mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرفة

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,077
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي العروض عند حازم القرطاجني من خلال كتابه: "منهاج البلغاء وسراج الأدباء"

كُتب : [ 10-25-2017 - 06:14 AM ]



العروض عند حازم القرطاجني
من خلال كتابه:
"منهاج البلغاء وسراج الأدباء"



عمر اسراطي


لقد استأثر علم العروض باهتمام عدد من العلماء عبر امتداد العصور، ويعد حازم القرطاجني واحدًا من بين هؤلاء العلماء الذي كانت لهم إشراقاتٌ عروضية مهمة، غابت - مع الأسف - عن نظر الباحثين والدارسين.

تناول حازم القرطاجني الحديثَ عن العروض العربيِّ في المنهج (الباب أو الفصل) الثاني من القسم الثالث للكتاب، الذي خصصه للمباني، محاولًا ربط الأوزان الشعرية بالدلالة/ المعاني، وما يليق لكلِّ وزن من الأغراض الشعرية؛ حتى يكون النظم ملائمًا للنفوس، لا منافرًا لها.

لقد افتتح حازم حديثَه في هذا المنهج بالوقوف عند الأوزان الشعرية المستعملة عند أهل النظم؛ حيث يقرر أنها مركَّبة من ثلاثة أصناف من الأجزاء، وهي: الخماسيات والسباعيات والتساعيات، مخالفًا بذلك جمهور العروضيِّين الذين حصَروا أجزاء العروض العربي في جزأين اثنين، وهما الخماسيُّ والسباعيُّ، يقول: "إن الأجزاء الشعرية منها ما تركب من أجزاء خماسية، ومنها ما تركب من أجزاء سباعية، ومنها ما تركب من أجزاء تساعية، ومنها ما تركب من أجزاء خماسية وسباعية، ومنها ما تركب من أجزاء سباعية وتساعية، ومنها ما تركب من أجزاء خماسية وسباعية وتساعية"[1].

وقد استدل على ورود هذه الأجزاء في الشعر العربيِّ بذكر البحور الشعرية التي ورد فيها كلُّ جزء من هذه الأجزاء الثلاثة، بل استشهد بأشعار تدل على ورود هذه الأجزاء في الشعر العربي؛ وإن خالفت ما ذهب إليه العروضيون، فمثَّل للأجزاء الخماسية بالبحر المتقارب الذي يُبنى على تَكرار جزء "فعولن"، ومثَّل للسباعيات بكلٍّ من بحر الرجز "مستفعلن"، وبحر الوافر "مفاعلتن"، وبحر الرمل "فاعلاتن"، وبحر الهزج "مفاعيلن"، أما الأجزاء التساعية، فقد مثل لها ببحر الخبب؛ حيث يقول: "وأما ما تركب من التساعية الساذجة، فالخبب، وبناء شطره: متفاعلتن متفاعلتن مرتان؛ كقول بعض الشعراء الأندلسيين:

أَمَّلْتُ لِقاءَك فِي الحُلمِ ♦♦♦ فَزَجَرْتُ العينَ فَلَمْ تَنَمِ".

ويفهم من كلام حازم أن العروضيين جزَّؤوا الجزء جزأين، والتزموا الخبن في كل جزء ليصير الجزء (متفاعلتن) جزأين، هما: فَعِلن فَعِلن، وقد أرجع حازم اتفاق العروضيين على أن أجزاء هذا البحر - أعني بحر الخبب - إنما هي أجزاء البحر المتدارك المتكون من "فاعلن" أربع مرات، وليس من الخبب في شيء - برغبتهم في أن يأتي البحر المتدارك على عكس البحر الذي معه في نفس الدائرة العروضية الخليلية؛ والذي هو البحر المتقارب المكون من "فعولن" أربع مرات؛ وقد أشار إلى هذا الأمر بقوله: "وإنما حملهم على هذا حرصُهم على أن يجعلوا الخبب يساوق في حركاته وسكناته المتقارب..."[2].

أما الأوزان التي تركبت من الأجزاء الخماسية والسباعية، فقد مثل لها بكلٍّ من البحر الطويل، الذي يبنى شطره على "فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن"، والبحر البسيط المربع الأجزاء كذلك، والمكون من "مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن"، والبحر المديد رباعي الأجزاء في الأصل، إلا أنه لا يأتي إلا مجزوءًا، وأضاف إلى هذا النوع بحر المقتضب، على اعتبار أنه بحر رباعي الأجزاء كذلك، "وأصل بناء شطره: "فاعلن مفاعلتن فاعلن مفاعلتن"، إلا أن هذا ثقل؛ لكثرة الأوتاد فيه والأسباب الثقيلة، وتكرر الفاصلة ووقوعها في النهايات، وقد قدمنا أن ذلك مستثقل؛ فلهذا لم يستعملوه إلا منصوفًا؛ أي: محذوف النصف من كل شطر، فهذا هو الصحيح الذي يشهد به القياس والسماع والقوانين البلاغية في اعتبار تناسب التركيبات..."[3].

وقد استدل على صحة ما ذهب إليه بقوله: "إذ الدليل يقوم على أنهم لم يوقعوا الوتد المفروق ولا السبب الثقيل في نهاية جزء خماسي ولا سباعي ولا فيما فوق ذلك..."[4]، وقال في موضع آخر: "فالسبب الثقيل والوتد المفروق لا يقعان في نهاية جزء؛ وإنما يقعان في صدور الأجزاء وتضعيفها"[5]، وفي هذا القول إشارة واضحة إلى جزء "مفعولاتُ" الذي ينتهي بوتد مفروق، والذي ذهب فيه عدد من العروضيين القدامى والمحدَثين إلى أنه جزء غير صحيح؛ أي: إنه جزء غير عروضيٍّ بتعبير المتأخرين.

وعليه؛ فواضح من كلام حازم أن العروضيين قد جانبوا الصواب في وضع هذه الأجزاء، ويقترح بدلًا من الجزأين "فاعلاتُ مفتعلنْ"، "فاعلن مفاعلتن" ويتساءل في الأخير قائلًا: "فكيف يوضع المتضادان وضع المتماثلين في ترتيبٍ يُقصد به تناسب المسموع، والتنظيرُ بين الأجراء المتماثلة في الوضع، وأن يجعل عمود اللحن؟!

فلهذا ينبغي ألا يلتفت إلى ما وضعه أو غيَّرَه العروضيون أو الرواة من الأبيات التي تدفعها المقاييسُ البلاغية، والقوانين الموسيقية، والأذواق الصحيحة، في هذا الوزن وغيره"[6].

أما البحر السريع الذي ينتهي بهذا الجزء (المريض)، فقد اعتبره حازم من البحور المتركبة من الأجزاء السباعية المغايرة التي تبنى على تغاير أجزائها، وقد أسلمه الحديث عن هذا البحر إلى التكلم عن الأرجل، التي تعني بالتقريب عند "الأستاذ الوادي" "المقاطع"، حيث إن هذه الأرجل هي التي تتكون منها أجزاء جميع الأوزان، ولا يكاد جزء من الأجزاء يخرج عنها، وهي ستة أصناف:

1- سبب ثقيل، وهو: متحركان؛ نحو: لَكَ/ مِنَ.

2- وسبب خفيف، وهو: متحرك بعده ساكن؛ نحو: منْ/ عنْ.

3- وسبب متوالٍ، وهو: متحرك يتوالى بعده ساكنان؛ نحو: قالْ؛ بتسكين اللام.

4- وتد مفروق، وهو: متحركان بينهما ساكن؛ نحو: كَيْفَ/ أَيْنَ.

5- وتد مجموع، وهو: متحركان بعدهما ساكن؛ نحو: لَقَدْ.

6- وتد متضاعف، وهو: متحركان بعدهما ساكنان؛ نحو: مَقَالْ؛ بتسكين اللام[7].

وقد حدَّد حازم بعد حصرِ هذه الأجزاء وعدِّها مواطنَ استعمال كلِّ رِجلٍ منها، ليخلص إلى أن العرب قد بَنَتْ أكثر أعاريضها من الأسباب الخفيفة والأوتاد المجموعة، ومثَّل لذلك بكلٍّ من الطويل والمديد والبسيط والرجز والهزج والرمل والمتقارب.

أما النوع الخامس من أجزاء الأوزان الشعرية المتركب من أجزاء سباعية وتساعية، فربط حازم ظهوره بشعراء المشرق، وهذا البحر "هو الذي يسمونه "الدُّبيتي"، وشطره المستعمل: مستفعلتن مستفعلن مفتعلن، نحو قول القائل:
هذَا وَلهِي وَكَمْ كتمتُ الوَلَهَا
صَونًا لِحديثِ مَنْ هَوَى النفْسِ لَهَا
يا آخِرَ مَحبتِي وَيَا أَوَّلَهَا
أَيَّامُ عَنائِي فِيكِ مَا أَطْولَهَا

فأما النوع الأخير من هذه الأجزاء والمتركب من الأجزاء الخماسية والسباعية والتساعية، فقد مثَّل له بالبحر المنسرح؛ حيث يقول: "وهذا الوزن هو المنسرح، وبناء شطره: مستفعلاتن مستفعلن فاعلن، والخبن في فاعلن في العروض أحسن"[8].

وبعد انتهاء حازم من حصر هذه الأجراء التي بُنيت أوزان الشعر عليها، والتي لا يكاد وزن يخرج عنها، والتمثيل لهذه الأجزاء بما يوافقها من البحور الشعرية، والاستشهاد على ورود ذلك بالشعر العربيِّ الصحيح الثابت وضعًا، انتقل إلى الحديث عن البحور الشعرية التي ثبت وضعها عن العرب، والتي حصرها في أربعة عشر وزنًا، في حين وضع بحر الخبب موضع شك، يقول: "والذي يُشك في وضع العرب له هو الخبب"[9].

أما بحر الدبيتي، فقد نفى عنه أن يكون من وضع العرب، "والذي لم يثبت للعرب أصلًا، بل هو من وضع المحدَثين، الوزن الذي يسمى الدبيتي، ولا بأس بالعمل عليه؛ فإنه مستطرف ووضعه مناسب"[10].

وعليه؛ فالوزن المتبقي من أوزان الخليل الستة عشر هو وزن المضارع، وقد اعتبره حازم بحرًا مختلقًا على العرب.

وقد تحدَّث حازم - فيما بعد - في موطن آخر عن فكرة تعتبر في غاية الأهمية عنده، إنها فكرة التناسب بين الأجزاء الشعرية؛ حتى يكون النظم ملائمًا للنفوس، لا منافرًا لها؛ لذلك نراه يسعى إلى تحديد ما يُساغ في الأوزان من التغايير وما لا يساغ، ومميزًا فيما يساغ بين الحسن والأحسن... لينتقل بعدها في المعلم الموالي للحديث عما يوافق كلَّ غرض شعريٍّ من الأوزان، كما كان عند اليونان؛ حيث "كانت شعراء اليونانيين تلتزم لكل غرض وزنًا يليق به، ولا تتعداه فيه إلى غيره"[11]، حيث يقول: "ومن تتبَّعَ كلام الشعراء في جميع الأعاريض، وجد الكلام الواقع فيها تختلف أنماطه بحسب اختلاف مجاريها في الأوزان"[12].

خلاصات:

• إن أُولى النتائج التي يمكن الخروج بها من هذا البحث المتواضع هو أن مفهوم الجزء العروضيِّ حاضرٌ عند حازم بدل مفهوم التفعيلة الذي تواضَعَ عليه جمهور العروضيين القدامى.

• مخالفة حازم لكل العروضيين في تحديد أجزاء الشعر العربي، حيث تجاوز عدد الأجزاء من جزأين إلى ثلاثة أجزاء، مضيفًا بذلك الجزء التساعي، مع ذكر البحور التي تركبت منه.

• وضعه للبناء الذي تبنى عليه كلُّ أجزاء الشعر العربي، والتي حصرها في ستة أرجل/ أنواع، مضيفًا بذلك رِجلين، هما: السبب المتوالي، والوتد المتضاعف.

• تشاطر حازم مع عدد من العروضيين الرأيَ في عدم صحة جزء "مفعولاتُ"؛ لأنه ينتهي بوتد مفروق.

• تفرُّده بفكرة التناسب بين أجزاء الأوزان الشعرية للحصول على الإيقاع المرغوب فيه الذي يكون موافقًا للنفوس، وإن كنا لا ننفي وجود إشارات لهذه الفكرة عند الفيلسوف ابن سينا قبل حازم القرطاجني.

• تحديده للتغيرات المستحسنة من الزحافات والعلل في الأجزاء الشعرية لتحقيق التناسب بينها.

• حصره للبحور الثابت قطعًا وضعُها من طرف العرب، والبحور التي ليست من وضعهم، انطلاقًا من القوانين التي يحدِّدها مبدأُ التناسب بين الأوزان.

• وجود إشارات لمفهوم الإيقاع في الشعر بالمعنى الذي اطرد عند الدارسين المحدَثين، مما يدل على تقدم نظريته في العروض العربي، حيث يعرِّف الوزن بقوله: "والوزن هو أن تكون المقادير المقفاة تتساوى في أزمنة متساوية؛ لاتفاقها في عدد الحركات والسكنات والترتيب".

انتهى بحمد الله.

_____

[1] حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، تونس، الطبعة الثالثة، 1986، ص227.

[2] حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، تونس، الطبعة الثالثة، 1986، ص230.

[3] المرجع السابق. ص234.

[4] المرجع السابق. ص234.

[5] المرجع السابق. ص236.

[6] حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، تونس، الطبعة الثالثة، 1986، ص235.

[7] المرجع السابق. ص236.

[8] حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، تونس، الطبعة الثالثة، 1986، ص242.

[9] المرجع السابق. ص243.

[10] المرجع السابق. ص243.

[11] حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، تونس، الطبعة الثالثة، 1986، ص266.

[12] المرجع السابق. ص268.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 10-25-2017 - 09:21 AM ]


من موقع مكتبة لسان العرب :

منهاج البلغاء وسراج الأدباء - أبو الحسن حازم القرطاجني ( الدار العربية للكتاب)




منهاج البلغاء وسراج الأدباء
المؤلف : أبو الحسن حازم القرطاجني
( وهو مطبوع ضمن الجزء الثاني من سلسلة
الأعمال الكاملة للدكتور الحبيب ابن الخوجة )
المحقق : الدكتور الحبيب ابن الخوجة
تاريخ الطبع : تونس ، 2008
طباعة : الدار العربية للكتاب
عدد الصفحات : 555
عدد الأجزاء : 1
الحجم : 17 ميجا

--------------------
صفحة التنزيلhttp://archive.org/details/lis01044
رابط التنزيلhttp://archive.org/download/lis01044/ManahejBoulaga.pdf
رابط مباشرhttp://ia601206.us.archive.org/23/it...hejBoulaga.pdf
--------------------
المصدر : مدونة books - jadidhttp://booksjadid.blogspot.com/
--------------------
رابط طبعة الغرب الإسلامي


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 10-25-2017 - 09:23 AM ]


حازم القرطاجني
من ويكيبيديا الحرة :
حازم بن محمد بن حازم أو أبو الحسن حازم بن محمد بن حازم القرطاجني (608 هـ/1211م - 684 هـ/1386) كان شاعرًا وأديبًا أخذ عن الشلوبين وعنه أخذ جماعة منهم العبدري. قدم إلى قالب:مدينة تونس ومدح السلطان الحفصي أبي عبد الله محمد المستنصر، وأشهر قصائده له القصيدة الطائية. له تآليف منها: منهاج البلغاء وسراج الأدباء في البلاغة.


المولد والنشأة

في قرطاجنة المدينة الأندلسية ولد "حازم القرطاجني" سنة (608هـ = 1211م) وإليها نسب، ونشأ في أسرة ذات علم ودين، فأبوه كان فقيهًا عالمًا، تولى قضاء قرطاجنة أكثر من أربعين عاما، وقد عني بولده فوجهه إلى طلب العلم مبكرًا، فبعد أن حفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، تردد على حلقات العلماء في بلده، ومرسية وغرناطة، وإشبيلية، وغيرها من المدن التي نجت من غزو النصارى، وتتلمذ على عدد كبير من العلماء، ولزم "أبا علي الشلوبين" شيخ علماء العربية في عصره، وكانت فيه نزعة إلى الفلسفة، فأوصاه بقراءة كتب ابن رشد بعد أن توسم فيه النبوغ والذكاء.[1]

الهجرة إلى المغرب

وبعد أن سقطت قرطاجنة ومرسية في أيدي القشتاليين للمرة الأولى في سنة (640هـ= 1243م) غادر عدد كبير من العلماء والأدباء الأندلس، ووجهوا شطرهم إما إلى بلاد المشرق الإسلامي أو إلى بلاد المغرب، وكان حازم القرطاجني ممن استقر به المقام في "مراكش"، والتحق بحاشية الخليفة الموحدي أبي محمد عبد الواحد الملقب بالرشيد، وكان بلاطه عامرًا بالأدباء والشعراء، ثم ما لبث أن ترك مراكش إلى تونس، واتصل بسلطانها "أبي زكريا الحفصي"، فعرف له فضله وعلمه، فقربه منه، وعينه كاتبًا في ديوانه.

وكان أبو زكريا الحفصي محبًا للعلم مقدرًا العلماء، يدعوهم إلى دولته للإقامة بها ويحيطهم برعايته؛ فقدم إليه كثير من العلماء والشعراء الأندلسيين من أمثال ابن الأبار، وابن سيد الناس، وابن عصفور النحوي المعروف، وابن الرومية عالم النبات، وابن سعيد الأندلسي وغيرهم.

وبلغ من حب أبي زكريا الحفصي للأدباء والشعراء أن جعل لهم بيتًا يقيمون به، ويجدون فيه كل وسائل الراحة، ولما توفِّي أبو زكريا الحفصي خلفه ابنه "أبو عبد الله محمد المستنصر"، وكان على شاكلة أبيه في احترام العلماء والأدباء وتقديرهم، ولهذا وجد حازم القرطاجني في ظل حكمه كل عناية وتقدير، وكان المستنصر يثق به وبذوقه الأدبي، فكان يدفع إليه ببعض المؤلفات ليرى فيها رأيه ويقرر مستواها العلمي.

حازم القرطاجني شاعراً

كان حازم القرطاجني شاعرًا مجيدًا، ووصف بأنه خاتمة شعراء الأندلس الفحول، مع تقدمه في معرفة لسان العرب، وتعددت أغراض شعره فشملت المديح والغزل والوصف، والزهد والحنين إلى الأوطان وبكاء الديار والدعوة إلى تخليصها، واحتل المديح مكانًا كبيرًا في ديوانه، وقد خص أبا زكريا الحفصي وابنه المستنصر بمدائح كثيرة.

وأهم قصائده مقصورته التي مدح بها المستنصر، والمقصورة هي قصيدة طويلة تأتي على روي الألف المقصورة، وقد بلغت مقصورة حازم القرطاجني ألف بيت وستة، وقدّم لها بمقدمة نثرية أثنى فيها على الخليفة المستنصر، ثم حدد ما اشتملت عليه مقصورته من أغراض وفنون، مثل: المديح والغزل والحكمة والمثل، والوصف، وقد استهلها بالغزل منشدًا:

لله ما قد هجت يا يوم النَّوى

على فؤادي من تباريح الجوى

ويطيل في الغزل فيستغرق منه خمسين بيتًا، ناسجًا أكثر المعاني التي ألمّ بها شعراء الغزل، ثم ينتقل إلى مديح المستنصر في مائة وعشرين بيتًا، ويظل متنقلاً من غرض إلى آخر، حتى يصل إلى الحنين إلى الأوطان، فيذكر مأساة الأندلس التي انفرط عقدها، وسقطت مدنها في أيدي النصارى مدينة بعد أخرى، ويستصرخ الناس لنجدة الأندلس واستعادتها فيقول:

ولو سما خليفة الله لها

لافتلّها بالسيف منهم وافتدى

ففي ضمان سعده من فتحها

دين على طرف العوالي يقتضى

فقد أشادت ألسن الحال به

حي على استفتاحها حي على

وتعد مقصورة حازم إلى جانب قيمتها الفنية، وثيقة مهمة تتضمن كثيرًا من الحقائق التاريخية عن الدولة الحفصية، وتشمل على تفصيلات تاريخية وجغرافية تتصل بالواقع الذي عاصره الشاعر في المغرب والأندلس، وقد كافأه الخليفة الحفصي المستنصر بألف دينار من الذهب.

وقد حظيت المقصورة بتقدير الأدباء والنقاد، ونالت شهرة واسعة في حياة صاحبها وبعد وفاته، وقام بشرحها عدد من العلماء، ومن أشهر تلك الشروح: "رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة"، وقد طبع هذا الشرح في سنة (1344 = 1925م) بالقاهرة.

يقول في مدح المستنصر بالله:

أجريت من عين ومن عين بها نهرين قد عما البرايا والبرى
وكفرت طاعته لمؤمن طاعته لكافر فيما مضى
وانساب في قصر أبي فهر الذي بكل قصر في الجمال قد زرى
قصر تراءى بين بحر سلسل وسجسج من الظلامقد ضفا
بحيرة أعلى الإله قدرها قد عذب الماء بها وقد رها
منهاج البلغاء وسراج الأدباء

وهو كتاب في النقد والبلاغة تناول فيه حازم القول وأجزاءه، والأداء وطرقه، وأثر الكلام في السامعين، وقد وصل إلينا من الكتاب ثلاثة أقسام، تتناول صناعة الشعر، وطريقة نظمه، وتعمق في بحث المعاني والمباني والأسلوب، وكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة موزع على أربعة أبواب يسمى كل منهما باسم "منهج"، وكل باب أو منهج يتألف من فصول يطلق حازم عليها اسم "مَعْلم" أو "مَعْرف"، وكل فصل تتناثر فيه كلمتا إضاءة وتنوير، ويقصد بالإضاءة بسطًا لفكرة فرعية، والتنوير بسطًا لفكرة جزئية.

وقد مزج حازم في كتابه بين قواعد النقد الأدبي والبلاغة عند العرب، وقواعدهما عند اليونان، فقد عقد فصلاً طويلاً عن نظرية أرسطو في الشعر والبلاغة، معتمدًا على تلخيص ابن سينا لكتاب أرسطو في الشعر، الذي ضمنه الفن التاسع من كتابه "الشفاء"، وهذه هي المرة الأولى التي يعرض فيها أحد علماء البلاغة من غير الفلاسفة لنظريات أرسطو في البلاغة والشعر، والإفادة منها في فهم وبصيرة.

وقد نشر الكتاب محمد الحبيب بن الخوجة وحققه تحقيقًا علميًا، وقدم له بمدخل علمي تناول فيه حياة حازم، وتناول كتابه بالتحليل، وأبان عن قيمته بين كتب البلاغة العربية.

ولحازم القرطاجني كتب أخرى فُقد معظمها، مثل: "التجنيس" و"القوافي"، ومنظومة نحوية تعليمية.

ونشر عثمان الكعاك ديوانه في بيروت سنة (1384هـ= 1964م)، ثم استدرك محمد الحبيب بن الخوجة على الديوان، فنشر عدة قصائد أخرى لم ترد في ديوان حازم بعنوان قصائد ومقطعات سنة (1392هـ = 1972م).

وفاته

ظل حازم القرطاجني في تونس ولم يغادرها، محاطًا بكل عناية وتقدير من حكام الدولة الحفصية، موزعًا وقته بين العمل في الديوان وعقد حلقات العلم لتلاميذه، حتى تُوفِّي في ليلة السبت (24 من رمضان 684هـ = 23 من نوفمبر 1285م).

الهوامش

^ أحمد تمام (2007-06-17). "حازم القرطاجني.. تاريخ في قصيدة". إسلام اونلاين.
المصادر

ابن الأبار: التكملة لكتاب الصلة– مكتبة الخانجي– القاهرة– 1963م.
المقري (أحمد بن محمد): نفح الطيب– تحقيق إحسان عباس– دار صادر– بيروت– (1388هـ = 1968م).
كيلاني حسن سند: حازم القرطاجني حياته وشعره– الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة – 1986.
شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي– عصر الدولة والإمارات (الأندلس)– دار المعارف– القاهرة – 1994م.


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
الفتوى (1520) : هل يجوز استعمال "خلال" أو "من خلال"... مع إرادة الحال المصاحبة للفعل؟ روزا بونير أنت تسأل والمجمع يجيب 2 07-07-2018 12:37 AM
حدث في مثل هذا اليوم (173): توفي أبو الحسن القرطاجني الأديب البلاغي صاحب سراج البلغاء مصطفى شعبان مشاركات مفتوحة في علوم (( اللغة العربية )) 1 05-30-2018 08:32 AM
منهج تحليل القصيدة العربية القديمة عند محمود شاكر من خلال كتابه:«نمط صعب ونمط مخيف" شمس البحوث و المقالات 0 01-03-2017 08:49 PM


الساعة الآن 04:36 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by