الدلالة الصوتية في اللغة
د. سيد مصطفى أبو طالب
الدلالة الصوتية: "تلك الدلالة المستمدة من طبيعة الأصوات، فإذا حدث إبدال أو إحلال صوت منها في كلمة بصوت آخر في كلمة أخرى - أدَّى ذلك إلى اختلاف دلالة كل منهما عن الأخرى"[1]، أو هي: "المعاني المستفادة من نطق ألفاظ معينة"[2].
وقد عُنِي القدماء بهذا النوع من الدلالات، فقد أشار إليها الخليل؛ فقال: كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدًّا، فقالوا: صر، وتوهموا في صوت البازي تقطيعًا، فقالوا: صرصر[3].
وأصَّل عبقري اللغة ابن جني لهذه الدلالة، فعقد بابًا في تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني، وبابًا في إمساس الألفاظ أشباه المعاني، وبابًا في قوة اللفظ لقوة المعنى، جمع فيها ابن جني أمثلة تُبين القيمة التعبيرية للحرف = (الصوت) الواحد في حال البساطة، وأيضًا في حال التركيب[4].
لقد رأى أن الحرف الواحد يقع على صوت معين، ويوحي بالمعنى المناسب؛ سواء أكان هذا الحرف أولًا، أم وسطًا، أم آخرًا، وذلك في حال البساطة.
فمثال ما وقع فيه الحرف أول الكلمة: "العسف والأسف، والعين أخت الهمزة، كما أن الأسف يعسف النفس وينال منها، والهمزة أقوى من العين، كما أن أسف النفس أغلظ من التردد بالعسف، فقد ترى تصاقب اللفظين لتصاقب المعنيين"[5].
ومن ذلك: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ﴾ [مريم: 83]؛ أي: تزعجهم وتُقلقهم، فهذا في معنى تهزهم هزًّا، والهمزة أخت الهاء، فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين، وكأنهم خصوا هذا المعنى بالهمزة؛ لأنها أقوى من الهاء، وهذا أعظم في النفوس من الهز؛ لأنك قد تهز ما لا بال له؛ كالجذع وساق الشجرة، ونحو ذلك[6].
ومن ذلك قولهم: صَعِد وسَعِد، فجعلوا الصاد - لأنها أقوى - لما فيه أثر مُشَاهَد يُرَى وهو الصعود في الجبل والحائط ونحو ذلك، وجعلوا السين - لضَعفها - لِما لا يظهر ولا يشاهَد حِسًّا، إلا أنه مع ذلك فيه صعود الجَد لا صعود الجِسم، فجعلوا الصاد لقوَّتها مع ما يشاهَد من الأفعال المعالَجة المتجشَّمِة، وجعلوا السين لضَعفها فيما تعرفه النفس وإن لم تَرَه العين[7].
ومن ذلك أيضا: سَدَّ وصَدَّ، فالسُّدُّ دون الصُّدِّ؛ لأن السد للباب يُسدّ والمَنْظَرة ونحوها، والصُّدّ جانب الجَبَل والوادِي والشِّعْب، وهذا أقوى من السد الذي قد يكون لثَقْب الكُوز ورأس القارورة ونحو ذلك، فجعلوا الصاد لقوتها للأقوى، والسين لضعفها للأضعف[8].
ومما وقع في وسط الكلمة: التاء والطاء والدال في بناء: (ق ط ر)، و(ق د ر)، و(ق ت ر)، فالتاء خافية متسفلة، والطاء سامِية متصعدة، فاستُعمِلتا - لتعاديهما - في الطَرَفين كقولهم: قُتْر الشيء وقُطْره، والدال بينهما ليس لها صعود الطاء ولا نزول التاء، فكانت لذلك واسطة بينهما، فعبر بها عن معظم الأمر ومقابلته، فقيل: قدر الشيء لِجماعِه ومحرنجمه [9].
ومن ذلك قولهم الوَسِيلة والوَصِيلة، والصاد -كما ترى - أقوى صوتًا من السين، لما فيها من الاستِعلاء، والوَصِيلةُ أقوى معنىً من الوسيلة، وذلك أن التوسل ليست له عِصْمة الوصل والصلةِ، بل الصلة أصلها من اتصال الشيء بالشيء ومماسَّتِه له، وكونه في أكثر الأحوال بعضًا له؛ كاتصال الأعضاء بالإنسان وهي أبعاضه، ونحو ذلك، والتوسل معنى يضعف ويصغر أن يكون المتوسِّل جزءًا أو كالجزء من المتوسَّل إليهِ، وهذا واضح، فجعلوا الصاد لقوَّتها للمعنى الأقوى، والسين لضعفها للمعنى الأضعف[10].
ومن ذلك: القَسْم والقَصْم، قالقَصْم أَقوى فِعْلًا من القسم؛ لأن القصم يكون معه الدقُّ، وقد يقسم بين الشيئين، فلا يُنْكأ أحدهما، فلذلك خُصَّتْ بالأقوى الصادُ، وبالأضعف السينُ[11].
ومما وقع في آخر الكلمة قولهم: نضح ونضخ، وهما للماء، والنضخ أقوى من النضح، قال الله سبحانه: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ [الرحمن: 66]، فجعلوا الحاء - لرقَّتها - للماء الضعيف، والخاءَ - لغِلَظِها - لما هو أقوى منه[12].
ومن ذلك: القَدُّ طُولًا والقط عَرْضًا، وذلك أن الطاء أحصر للصوت وأسرع قطعًا له من الدال، فجعلوا الطاء المناجِزة لقطع العَرْضِ لقربه وسرعته، والدالَ المماطِلة لِما طال من الأثَر وهو قطعه طولًا[13].
ومن ذلك أيضًا: الخذا في الأُذُن (والخذأ: الاستخذاء في الذل)، فجعلوا الواو في خذا؛ لأنها دون الهمزة صوتًا للمعنى الأضعف، وذلك أن استرخاء الأذن ليس من العيوب التي يُسبُّ بها، ولا يُتناهى في استقباحها، وأما الذل فهو من أقبح العيوب، وأذهبها في المَزْراةِ والسب، فعبَّروا عنه بالهمزة لقوتها، وعن عيب الأذن المحتمل بالواو لضعفها، فجعلوا أقوى الحرفين لأقوى العيبين، وأضعفَهما لأضعفهما[14].
وإذا كان ابن جني قد بيَّن القيمة التعبيرية للحرف الواحد، وهو بعد صوت بسيط يقع في أول الكلمة، ويقع في وسطها تارة أخرى، ويقع في آخرها تارة ثالثة، وهو يؤدي دلالة غير التي يؤديها ما يقاربه في المخرج أو الصفة، إذا كان ذلك كذلك، فقد بيَّن قيمة الحرف حال ترتيبه مع غيره أيضًا، فها هو ذا ابن جني يؤكد أن في ترتيب حروف الكلمة أسرار عجيبة، والحكمة فيها أعلى وأصنع مما ذكر، وذلك أن العرب قد يضيفون إلى اختيار الحروف، وتشبيه أصواتها بالأحداث المعبر عنها بها ترتيبها، وتقديم ما يضاهي أول الحدث، وتأخير ما يضاهي آخره، وتوسيط ما يضاهي أوسطه؛ سوقًا للحروف على سمت المعنى المقصود، والغرض المطلوب[15].
ويمثل ابن جني لذلك بمواد: (بحث، وصد، وجر).
فبحث مثلاً تتكون من الباء والحاء والثاء على الترتيب، فالباء لغلظها تشبه بصوتها خفقة الكف على الأرض، والحاء لصحلها تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب ونحوهما إذا غارت في الأرض، والثاء للنفث، والبث للتراب، وهذا أمر تراه محسوسًا محصلًا[16].
وتجدر الإشارة إلى أن علماء غريب الحديث قد تنبهوا إلى هذه الدلالة الصوتية، كما بينوا قيمة الصوت البيانية، وذلك حين يأتي في الحديث الشريف ما يسمح لهم بالحديث عن هذه القيمة.
ومن ذلك ما ذكره أبو عبيد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر نعت أهل الجنة، قال: (ويرفع أهل الغُرَف إلى غرفهم في درة بيضاء، ليس فيها قَصْم ولا فصم)[17].
قال أبو عبيد: قوله: القَصْم بالقاف: هو أن ينكسر الشيء فيَبِين، يقال منه: قصمت الشيء أقصمه قصمًا، إذا كسرته حتى يَبين، ومنه قيل: فلان أقصم الثنية إذا كان مكسورها...، وأما الفصم بالفاء: فهو أن ينصدع الشيء من غير أن يبين، يقال منه: فصمت الشيء أفصمه فصمًا، إذا فعلت ذلك به، فهو مفصوم....[18].
لقد وقف أبو عبيد على دلالة الصوت التعبيرية من خلال هذا الحديث الشريف، فقد بيَّن الفرق بين (الفصم) و(القصم)، فالفصم: انصداع للشيء من غير أن ينكسر وينفصل بعضه من بعض، والقصم: انكسار الشيء حتى يَبين وينفصل بعضه من بعض.
فجعل الصوت الضعيف للمعنى الضعيف = (الفصم)، وجعل الصوت القوى للمعنى القوى = (القصم).
قال ابن فارس: الفاء والصاد والميم أصل صحيح يدل على انصداع شيء من غير بينونة.
من ذلك: الفصم، وهو أن ينصدع الشيء من غير أن يبين[19].
وقال: القاف والصاد والميم أصل صحيح يدل على الكسر[20].
وهذا ما ذكره الهروي، فقال: القصم - بالقاف - أن ينكسر الشيء فيبين،... والفصم - بالفاء - هو أن ينصدع الشيء فلا يبين[21].
ومن ذلك ما ذكره أبو عبيد في حديث أبي هريرة أنه مر بمروان وهو يبني بنيانًا له، فقال: ابنوا شديدًا، وأمِّلوا بعيدًا، واخضموا فسنقضم[22].
قوله: اخْضموا فسنقضم، الخَضْم أشد في المضغ وأبلغ من القضم، وهو بأقصى الأضراس والقضم بأدناها...[23].
ذكر أبو عبيد ها هنا القيمة التعبيرية لكل من الخاء والقاف في (خضم وقضم)، وبيَّن أن الخضم أبلغ من القضم، فالخضم بأقصى الأضراس، والقضم بأدناها.
إن أبا عبيد ها هنا يقف بنا على دلالة صوتية بيَّنتها القيمة البيانية لكل من صوتي الخاء في (خضم)، والقاف في (قضم)، ولقد جعل الخضم أقوى وأبلغ من القضم، ويخالف ابن جني أبا عبيد في الذي ذهب إليه؛ إذ قال في باب إمساس الألفاظ أشباه المعاني: "فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث، فباب عظيم واسع، ونهج متلئب عند عارفيه مأموم، وذلك أنهم كثيرًا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر بها عنها، فيعدلونها بها ويحتذونها عليها...، من ذلك قولهم: خضم، وقضم، فالخضم لأكل الرطب؛ كالبطيخ والقثاء، وما كان نحوهما من المأكول الرطب، والقضم للصلب اليابس؛ نحو: قضمت الدابة شعيرها، ونحو ذلك. وفي الخبر: (قد يدرك الخضم بالقضم)؛ أي: قد يدرك الرخاء بالشدة، واللين بالشظف، وعليه قول أبي الدرداء: (يخضمون ونقضم، والموعد الله)[24].