التعليم والترسيم
من كتاب البديع في نقد الشعر لابن منقذ
اعلم أن التعليم والترسيم هو أن الشعر قول موزون مقفى دال على معنى، وله طرفان: أحدهما غاية الجودة، والآخر غاية الرداءة، وبينهما وسائط. والمعنى للشعر بمنزلة المادة، والشعر فيه بمنزلة الصورة. وهو أربعة أشياء: لفظ، ومعنى، ووزن، وقافية. وتهذيبه أن يكون اللفظ سمحاً سهل المخارج حلواً عذباً. وتهذيب الوزن أن يكون حسناً تقبله النفس والغريزة، غير منكسر ولا مزحف. فإن أمكن فهو التخليع مثل: المرء ما عاش في تكذيب طول الحياة له تعذيب.
وتهذيب القافية أن تكون سلسلة المخرج مألوفة، فإن القوافي حوافر الشعر.
والذي يمدح به الناس الصفات الإنسانية وهي السماحة والشجاعة والعدل والعفة. ومنها تولد ما يتولد منها كما قال زهير:
أخي ثقةٍ لا تهلكُ الخمرُ مآله ... ولكنه قد يهلكُ المال نائله
فمدحه بالعفة، ثم قال:
تراهُ إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ثم قال:
فمن مثلُ حصنٍ في الحروب ومثله ... لإنكار ضيمٍ، أو لأمرٍ نحاوله
ولو لم يكن في كفه غيرُ نفسهِ ... لجاد بها فليتق اللهَ سائله
فمدحه بالشجاعة والمعني التي يقصدها الشعراء هي المدح والهجاء والنسيب والمراثي والأوصاف والتشبيه. ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان زهير لا يعاظل الكلام ولا يقصد الوحشي منه ولا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال.
وقد يكون الشاعر مقصراً ولا يكون مخطئاً. لأنه لا يمكنه الإحاطة بكل شيء.
ويحب أن يمدح كل واحد بما يصلح له، كما قال زهير:
من يلقَ يوماً على علاته هرماً ... يلقَ السماحةَ منهُ والندى خلقا
ليثٌ بعثرَ يصطاد الرجالَ، إذا ... ما الليثُ كذبَ عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا عنقا
لو نالَ حيٌّ من الدنيا بمكرمةٍ ... أفقَ السماءِ لنالت كفه الأفقا
ولا يمدح لكثرة الأولاد؛ لأن الحيوان الكريم أعز نتاجا مثل قوله:
بغاثُ الطيرِ أكثرها نتاجاً ... وأمُ الصقر مقلاةٌ نذورُ
وليمدح بالجود وقلة المال مثل قوله:
وإني لا أخزى إذا قيلَ: مملقٌ ... جوادٌ، وأخشى أن يقال: بخيل
وقوله أيضاً:
فما كان من خير أتوهُ، فإنما ... توارثه آباءُ آبائهم قبلُ
وهل ينبتُ الخطيَّ إلاَّ وشيجه ... وتغرسُ إلاَّ في منابتها النخلُ
ومثل قوله:
إني سترحل بالمطيّ قصائدي ... حتى تحلَّ على بني ورقاء
مدحٌ لهم يتوارثون ثناءها ... رهناً لآخرهم فطول بقاءِ
حلماءُ في النادي إذا ما جئتهم ... جهلاءُ يومَ عجاجةٍ ولقاءِ
من سالموا نالَ الكرامةَ كلها ... وحاربوا ألوى مع العنقاء
وكما قال الحطيئة:
أقلوا عليهم، لا أبا لأبيكمُ ... من اللومِ أو سدوا المكان الذي سدوا
أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
فإن كانت النعماءُ فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
وتعذلني أفناءُ سعدٍ عليهمُ ... وما قلتُ إلا بالذي علمت سعد
وقال آخر:
نزورُ امرأً يعطي على الحمد ماله ... ومن يعطي أثمانَ المحامد يحمدِ
يرى البخلَ لا يبقي على المرء ماله ... ويعلم أنَّ المالَ غيرُ مخلدِ
كسوبٌ ومتلافٌ إذا ما سألته ... تهلل واهتزَ اهتزازَ المهندِ
من تأته تعشو إلى ضوءِ نارهِ ... تجد خيرَ نار عندها خيرُ موقدِ
وكما قال الشماخ:
فتى يملأ الشيزى ويروي سنانه ... ويضربُ في رأس الكميّ المدجج
فتى ليس بالراضي بأدنى معيشةٍ ... ولا في بيوتِ الحيّ بالمتولج
وقوله أيضاً:
رأيتُ عرابةَ الأوسيَ يسمو ... إلى الخيرات منقطعَ القرين
إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقاها عرابةُ باليمينِ
كما قال النابغة:
ألم ترَ أنَّ اللهَ أعطاكَ سورةً ... ترى كلَّ ملكٍ دونها يتذبذبُ
لأنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبدُ منهنَ كوكبُ
ومنه:
في كفه خيزرانٌ نشرهُ عبقٌ ... من كفّ أروعَ في عرنينه شممُ
يغضي حياءً ويغضى من مهابته ... فما يكلمُ إلا حينَ يبتسمُ
ويمدح الوزير بالحزم والسياسة، كما يمدح الملك بالعزم والرياسة، ويمدح الكاتب بالذكر والفكر والذكاء والذهن. كما قال السلمي:
بديهته مثلُ تفكيره ... متى رمته فهوَ مستجمعُ
يرومُ الملوك ندى جعفرٍ ... وهم يجمعون ولا يجمعُ
ويمدح القائد بالبأس، والشدة، والصرامة، والنجدة، كما قال منصور النمري:
ترى الخيل يومَ الروم تظمأ تحتهُ ... ويروى القنا من كفه والمناصلُ
حلالٌ لأطراف الأسنة نحرهُ ... حرامٌ عليها صدرهُ والكواهلُ
وكما قال بشار:
فقل للخليفة إن جئته ... نصيحاً لا خير في المتهمْ
إذا ايقظتك حروبُ العدى ... فنبه لها عمراً ثمَ نمْ
فتى لا يبيتُ على دمنةٍ ... ولا يشربُ الماءَ إلا بدمْ
وكقول أبي نواس:
قولا لهرونَ إمامِ الهدى ... عند اجتماع المجلس الحاشد:
نصيحة الفضل وإشفاقه ... أخلى له وجهك من حاسد
أنت على ما بك من قدرةٍ ... فلست مثل الفضل بالواجدِ
أوجده اللهُ، فما مثله ... لطالبٍ منهُ ولا ناشدِ
وليس على اللهِ بمستنكرٍ ... أن يجمعَ العالمَ في واحدِ
وأصل الهجاء سلب المديح، فكل ما مدح به فسلبه هجاء وضده أيضاً قد يخرجه الحاذق مخرج الحق، كما قال:
يروعكَ من سعدِ بنِ عمرو جسومها ... وتزهدُ فيها حينَ تقتلهم خبرا
فسلم له كثرة العدد وعظيم الخلق كأنه مدح وهو يهجو، لأن الكرام قليل، والقحة عما في النفس المميزة. وقول الآخر:
وإذا يسرك من تميمٍ خصلةٌ ... فلما يسوؤك من تميمٍ أكثرُ
ومن ذلك:
قومٌ إذا ما جنى جانيهمُ أمنوا ... من لؤمِ أحسابهم أن يقتلوا قودا
وأما المراثمي فلا فرق بينهما وبين المدح إلا بذكر الموت والذهاب، يقال: ذهب الجواد والجود. وبكته الخيل رديء؛ لأنها توصف بارتباطها بموته لراحتها.
ولذلك لا يقال في بكاء وما يشبهه إلا لما يعقل، كما قال الخنساء:
فقد فقدتك حرقة فاستراحت ... فليتَ الخيلَ صاحبها يراها
ومن ذلك التأسف قول الحطيئة:
فما كان بيني لو رأيتك سالماً ... وبين الغني إلا ليالٍ قلائلُ
فإن عشتُ لم أملك حياتي، وإن أمت ... فما في حياتي بعد موتكَ طائلُ
وأما الأوصاف والتشبيه فتهذيبه الصحة. كقول امرئ القيس:
له أيطلا ظبيٍ، وساقا نعامةٍ ... وإرخاءُ سرحانٍ وتقريبُ تتفلِ
وقوله يصف درعاً مطوية مبززة:
وممدودة البيت موضونةٍ ... تضاءلُ في الطيّ كالمبردِ
تفيض على المرءِ أردانها ... كفيض الأتي على الجدجدِ
ومثل قوله لآخر:
ونحنُ الثرايا وعيوقها ... ونحنُ السما كان والمرزمُ
وأنتمُ كواكبُ مجهولةٌ ... ترى في السماءِ ولا تعلمُ
وكقول عدي:
تزجى أغنَّ كأنَّ إبرةَ روقه ... قلمٌ أصابَ من الدواةِ مدادها
وقوله أيضاً:
يتعاوران من الغبار ملاءةً ... غبراءَ محكمةً هما نسجاها
تطوى إذا علوا مكاناً مشرفاً ... فإذا السنابك أسهلت نشراها
وقول الآخر:
يبدو وتضمره البلادُ كأنه ... سيفٌ على شرفٍ يسيلُ ويغمدُ