خير الكلام الوسط
من كتاب البيان والتبيين للجاحظ
وقال بعض الربانيين من الأدباء، وأهل المعرفة من البلغاء ممن يكره التشادق والتعمّق، ويبغض الإغراق في القول، والتكلّف والاجتلاب، ويعرف أكثر ادواء الكلام ودوائه، وما يعتري المتكلم من الفتنة بحسن ما يقول، وما يعرض للسامع من الافتتان بما يسمع، والذي يورث الاقتدار من التهكم والتسلط، والذي يمكن الحاذق والمطبوع من التمويه للمعاني، والخلابة وحسن المنطق، فقال في بعض مواعظه: «أنذركم حسن الألفاظ، وحلاوة مخارج الكلام، فإن المعنى إذا اكتسى لفظا حسنا وأعاره البليغ مخرجا سهلا، ومنحه المتكلم دلا متعشقا، صار في قلبك أحلى، ولصدرك أملا. والمعاني إذا كسيت الألفاظ الكريمة، وألبست الأوصاف الرفيعة، تحولت في العيون عن مقادير صورها، وأربت على حقائق أقدارها، بقدر ما زينت، وحسب ما زخرفت. فقد صارت الألفاظ في معاني المعارض ، وصارت المعاني في معنى الجواري. والقلب ضعيف، وسلطان الهوى قوي، ومدخل خدع الشيطان خفي» .
فاذكر هذا الباب ولا تنسه، ولا تفرّط فيه، فإن عمر بن الخطاب رحمه الله لم يقل للأحنف بن قيس- بعد أن احتبسه حولا مجرّما، ليستكثر منه، وليبالغ في تصفح حاله والتنقير عن شأنه-: «إن رسول الله صلّى الله عليه وآله قد كان خوّفنا كل منافق عليم، وقد خفت أن تكون منهم» إلا لما كان راعه من حسن منطقه، ومال إليه لما رأى من رفقه وقلة تكلّفه، ولذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وآله:
«» إن من البيان لسحرا» - وقال عمر بن عبد العزيز لرجل أحسن في طلب حاجة وتأتى لها بكلام وجيز، ومنطق حسن: «هذا والله السحر الاحلال» . وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «لا خلابة» .
فالقصد في ذلك أن تجتنب السوقي والوحشي، ولا تجعل همك في تهذيب الألفاظ، وشغلك في التخلص إلى غرائب المعاني. وفي الاقتصاد بلاغ، وفي التوسط مجانبة للوعورة، وخروج من سبيل من لا يحاسب نفسه.
وقد قال الشاعر:
عليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وقال الآخر:
لا تذهبنّ في الأمور فرطا ... لا تسألنّ إن سألت شططا
وكن من الناس جميعا وسطا
وليكن كلامك ما بين المقصر والغالي، فإنك تسلم من المحنة عند العلماء، ومن فتنة الشيطان.
وقال أعرابي للحسن: علمني دينا وسوطا، لا ذاهبا شطوطا، ولا هابطا هبوطا. فقال له الحسن: لئن قلت ذاك إن خير الأمور أوساطها.
وجاء في الحديث: «خالطوا الناس وزايلوهم» .
وقال علي بن أبي طالب رحمه الله: «كن في الناس وسطا وامش جانبا» .
وقال عبد الله بن مسعود في خطبته: «وخير الأمور أوساطها، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، نفس تنجيها، خير من إمارة لا تحصيها» .
وكانوا يقولون: أكره الغلوّ كما تكره التقصير.
وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول لأصحابه: «قولوا بقولكم ولا يستحوذنّ عليكم الشيطان» . وكان يقول: «وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» .