أحتاج فلله الحمد يا أبا فواز أنا بخير ونعمة وفضل ثم جاء مرة أخرى عارضًا المال فأجبته والله لست في حاجة وإنما أحتاج إلى دعائك لي في ظهر الغيب فأنت رجل صالح، ثم قال لي: أنشدك الله ألك حاجة؟ قلت له نعم ، هي في مشفى الملك عبدالله، فاصطحبني وكلم أحد الموظفين ثم ذهب بي إلى نائب المدير، فخجلت مما تحدث به مع الرجل الفاضل، ووالله كأنه يطلب الحاجة لنفسه وأهله والتفت إليَّ النائب قائلًا: ما شاء الله يادكتور! هنيئًا لك بمثل هؤلاء الطلاب، وحين علم بسفري جاء إليّ مودعًا فلم أستطع حبس دموعي، ونزل من السيارة يسحب رجليه الثقيلتين، وعانقني مودعًا، قلت له: أدعوك يا أُخيَّ الحبيب النجيب إلى زيارتي في سورية فالديار دياركم والمنازل منازلكم ونحن على العهد باقون أحببناكم في الله، ورأينا منكم مكارم الأخلاق، لك مني الدعاء، وأنا في انتظاركم. فهش وبش ووعد، وسبحان فاطر السموات والأرض منذ أسبوع وأنا عازم على مهاتفته لشوارق روحية شعرت بها فكأن الأرواح التي تعارفت في عالم الذر، واستمرت متآخية في طور الحياة بصفائها ونقائها اشتاقت الآن، فتنادت وتداعت للوداع، فلله في مخلوقاته أسرار وآيات.
أسأل الله العظيم أن يجمعنا بكم يا أبا فواز مع أحبابنا الأصفياء الأنقياء في كليتنا عند مليك مقتدر على سرر متقابلين، تبسط لنا حكاياتك وطرائفك مع شيخنا الشيخ سعيد الطنطاوي الذي كان يحبك كثيرًا ويجلك عالمًا قديرًا، يفخر بك لكثرة محفوظك الشعري، وسرعة بديهتك، ونقاء سريرتك، اللهم اجعل قبره من رياض الجنة، وأدم عليه رحماتك سابلة، وألطافك هاطلة، وأحسن الله عزاء قومه الأماثل، وسيبقى أبو فواز منارة من منارات جامعة أم القرى العتيدة، رحمه الله تعالى.