الفتوى (1505) :
اعلم -بارك الله- أن مادة (طرَح) في اللغة تقع في سياقات شتى، تختلف فيها دلالتها بحسب كل سياق. ومن ذلك مثلًا -على نحو ما جاء في المعجم الوسيط- ما ذكره المجمعيون من صحة قولنا: طرح عليه شيئًا: ألقاه وبسَطَه، والأطروحة: ما يُطرَح. وكذا المسألة تطرحها للنظر والبحث.
أما سؤالك عن قول القائل: سؤال يطرح نفسه. "هل يطرح السؤال نفسه؟" فإنه من قبيل الإسناد المجازي الذي يُسنَد فيه فعل أو ما يشابهه إلى غير ما هو له؛ لملابسة بين الفاعل الحقيقي ومن وُصِف بالفعل مجازًا، مع وجود قرينة فكرية أو لفظية أو حالية، وهذه الملابسة هي التي تُعرَف بعلاقات المجاز المرسل؛ كالسببية، والمسببية، والكلية، والجزئية، وغيرها من العلاقات. فليس ثمة ما يمنع من استعمال هذا التركيب؛ وقد جاء مثله كثير في كتاب ربنا -سبحانه وتعالى-؛ ومنه قوله: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ}، فأسند الإرادة إلى الجدار الذي لا يعقل، ومثله قوله -جل وعلا-: {فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ}. ومن المعلوم أن الذي يربح هو التاجر لا التجارة، وهذا فن من المجاز أفرد له عبد القاهر الجرجاني -رحمه الله- فصولًا وأبوابًا في كتابه دلائل الإعجاز، وقال عنه: "فاعلم أن في الكلام مجازًا على غير هذا السبيل، وهو أن يكون التجوز في حكم يُجرَى على الكلمة فقط، وتكون الكلمة متروكة على ظاهرها، ويكون معناها مقصودًا في نفسه، ومرادًا من غير تورية ولا تعريض، والمثال فيه قولهم: "نهارك صائم وليلك قائم"، و"نامَ لَيْلِي وتجلَّى همِّي"... وهذا الضرب من المجاز على حِدَتِه كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق، والكاتب البليغ في البديع والإحسان، والاتساع في طرق البيان" ا.هـ
هذا، والله أعلم!
تعليق أ.د.عبدالرحمن بودرع:
ومما تعدى فيه الفعلُ إلى النفس ما ورد في القرآن الكريم من شواهد تُثبت ذلك، نحو: سفه نفسَه - يَشري نفْسَه - ظَلَمَ نفسَه.
فيكونُ المثالُ: "طرَحَ نفسَه" من هذا القَبيل
والله أعلَم!
اللجنة المعنية بالفتوى:
المجيب:
د. وليد محمد عبد الباقي
أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية
والدراسات الاجتماعية بجامعة القصيم
راجعه:
أ.د. عبد الرحمن بودرع
(نائب رئيس المجمع)
رئيس اللجنة:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)