رابعاً- جامع النص L'architexetualité
يترجم هذا النوع من المتعاليات بمعمارية النص، والنصية الجامعة، والنص الجامع، وغيرها من الترجمات. وقد تحدث عنه جينيت في كتاب "مدخل لجامع النص" 1979 الذي ناقش فيه قضية الاجناس الأدبية، وحاول التمييز بينها. ويعرف جينيت جامع النص بأنه "مجموع الخصائص العامة أو المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة"([13]). وهذا النوع من المتعايات النصية هو الأكثر غموضا وخفاء، حيث "يتعلق الأمر هنا بعلاقة بكماء تماما بحيث لا تتقاطع - على الأكثر - إلا مع إشارة واحدة من إشارات النص الموازي التي لها طابع صنافي خالص مثل: العنوان البارز كما في "أشعار"، "دراسة"، "رواية الوردة"… أو في أغلب الأحيان، مع عنوان صغير كالإشارة إلى أن الكتاب رواية أو قصة أو قصائد… والتي تصاحب العنوان في أسفل الغلاف."[14].
إن جامع النص يتعلق بالأنواع الأدبية، فكل نص ينتمي إلى نوع أدبي معين انطلاقاً من خصائص تميزه. وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن هناك نظريتين حول الأنواع الأدبية: النظرية التقليدية التي ترى ضرورة الفصل والتمييز بين الأنواع، فأفلاطون يميز بين السردي والإيمائي والمزدوج، وأرسطو يميز بين الشعر الغنائي والدرامي والملحمي. أما النظرية الحديثة فترى أن الحدود تكاد تمحى بين الأنواع فهناك تداخل بين النصوص. فمثلاً يشير لوران جيني إلى أن أي نص شعري مهما بلغت شعريته قد يتضمن حكياً (نمط نثري)، وبالمقابل قد يكون هناك نص سردي خالص، ولكنه لا يخلو من أصداء الذاتية[15] وهذا الارتباط بالذاتية يعني وجود نفس شعري في القصة.
إن هذا التداخل بين الشعري والسردي يطرح إشكالية قديمة جديدة، وهي قضية الأنواع أو الأجناس الأدبية، حيث يظل السؤال ماهي حدود كل جنس أدبي؟ وهل يمكن الحديث عن حدود صارمة بين الأنواع؟ يرى تودوروف بأن الشعرية برمتها تتجاوز الأجناس الأدبية، ولا تراعي سوى النسق الذي يشكل خطاباتها فهو يقول:"إن الاهتمام بالأجناس الأدبية قد يبدو في أيامنا هذه تزجية للوقت لا نفع فيه إن لم يكن مغلوطا تاريخيا"[16]. لقد زالت الفروقات إلى حد ما بين الشعر كما أسسه الأقدمون، والنثر لدرجة أنه صار لا يعبأ بالأجناس وهذا ما يعرف بمبدأ طمس الأنواع في النظرية الأدبية الحديثة، مقابل مبدأ نقاء النوع في النظرية الأدبية الكلاسيكية[17].
لقد ميز جاكبسون الشعر بهيمنة المماثلة، والتوازي، وميز الحكي بهيمنة المجاورة، إلا أن الهيمنة ليست مطلقة، مما يفتح المجال للتداخل بين الأنواع، وهذا ما أكده لوران جيني من خلال تحليل قصيدة سبلين spleen لشارل بودلير، حيث خلص إلى أنها تسرد مغامرة الذات، إلا أنها لا تترجم الأحداث عن عالم مفترض، ولا تصنع بالضرورة توترا دراميا على مستوى الجمل الشعرية"[18].
إن مسألة تحديد الجنس الأدبي ليست مهمة الكاتب لوحده، بل يلعب القارئ دورا مهما في هذا التحديد، حيث لا يكفي أن يسلّم بما يطرحه الكاتب، أو الناشر. يقول جينيت بهذا الصدد" إن تحديد قانون أو معيار النوعية لنص ما ليس من شأن النص وإنما من شأن القارئ، من شأن النقد والجمهور"[19] فمثلاً نقرأ كلمة رواية على غلاف "زمن بين الحلم والولادة" لأحمد المديني، وهذا مؤشر يؤكد انتماء النص لنوع الرواية. لكن الناقد المغربي نجيب العوفي يعتبر هذا الاسم "اسما على غير مسمى ونشازا لا ينم إلا على تجوز من طرف الكاتب"[20]، وقد نجد ناقدا آخر، أو قارئا يعتبرها رواية دون تحفظ.
خامساً- النص الموازي ePara****
يعتبر النص الموازي أو العتبات النصية ذلك النص المحيط بالنص (المتن) كالعنوان والمقدمة والخاتمة، وهو من المصطلحات التي يصعب ضبطها ومقاربتها مقاربة نهائية، فهو يعرف تباينا في تعريفه وتوظيفه، إن النص الموازي هو أكثر المتعاليات النصية تعدداً وتنوعاً، وقد تمت دراسة بعض أنواعه وأشكاله قبل أن يقعد له جيرار جينيت في كتاب "عتبات" 1987. ولأهميته وتشعب القول فيه سأخصص له مقالاً مستقلاً إن شاء الله.
[1] - سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي، النص والسياق، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط2، 2001، ص 96-97.
[2]- سعيد يقطين، من النص إلى النص المترابط: مدخل إلى جمال اٌت الإبداع التفاعل، المركز الثقافي العربي، بيروت / الدار البيضاء، ط 1، 2005, ص95 عن سعيدة تومي، العتبات النصية في التراث النقدي العربي: الشعر والشعراء لابن قتيبة أنموذجا، رسالة ماجستير، جامعة العقيد محند أولحاج بالبويرة، 2009، ص 29.
[3]- المختار حسني، أطراس، مجلة فكر ونقد، ع16، فبراير 1999
[4]- ينظر: حميد لحميداني : التناص و إنتاجية المعنى، مجلة علامات في النقد،، مج10،ج40، 2001، ص99.
[5] - نبيل منصر، الخطاب الموازي للقصيدة العربية المعاصرة، دار توبقال للنشر، المغرب، ط1، 2007، ص22.
[6] - المختار حسني، أطراس، مجلة فكر ونقد ع16.
[7] - حميد لحميداني، القراءة وتوليد الدلالة، المركز الثقافي العربي، ط1، 2003، ص43، عن سعيدة تومي، رسالة ماجستير، ص 32.
[8] - بهاء الدين السبكي، عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، تح: عبد الحميد هنداوي، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، ط1، 2003، ج2، 336-337.
[9]- ابن أبي الإصبع العدواني (المتوفى: 654هـ)، تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن، تح: حفني محمد شرف، الجمهورية العربية المتحدة - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي، دط، دت، ص 441.
10 - المرجع نفسه، ص439.
[11]- أبو على الحسن بن رشيق القيرواني (المتوفى: 463 هـ) العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، ط5، 1401 هـ - 1981 م، ج1، ص 263.
[12]- مصطفى الرافعي، وحي القلم، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى 1421هـ-2000م، ج3، ص 271-272.
[13]- جيرار جينيت، مدخل لجامع النص، ص1، ترجمة عبد الرحمان أيوب، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، دت.
[14]- المختار حسني، أطراس، مجلة فكر ونقد، ع16.
[15]-حميد لحميداني، الواقعي والخيالي في الشعر العربي القديم (الشعر الجاهلي)، مطبعة أنفو برانت، فاس، الطبعة 2، 2016، ص49.
تزفيتان تودوروف، الشعرية، تر: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال، ط2، 1990، ص.22 - 16
[17]- عبد الرحمان بن ابراهيم، الحداثة والتجريب في المسرح، إفريقيا الشرق، ط1، 2014، ص101.
[18]- حميد لحميداني، الواقعي والخيالي في الشعر العربي القديم، ص50.
[19]- المختار حسني، أطراس، فكر ونقد، ع16.
[20]- نجيب العوفي، درجة الوعي في الكتابة، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، ط1، 1980، ص 324.
المصدر