سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

103- الأستاذ الدكتور حسن بشير- رئيس مجمع اللغة العربية السوداني- ورأيه في مكانة العربية في التّعليم الجامعيّ والبحث العلمي:
أولًا: مكانة العربية في التّعليم الجامعيّ:
التّعليم الجامعيّ هو المؤسِّس والمحرّك الأساس للبحث العلميّ الّذي تترتّبُ على نتائجه نهضةُ الأمم، ورقيُّ المجتمعات الإنسانيّة؛ فالجامعة تؤدّي ثلاثًا؛ هي التّعليم والبحث العلميّ وخدمة المجتمع. وإذا كنّا نهدف في محاضراتنا الجامعيّة أن نزوّد الطّالب بالمعلومات والمهارات والاتّجاهات، بما يجعله قادرًا على إتقان التّعليم والتّدريب وخدمة المجتمع؛ فإنّ مدخل الأساس لذلك كلّه إتقانُ لغتِه القوميّة؛ اللّغة العربيّة الجامعة.
والمجتمع حين يفكّر بالنّهوض والتّقدّم يصوّب نظره للجامعة الّتي تصنع ما يستهدِف، وما يطرأ على المجتمع من تحوّلاتٍ يجد صداه في رحاب الجامعة، إذ إنّ التّعليم الجامعيّ يؤثّر في المجتمع ويتأثّر به، وتعكس مناهجه توجّهات قطاعاتِه ومؤسّساتِه، وتبادر إلى تذليل مشكلاتِه وحلّ معضلاته، ليس ذلك فحسب، بل يتجلّى هذا الدّور حين يُلْقي المجتمع على كاهل الجامعة مهمّة النّهوض به.
ولا نهوض لأمّةٍ إلّا بنهوض لغتها القوميّة؛ إذ تتأتّى باللّغة الجامعة صناعة الفكر الجمعيّ. واللّغة العربيّة هي اللّغة الجامعة لطلّاب الجامعات العربيّة، وهي مسار التّفكير لهم؛ وبها تصل هذه الأفكارُ إلى غيرهم من النّاس الّذين يتعاملون معهم في الحياة تحدّثًا أو كتابةً. فاللّغة تشكّل الفكر استماعًا وقراءةً وحوارًا ومناقشةً، وترسلُ هذا الفكر إلى الآخرين تحدّثًا وكتابةً، فهي مسارُ فكر الفرد والأمّة.
لتمكين لغتنا في التّعليم الجامعيّ، ولتوطينها في سائر المقرّرات الجامعيّة، لا بدّ من تدريب الّذين يرادون للتّعليم العالي تدريبًا مهنيًّا كافيًا ولا بدّ من منهجيّةٍ علميّةٍ تربط وشيجًا بين التّعليم العامّ والتّعليم الجامعيّ، حيث يؤسّس الثّاني ويتمّم الأوّل بانسجامٍ يتلافى الفَجَوات والتَّكرار. وإذا أنجزنا مشروع التّدريب، ومشروع المنهج الرّابط بين التّعليم العامّ والتّعليم الجامعيّ، نستطيع أن نقول: إنّ اللّغة العربيّة في التّعليم الجامعيّ تسير حثيثًا نحو التّوطين والنّهضة الشّاملة.
ثانيًا: مكانة العربيّة في البحث العلميّ:
إنّنا نسطيع استكشاف مكانة اللّغة العربيّة في ميدان البحث العلميّ، من مكانتها في التّعليم الجامعيّ؛ فهو الرّافد الأساس للمستهدّف، وفيه يتعلّم الدّارسون الأصول والقواعد المتعارف عليها في إجراءات البحوث، والّتي أضحتْ موضوعها اليوم؛ إذ إنّ كلّ فرعٍ ناتجٍ عن أصلٍ مقبولٌ، وكلّ فرعٍ لا ينتمي إلى أصلٍ فهو مردودٌ وهذا هو مبدأ العلم وأصل العمل. ولذا نكرّر في خدمتنا للغتنا العربيّة، التّطويرَ ومراكبةَ العصر، المرتبطَيْن وشيجًا بالتّأصيل.
ومع ارتباطنا منهجيًّا بالتّأصيل في بحوثنا فلابّدّ من التّجديد؛ إذ إنّ لكلِّ عصرٍ مناهجَه وأساليبَه، والمناهجُ التّقليديّةُ في البحث كانت جيّدةً وجديدةً في عصرها، غير أن صيرورة الزّمن وشأنَ الأمم الحركةُ المستمرّةُ الّتي تقتضي مع التّأصيل التّجديد والتّطوير.
نحن الآن نعالج قضيّة مكانة اللّغة العربيّة في البحث العلميّ من موقفٍ تجاوزنا عنده مسألة صلاحيتها للعلم والحضارة المعاصرة؛ لأنّ هذه المقولة مبنيّةٌ على الاعتقاد بأنّ امتداد هذه المناظرة يشكّل انزلاقًا تاريخيًّا، بعد أن قطعت اللّغة العربيّة كلّ تلك الأشواط المثيرة للإعجاب، كمًّا وكيفًا، في سبيل أن تكون اللّغة المعتمدة لمجتمعٍ عربيٍّ معاصرٍ متجدّدٍ متحمّلٍ لمسؤوليّاته سواءٌ أكانت باتّجاه ماضيه وتراثه أم باتّجاه حاضره ومستقبله، أم باتّجاه خير الإنسانيّة وارتقائها.
وينبغي أن ندرك أنّ معالجة العربيّة في مجال البحث العلميّ تلزمنا بمعالجاتٍ متعدّدةٍ، منها: استخدام الحواسيب والشّابكة، واستخدام المعاجم الموحّدة، وثُنائيَّة اللّغة. وكلُّ ذلك يشكّلُ حاجاتٍ الأساس للبحث العلميّ المتطوّر الّذي نرتجيه للغتنا العربيّة الجامعة. والحاجة أكبر لمعاجم المصطلحات المتخصّصة.
المصدر: اللّغة العربيّة في التّعليم الجامعيّ والبحث العلميّ: دعوةٌ لمنهجيّةٍ قوميّةٍ للتّخطيط والتّنفيذ، بحث مقدم إلى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الثالثة والثمانين، ص 1- 3.
إعداد: د. مصطفى يوسف