وضع المصطلح العلمي ونقل العلوم الحديثة في المشرق العربي في عصر النهضة
د. محمد علي الزركان
يجب أن نذكر أنه عندما تنبه رجال الدولة العثمانية في القرن الماضي خاصة إلى ضرورة مجاراة الغرب في التعليم، وفتحوا بعض المدارس لتعليم العلوم الحديثة فيها، اضطر العلماء في هذه الدولة إلى اقتباس المصطلحات العلمية العربية وإلى ادماجها في لغتهم، لأن اللغة التركية لاتسد الحاجة إلى الألفاظ العلمية.
والعربية هي النبع الذي تستقي منه التركية كلماتها العلمية، أي إن العربية بالنسبة إلى التركية كاللاتينية واليونانية بالنسبة إلى لغات أوربة الكبيرة الآن. فعلماء الترك اقتبسوا من كتبنا القديمة بعض مصطلحاتها العلمية، كما اقتبسوا مصطلحات الكتب العربية التي ألفت أيام محمد علي واسماعيل في مصر، ولكنهم لم يوجدوا مصطلحاً عربياً جديداً " " ويبدو أن حركة ترجمة المصطلح العلمي أو تعريبه التي تجمدت في عصور الانحطاط بسبب توقف الاجتهاد اللغوي، وانحسار العربية وانغلاقها في قوالب محنطة، قد عادت إلى النشاط من جديد حالما بدأت اللغة العربية تتجدد في مطلع القرن التاسع عشر على يد علماء النهضة في مصر، ومنذ أن أخفقت حركة التتريك التي استهدفت القضاء على التعامل باللغة العربية داخل الدولة العثمانية " " ولقد شهد القرن التاسع عشر تقدماً في العلوم وتوسعاً في المخترعات لم تشهد لهما البشرية مثيلاً في القرون الماضية، فقد تمكن الإنسان الأوربي من اكتشاف قوة البخار واستعمالها، فسير بها القاطرات الحديدية والسفن، واكتشف الكهرباء، واستنبط طرقاً وأدوات وأجهزة لقياس الحرارة وسرعة الضوء، وتحليل المواد الكيمياوية، والتصوير الفوتوغرافي، وتحليل الطيف الشمسي، وأثبت دوران الأرض بالتجربة، واكتشف كريات الدم ووظائفها، واستعمل المضادات في العمليات الجراحية، وتقدم العلماء بنظريات عديدة كان لها صدى واسع في أوساط المثقفين والمفكرين. وتعرف العرب على هذه المنجزات العلمية من خلال اتصالهم بأوربة، فوقفوا منها موقف المشدوه في بداية الأمر، ثم مالبثوا أن استوعبوها بعد تأسيس المدارس العصرية في مدنهم على يد محمد علي في مصر أولاً، ثم على أيدي الارساليات التبشيرية في بلاد الشام.
وكانت حملة نابليون على مصر بداية اطلاع العرب على منجزات أوربة العلمية ومخترعاتها الحديثة. فقد اصطحب نابليون عدداً من العلماء في مختلف الميادين والاختصاصات. وأذهلت تجاربهم العلمية مؤرخ العصر الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، الذي وصف العديد منها في كتابه المشهور (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) ولم يخف دهشته وإعجابه بها "
إذن كان مطلع القرن التاسع عشر يمثل مرحلة انتقالية في تقدم العلوم والفنون مورست خلالها ترجمة المصطلحات العلمية وتعريبها من اللغتين اللتين كانتا سائدتين في الأقطار العربية، نعني الفرنسية والانكليزية اللتين رافقتا الحضور الأجنبي.
" ثم إنه لم يمر على اللغة العربية عصر أثر في ألفاظها وتراكيبها تأثير النهضة الأخيرة في أواسط القرن التاسع عشر، لأنها جاءتها مفاجئة، دفعة واحدة، فانهالت فيها العلوم انهيال السيل، وفيها الطب والطبيعيات والرياضيات وفروعها، ولم تترك للناس فرصة للبحث عما تحتاج إليه تلك العلوم من الألفاظ الاصطلاحية، مما وضعه العرب أو اقتبسوه في نهضتهم الماضية، ولا لوضع مصطلحات جديدة. والسبب في ذلك أن الذين اشتغلوا في ميادين العلوم الحديثة عند أول دخولها مصر والشام في أواسط القرن الماضي لم يكونوا على معرفة واسعة بعلوم اللغة، فلما ترجموا تلك العلوم إلى اللغة العربية لم يهتدوا إلى مصطلحاتها القديمة، أو اهتدوا إلى بعضها، ووضعوا لبعضها الآخر ألفاظاً لا تنطبق على المراد بها تمام الانطباق، لكنها صقلت بتوالي الأعوام، وصارت تدل على المراد كما أصاب أمثالها في أثناء النهضة العباسية وغيرها.
ولما انقضت تلك المرحلة وتكاثرت المدارس ونشأ الكتاب وعلماء اللغة، عادوا إلى النظر فيما دخل اللغة من المصطلحات العلمية أو الإدارية الجديدة، ولكنهم قلما استطاعوا تبديل شيء منه لتأصله وشيوعه في الكتب والجرائد والأندية وغيرها" .
" وبعد : فمن الواضح أن مانرمي إليه في هذه الكلمات الموجزة عن اتساع العلوم الحديثة، هو أن التعبير عن هذه العلوم قد حمل علماء الغرب على ايجاد آلاف مؤلفة من المصطلحات الجديدة ضموها إلى لغاهم أواللغة العلمية، على حين أن لغتنا خلو منها أو من معظمها "
--------------
(*) من كتاب الجهود اللغوية في المصطلح العلمّي الحديث -دراسة-
الدكتور: محمد علي الزركان