اسم الفاعل والطاقة الإيجابية في الحياة
أ.د أحمد محمود عبد القادر درويش
لعل المتأمل لغة القرآن سيتبدى له أن لفظة ( باخع ) اسم الفاعل من الفعل ( بخع ) لم تأت في القرآن كله إلا مرتين اثنتين ، وكانت المرتان مرتبطتين بالنبي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم ...
أما المرة الأولى ففي سورة الكهف يقول ربنا : { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفا } ً (الكهف:6) ...
وأما المرة الثانية : { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } (الشعراء:3) ...
فما البخع في اللغة ؟ البَخْعُ: الإهلاك. يقال: بَخَع الرجُل نفسَه يَبْخَعُها بَخْعاً وبُخُوعاً، أهلكها وَجْداً.
وفي اللفظة كثير قيم ، نستنبت منها قيما ثلاثا
أولها : ضرورة الإيجابية ، والسعي الحثيث نحو الهدف مهما كان الحصول عليه صعبا ، لأن الإرادة جابرة ، ومحطمة للمصاعب ، والرسول هو المشكاة والنبراس ...
ثانيها : من اسم الفاعل ( باخع ) ندرك قيمة عشق التكليف لا مجرد تأدية التكليف فقط ، فالرسول إن عليه إلا البلاغ لكنه زاد على ما كلف به حرصا على هداية قومه ، فالمرء ينبغي له أن يتم ما أنجز ، ويتحرق قلبه على عمله حتى يصير الأكمل والأبهى ، وهذا الفكر هو قاطرة التقدم والرقي ...
ثالثها : دلنا اسم الفاعل ( باخع ) في السياق القرآني هنا على ضرورة حب الناس ، والعمل على وصول الخير لهم مهما كانوا ؛ فالتربة تثمر إذا خلصت النيات ، فلا يقولن أحد : هلك الناس ، فإن قال فهو أهلكُهم... لا يأس ...
لفظة واحدة تجمع من مبادئ الحياة ما يجعلها ذات قيمة عالية ...
هذا هو التوظيف الدلالي للصرف العربي ... فالقاعدة مفهومة ، لكن جماليات اللغة مفقودة ، وهذا ما نحاول أن نختطه هنا ، نشر الجمال لا مجرد نشر اللغة ، كي يستشعر الناس أن لديهم كنزا لغويا عظيما ما ضاق عن آي الكتاب وعظاته
يقول السيوطي ( ت : 911 ه ) في الإتقان في علوم القرآن : " وعلى الناظر فى كتاب الله الكاشف عن أسراره النظرُ فى هيئة الكلمة وصيغتها " ...
هذا النظر هو الرافد الأصيل الذي يمدنا بمعاني القرآن ومكنونانه وأسراره ؛ كي تستقيم طرائق الحياة .