mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي الترجمة بين الشكل والتفسير

كُتب : [ 05-17-2017 - 11:49 AM ]


الترجمة بين الشكل والتفسير
محمد بن عبدالله آل عبداللطيف
أستاذ مساعد قسم، اللغات الأوربية والترجمة، كلية اللغات والترجمة
جامعة الملك سعود، الرياض، المملكة العربية السعودية



ملخص البحث.
يتعلق البحث بالاتجاهات النظرية في مجال "دراسات الترجمة." وهو تخصص جديد ظهر في بداية التسعينيات من القرن الميلادي السابق. وربما كان السبب الرئيس في ظهور هذا التخصص هو تشعب وتنوع دراسات الترجمة مما استوجب حسب رأي الكثير من الباحثين استحداث حقل دراسات مستقل يجمع النظريات والدراسات المختلفة في هذا المجال. والبحث يتطرق للأسس الفلسفية والنظرية لهذا التنوع، فيوضح أن هناك أسبابا جوهرية وعميقة لهذه الاختلافات ليس فقط من نواح عملية وإجرائية وإنما أيضا من نواح نظرية وتاريخية ومن حيث النظرة العامة للغة.
ويرى البحث أنه يمكن تقسيم نظريات الترجمة إلي قسمين رئيسين: النظريات الشكلية أو الصورية، وهي نظريات لها أسس وتوجهات نظرية عميقة تجمعها و إن بدت مختلفة على السطح؛ والنظريات التفسيرية والتي تختلف وجهاتها ونظرتها للغة حتى ولو بدت واحدة عند النظر إليها لأول وهلة.
والبحث موجه للدارسين والباحثين على حد سواء، ويهدف إلى حل إشكال رئيس هو وجود الكثير من اللبس لدى بعض هؤلاء فيما يتعلق بتنوع هذه الدراسات، وفيما يتعلق بقضايا أخرى مثل وحدة الترجمة، والعلاقة بين النص المترجم والأصل والتكافؤ والتباين في الترجمة، وطرق تقويم الترجمة، وغيرها من القضايا.
مقدمة
تزداد دراسات الترجمة، بشقيها الشفوي والتحريري، أهمية يوما بعد يوم. ولعل ذلك يعود لإدراك المشتغلين بدراسات اللغة بأهمية فهم ظاهرة الترجمة لفهم الظاهرة اللغوية عموما. ولم يعد الاهتمام بدراسة الترجمة يقتصر على عملية تسهيل الاتصال بين الثقافات المختلفة، وإنما أيضا لدراسة مواضيع أخرى مثل علاقة اللغة بالمعنى واللغة بالثقافة، والكاتب أو القارئ بالنص، والنص بالسياق، إلى غير ذلك من الموضوعات المتفرعة والمتشعبة. وبالرغم من بروز مجال لغوي جديد هو "دراسات الترجمة،" إلا أن هناك إقبالا كبيرا على هذه الدراسات من الكثير من غير المتفرغين أو المتخصصين في هذا المجال، وهذا يخلق، في نظري، إشكالا أساسيا بالنسبة لكثير منهم، وهو عدم وجود رؤية عامة أو فكرة شاملة عن مجال هذه الدراسات، وهذا ينتج عنه إغفال الكثير من الجوانب المهمة المتعلقة بهذه الدراسات. فالمشتغلون بدراسات اللسانيات التطبيقية يعتقدون أن دراسات الترجمة مجال لساني تطبيقي بحت، والمشتغلون بالأدب يعتقدون أن الترجمة جزء من الأدب المقارن، والمشتغلون بفلسفة اللغة يرونها مسألة فلسفية في المقام الأول.
ولا يتناسب تاريخ الترجمة الطويل وممارستها الواسعة الانتشار مع مدى الوعي بماهيتها وطبيعتها. فبالرغم من الشروحات والتعليقات المتفرقة التي يدبج بها المترجمون ترجماتهم من حين لأخر، والتي كانت ذات طابع عملي وتتصل مباشرة بممارسة الترجمة لا بنظريتها، فإن الاهتمام بجوانب دراسات الترجمة النظرية يعدّ حديثا جدا قياسا إلى تاريخ ممارستها الطويل. فقد ازداد الاهتمام بهذه الدراسات بشكل موسع في العقدين الأخيرين إلى درجة لافتة للانتباه. وربما يكون لفتور الاهتمام بالنموذج اللساني الشكلي، وازدياد الاهتمام بعولمة الاتصالات، وتوسع تطبيقات الحاسب في اللغات المختلفة، وازدياد التقارب والتفاعل بين الحضارات دور مهم في ازدياد هذا الاهتمام.
وتعتبر "دراسات الترجمة" أسرع مجالات دراسات اللغة نموا وتوسعا هذه الأيام. وبرزت أهمية دراسات الترجمة كموضوع بحث فلسفي ولساني وأدبي. ويمكن القول إن "دراسات الترجمة" حقل له خصوصيات معرفية ابيستمولجية تجعله على قدر كبير من التعقيد ويمكن إرجاع صعوبة "دراسات الترجمة" للأسباب التالية:
1. بخلاف الكثير من حقول المعرفة الأخرى بدأ مجال "دراسات الترجمة" بممارسة واسعة مكثفة ومتشعبة، ثم انتقل في مرحلة متأخرة إلى مجال التنظير، مما جعل تطوير نظرية متكاملة للترجمة أمرا في غاية الصعوبة. ولذلك يتفق المشتغلون بالدراسات النظرية للترجمة على أمر واحد فقط وهو صعوبة وتشعب هذا المجال. حتى أن أيان ريتشاردزI.A. Richards، العالم السيميائي، وصفها بأنها "أعقد ما يمكن القيام به منذ بداية الخليقة" ]1، ص10[.
2. ثم إن دراسات الترجمة تتقاطع مع أكثر مواضيع اللغة صعوبة وتعقيدا مثل قضايا المعنى اللغوي، واللغة والثقافة، واللغة وطبيعة النفس البشرية، واللغة والأسلوب والأدب. ويجمع المهتمون باللغة على أن ممارسة الترجمة عملية متعددة الأوجه والمجالات interdisciplinary . وبناء عليه تتنوع وجهات النظر في هذا المجال لتأثرها بمجال الممارسات في المجالات المختلفة
3. الطابع الازدواجي لعملية الترجمة، فهي عملياً أشبه ببندول ساعة يتأرجح إذا مال إلي جانب ما واقترب منه ابتعد بالضرورة عن الجانب الأخر. فالترجمة إما أن تراعي الأصل أو تحابي الهدف، إما أن تحافظ على المعنى الحرفي للفئة المترجم منها أو تنزع لمعنى غير حرفي أقرب إلى فهم الفئة المترجم لها. وليس هناك ضوابط علمية أو عملية تستطيع بشكل موضوعي تحديد أولوية جانب على الآخر.
4. الترجمة تبرز بشكل واضح وجلي الفجوة بين الذاتي والموضوعي. فهي إما أن تكون فردية خلاقة أو تكون جمعية وظيفية لا إبداع فيها. وهذا الموضوع الذي يأخذ شكلاً في دراسات اللغة المختلفة، مثل ماهية المعرفة اللغوية، والمعرفة المشتركة ... إلخ، لم يحسم بعد، وتعدّ الترجمة إحدى أكثر عمليات اللغة إبرازا لهذا الموضوع.
5. الترجمة عملية تنطوي على مفارقة منطقية لا فكاك منها وهي أنها تحاول أن تحتفظ بماهية محتوى لغوي تحاول في ذات الوقت تغييره، أو على الأقل تغيير شكله. وعند تغيير الشكل فلا بد من المساس بالمحتوى أيضاً. ومن الطريف أن لكلمة ترجمة في اللغة الإنجليزية معنيين محتملين يعكسان هذه الصورة، فتفسير الجزء الأول من كلمة translation، هو حرف الجر اللاتيني trans ويعني حرفيا "الجهة الأخرى، أو فوق."وفي كلمة translation، إما أن يعني النقل على شاكلة معناه في كلمة transport أو transfer وتكون الترجمة في هذه الحالة نقل نص أو محتوى نص من لغة لأخرى. أو يعني التحول من شكل لآخر أو إعادة تكوين ذلك الشيء مقاربة لكلمة (transform 2، ص 371).
أ ) ويشبه ذلك تعريف الترجمة في اللغة العربية فلكلمة "ترجم" معنيان مختلفان. الأول بمعنى "بين الكلام ووضحه،" والثاني بمعنى "ترجم عن غيره ونقل عنـه" [3، ص83]. وفي لسان العرب، الترجمان هو "المفسر للسان،" والترجمان أيضا هو "من يترجم الكلام، أي ينقله من لغة إلى أخرى" ]4، ص 426[. فالمعنى في العربية أيضا يتأرجح بين التفسير والنقل ويشبه إلى حد ما المعنى في اللغة الإنجليزية. ويمكن القول إنه بشكل عام تأرجحت دراسات الترجمة بين هذين المعنيين المختلفين لكلمة ترجمة كما سنبين فيما بعد.
ب) لكل هذا وغيره تعددت الرؤى والاتجاهات في دراسات الترجمة بشكل لا يدركه الكثير من الدارسين والمشتغلين في هذا المجال على حد سواء. وهذا التعدد لم يكن محض صدفة، أو نتيجة لاختلاف سطحي، وإنما هو نتيجة لتشعب المنطلقات الفكرية والفلسفية لهذه الرؤى والاتجاهات. فهذه الاختلافات، بعبارة أخرى، تعكس اختلافات أكثر عمقا مما يبدو للوهلة الأولى. وفي زعمنا فإنه من الضروري للدارسين والمشتغلين بدراسة الترجمة الإلمام بشكل جيد بهذه الاتجاهات وأسسها المعرفية والفلسفية من أجل الإلمام الصحيح بدراسات الترجمة.
ج ) ويهدف هذا البحث إلى تسليط الضوء على أهم الاتجاهات والرؤى في دراسات الترجمة بشكل مجمل لإعطاء صورة عامة عن هذه الدراسات، وهو موضوع نعتقد أنه على قدر كبير من الأهمية لكثير من الدارسين والباحثين الذين تعوزهم الرؤية الشاملة لهذا المجال، حتى ولو تخصصوا بشكل موسع في مجال بعينه في هذه الدراسات. والبحث يشتمل على دراسة لا نزعم كونها شاملة بأي شكل من الأشكال.
ويمكن أيضا التفريق في دراسات الترجمة من حيث مجالاتها، حيث إن هناك، على وجه التقريب، ثلاثة مجالات تعنى بدراسة الترجمة لكل منها منهجه ونموذجه الخاص، وهي وإن تشابهت في بعض الأوجه مختلفة جدا من حيث الرؤى والمنطلقات. الأول: هو علوم اللغة واللسانيات، بمختلف اتجاهاتها؛ والثاني: مجال السيمياء وما يتصل بـذلك مـن نظريات الاتصالcommunication theory؛ أما الثالث: فهو مجال الدراسات التأويلية hermeneutics وهو مجال يدرس طبيعة النصوص و أوجه تأوليها، وهو مجال مختلف عن مجال اللغويات النصية.
الترجمة والشكل
الترجمة كعلم
تعتبر دراسات الترجمة النظرية،كما أسلفنا، مجالا حديثا نوعا ما، ومن بين الدراسات التي ظهرت حديثا دراسات سعت لجعل دراسة الترجمة دراسة علمية دقيقة. وهذه الدراسات لم تكن بمعزل عن تطور دراسات اللغة الأخرى وخاصة دراسات اللسانيات، واللسانيات، كما هو معروف، بالرغم من اختلاف مناهجها ومدارسها، تحاول التمسك بمعايير منهجية وعلمية دقيقة تحددها أهدافها وطموحها ويعكسها تاريخ تطورها.
وللسانيات، بدون شك، النصيب الأكبر من التأثير على دراسات الترجمة وخاصة الترجمة البين- لغوية، وقد انعكس ذلك في طموح هذه الدراسات للدقة والعلمية حتى أن الكثير بعد توسع هذه الدراسات بدأ ينظر للترجمة على أنها ممارسة لسانية بحتة، أو ممارسة لسانية تطبيقية على وجه التحديد. وسنحاول أن نوضح فيما يلي بنوع من الإسهاب أن الترجمة وإن استفادت إلى حد كبير من مكتسبات اللسانيات، إلا أن هناك أسبابا منهجية وعملية تحول دون اعتبارها ممارسة لسانية صرفية بحتة، و دون إمكانية كون دراسات الترجمة دراسات لسانية تطبيقية فحسب.
فإذا كان لكل علم تاريخ، كما يقول دايتر فونديرليخ D. Wunderlich، فإن للسانيات الشكلية الحديثة تاريخا مهما لفهمها فهما صحيحا. وتاريخ اللسانيات الحديثة، يمكن إرجاعه للقرن التاسع عشر الميلادي، القرن الذي حققت فيه العلوم الطبيعية نجاحات كبيرة خاصة في مجالي الفيزياء الميكانيكية وفي الأحياء التطورية (كما تجسد في نظرية دارون في الارتقاء). وقد أثر ذلك في منهجيات العلوم الأخرى في ذلك الوقت ومنها دراسات اللغة حيث رغب الكثير من علماء اللغة في الاحتذاء بالعلوم الطبيعية naturwissenschaften من أجل الوصول إلى مكانة مشابهة وابتعدوا عن منهجية العلوم الإنسانية geisteswissenschaften على افتراض أنها لا تتوفر على الدقة العلمية المطلوبة. وأخذ علماء اللغة من الفيزياء الطبيعية محاولة سن قوانين طبيعية دقيقة، ومن الأحياء التطورية المنهج التطوري للدراسة phylogenetic analysis، فاهتموا بالدرجة الأولى بدراسة التغير والتطور الصوتيين للغة، فيما سمي آنـذاك بمـدرسـة "النحـوييـن الجدد" New Grammarians الذين أسسوا اللسانيات التاريخية (5، ص ص 16-17).
ومن أجل أن يكون علم اللغات philology (يسمى فقه اللغة أيضا) علما كالعلوم الطبيعية اعتقد النحويون الجدد أنه يتوجب أن يكون موضوع دراسته أيضا موضوع علم طبيعي ولذلك كان لابد للغة، موضوع هذا العلم، أن تصبح ظاهرة طبيعية أيضا، أي أن ينظر لكونها مادة عضوية تحكمها قوانين الطبيعة.
وقد أثر ذلك أيضا على اللسانيات linguistics ، العلم الذي ورث الساحة اللغوية من علم فقه اللغة. ومنذ ذلك الوقت، فتاريخ اللسانيات، كما يراه عالم اللسانيات المعاصر فوندرليخ، هو تاريخ البحث عن موضوع بحثها. وأصبح شغلها الشاغل محاولة فصل النظام اللغوي الذي تحكمه القوانين العلمية من الجسد الاجتماعي أو التواصلي للغة، فمسالة تحديد موضوع بحث ذي "تركيب مستقل" autonomous subject matter للسانيات الحديثة أمر ذو أهمية مركزية بالنسبة لتطوره و سعيه لمجاراة المجالات الأخرى حتى يومنا هذا [6، ص 12].
وفي نهاية القرن التاسع عشر وبعد تلاشي أهمية النموذج الارتقائي، انتقل اهتمام اللغويين من البحث عن أصل اللغات وتطورها إلى البحث في طبيعته وتحديد ماهية ما تدل عليه كلمة "لغة،" وكان هذا بداية الاهتمام بـ "اللسانيات الآنية" synchronic linguistics التي يعدّ فيردينـانـد دي سوسيـر Ferdinand de Saussure (1857-1913م) أول من حدد معالمها. وقد فرق سوسير بين ثلاثة مفاهيم مختلفة للغة: اللغة كملكة إنسانية أي اللغة بمعناها العام langage، واللغة كنظام langue مجال البحث السيميائي، و اللغة ككلام parôle، وهذه خطوة أساسية في برنامج سوسير لتحديد موضوع بحث لساني قابل للدراسة العلمية. ويصر سوسير على أن اللغة ظاهرة اجتماعية أنتجتها عقلية الجماعة وهي، كنظام، لا تخضع للمتغيرات الفردية، إلا أنه في الوقت ذاته، لا يمكن دراستها إلا كوجود نفسي في عقل الفرد. فاللغة، الظاهرة الاجتماعية بالنسبة لسوسير، لها ماهية وجود mode of existence نفسية . فهو يرغب في رؤيتها كظاهرة نفسية لا تتأثر بالاختلافات والخصائص الفردية ويصر على استقلاليتها و موضوعيتها كظاهرة اجتماعية. أي أنها، بكل ما ينطوي عليه هذا الطرح من مفارقة منطقية، ظاهرة جماعية تدرس بشكل ذاتي. وهذا ما يسمي "بمفارقة سوسير" أو مفارقة الفكر السوسيري (7، ص29) .

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-17-2017 - 11:55 AM ]


ويعدّ سوسير الصوتيم (الفونيم) أصغر وحدة لسانية، ولكل لغة عدد محدود من الصوتيمات تربطها علاقة تمايز وتعارض. ولكل صوتيم قيمة نظمية داخل النظام اللغوي تحدده علاقته بغيره من الصوتيمات ولا علاقة لهذه القيمة بشكل الصوتيم المادي. فقيمة الصوتيم تشبه في وجودها اللغة كنظام وشكله يشبه اللغة ككلام في هذا النموذج. والصوتيم عنصر أساسي في تشكيل الشكل الصوتي للعلامة اللغوية signifier، الذي بدوره يحدده المفهوم التي تدل عليه العلامة signified. فالشكل والمفهوم وجهان للعلامة اللغوية لهما وجود واحد مشترك، إلا أنه لا يوجد ارتباط بين الشكل الصوتي للعلامة وشكل مرجعها التي تدل عليه، فالعلاقة بينهما اعتباطية.
ومن هنا يفرق سوسير عل نفس المنوال وعلى مستوى المحتوى اللغوي بين قيمة المفهوم concept value وبين دلالة المفهوم signification. ولذلك فالمفهوم داخل النظام اللغوي تتمثل كقيم سلبية ليس لها شكل مادي. وكان سوسير يرى نوعين من العلاقة بين العلامات أحدهما "تبادلية" paradigmatic عمودية تحددها علاقات القيم للعلامات داخل النظام اللغوي؛ والأخرى syntagmatic وهي علاقة أفقية تركيبية تتشكل منها جمل اللغة، والأخيرة يعدّ جزءا من الكلام لا اللغة ]8، ص ص 46-56[.
وهنا يتضح أن مفهوم سوسير للبنية اللغوية له جانبان، البنية الشكلية التي تحددها أنماط العلاقات داخل البنية اللغوية وتمثلها القيم الشكلية السلبية للصوتيمات والكلمات والمفاهيم، والعلاقات اللغوية البحتة. والمفهوم الآخر هو مفهوم بنية المحتوى التي تعكس ارتباط أجزاء اللغة ومكوناتها المادية بعضها ببعض ضمن نظام لغوي معين. و لكن وفي كلا المفهومين تأخذ البنية اللغوية والعلاقات في مجملها أولوية على أجزاء اللغة ومفرداتها التي لا يمكن فهمها خارج مجمل البنية اللغوية. وكان لهذه الرؤية الكلية للبنية أثرها الكبير على تطور مختلف مجالات الدراسات الإنسانية، في الأدب، والنقد الأدبي، والإناسة، و علوم الاجتماع والسياسة، وأعدّ في بداية هذا القرن وحتى منتصف الستينيات النموذج المثالي للدراسات الإنسانية و من بينها دراسات الترجمة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وربما يكون تأثير سوسير الغير مباشر على دراسات الترجمة أهم من تأثيره المباشر. فسوسير أثر على دراسة أهم عنصرين تقريبا في دراسات الترجمة، الأول: وهو دراسات الثقافة والتي يمكن عدّها، ولو من قبيل الاستعارة كـ "المدلول" العام الذي تدل عليه اللغة في مجملها إذا ما عددنا اللغة "دالة" على الثقافة. وأخذت دراسات الثقافات اللسانية والإناسية تنظر للثقافة كبنية كلية لا يمكن فك مفاهيمها خارج نطاق هذه البنية، فالجزء بالضرورة يتبع الكل. ثم تم النظر في أنظمة أخرى أكثر تكاملاً داخل النظام الكلي، (الحقول الدلالية semantic fields) فهناك نظم قرابة، وتجارة، وفنون يمكن دراستها بنيويا وهلم جرا.
والثاني: هو أن سوسير أدخل المعنى داخل اللغة، وأعطاه شكلا موضوعيا، بعد أن كانت الفلسفة الوضعية ترى أن المعنى هو المرجع الخارجي الذي تدل عليه اللغة، و بعد إصرار الفلسفة الرومانتيكية على أن المعنى فردي وجزء مـن عبقرية المتكلم. ثم إن سوسير ركز على النظام الداخلي للغة وعدّه نظاماً مغلقاً يجب دراسته بأسلوب علمي مستقل عن الدور أو الوظيفة التي يؤديها.
ولكن نظرة سوسير للبنية اللغوية على أنها نظام مستقل عن الواقع، وتأكيده على اعتباطية العلاقة بين الواقع واللغة قادت في نهاية الأمر وضمن تفسير محتمل إلى نوع من الحتمية اللسانية linguistic determinism التي ترى أن رؤية البشر للعالم من حولهم محتومة بالنظام اللغوي الغالب على عقليتهم، أي أن إدراك العالم الخارجي لا يكون من الخارج للداخل وإنما العكس، وهذا ما قالت به فرضية سابير وورف Sapir-Whorf hypothesis ]5، ص 83[.
فسابير يدعي أنه ليس هناك عالم واحد يعيش فيه بشر متعددون وتتعايش فيه لغات مختلفة، بل إن هناك عوالم مختلفة تشكلها اللغات المختلفة للشعوب ولا يمكن لأحدها فهم الأخرى. ومن هنا يمكن القول باستحالة الترجمة بين اللغات لعدم تناسب أنظمة هذه اللغات incommensurablity of ******** systems.
وقد حاول الفيلسوف اللغوي فالارد كواين. W. Quine ، في كتاباته المعروفة لدارسي الترجمة على وجه الخصوص، تفنيد الأسس العلمية المعرفية للدراسات اللسانية منطلقا من أطروحات تدور في مجملها حول علاقة المعني اللغوي بالعالم الخارجي واستحالة الترجمة بين اللغات، متخذا موقفا مشابها من نسبية المعنى اللغوي ومستنداً على عدم إمكان إثبات وجود الترادف المعنوي التام synonymy حتى داخل اللغة الواحدة [9].
وبالرغم من الكتابات المتعددة والجدل المتعمق حول إمكان الترجمة من استحالتها الذي دعا إليه الجدل حول النسبية اللغوية، والشكوك التي أثيرت بالتالي حول الطابع المعرفي للسانيات كعلم، إلا أنه يمكن القول إن هذه الدراسات لم تهتم بالترجمة لذاتها وإنما اهتمت بها لإثبات قضايا أخرى ذات طابع فلسفي وغير ذات علاقة مباشرة بمفهوم الترجمة المتعارف عليه أو ما يمكن تسميته بـ "الترجمة الطبيعية" natural translation. وهذه الدراسات أيضاً لم تتطرق لدارسة طبيعة عملية الترجمة translation process أو لوظيفة الترجمة كوسيلة للتواصل تفرضها الحاجة المعاشة.
وكان لابد من إنقاذ اللسانيات من مخالب النسبية اللغوية التي تضمنتها وجهة نظر سوسير، و تجلى ذلك في اتجاهين مختلفين كان لكليهما تأثير على دراسات الترجمة. الأول على يد نوام تشومسكي(1928م)N. Chomsky الذي لجأ إلي المنهج الديكارتي في إثبات علاقة اللغات بعضها ببعض.
والثاني فقد انطلق من أبحاث العالم الإناسي براتسلاف مالونسكي (1884-1924م) B. Malinowsky حول أسبقية "الوظيفة" السياقية والاجتماعية للغة لفهم المعنى اللغوي على المعنى المجرد داخل البنية اللغوية المغلقة. ودفع هذا بدراسات اللسانيات البريطانية إلى اتجاه مغاير للسانيات الأمريكية في محاولة المزاوجة بين دراسة النظام الداخلي للغة ونظام وظيفتها الخارجية، وهذه هي سمة اللسانيات النظمية التي أسس لها جون روبرت فيرث J. Firth وميكاليل هاليدي M. Halliday في بريطانيا التي تقوم على التأكيد على معنى سياق الحال للغة con**** of situation. وسوف نتطرق لهذا المشروع الهام في الفصل التالي كجزء من اللغة والسيمياء الاجتماعية. ونحاول تسليط الضوء على النموذج اللساني التوليدي وعلاقته بدراسات الترجمة في هذا الفصل.
النموذج اللساني التوليدي
كما هو معروف فإن تشومسكي ذهب أبعد من سوسير في فصل اللغة عن الواقع متخذاً من الاستبطان الفردي individual introspection منطلقاً للبحث اللغوي عن كليات لغوية محتملة، وبينما لجأ رينيه ديكارت (1596-1690م) René Descarte للشك المنهجي لإثبات حقيقة وجود الذات الشاكة وبالتالى التدليل على الوجود، أرجع تشومسكي جميع اللغات إلى قواعد كونية مشتركة يحددها جهاز فطـري لاكـتسـاب اللغـة أسمـاه "لاد" مختصـر لكلمـة******** acquisition device يتم البحث عنه بطريقة تفترض بعضا من سماته الكلية ثم تحاول الاستدلال عليها في اللغات المختلفة التي تعتبر مظاهر سطحية لهذا الجهاز الفطري.
ويبدو الأمر وكأن تشومسكي يبحث ليس في البنية اللغوية للغة بعينها وإنما البنية الجامعة لكل اللغات الممكنة، لغة اللغات المختلفة، البنية أو الفطرة التي تشكل قطيعة نوعية بين الإنسان وبقية الكائنات. ولكن ذلك لم يكن ممكنا بدون حصر هذه البنية في نطاق تركيبي ضيق، وقصرها على الطابع السايكولوجي الفردي. فقد ذهب تشومسكي أبعد من سوسير بالتأكيد صراحة على التفريق بين اللغة الكامنة I (Internalized)-******** المادة الأولية التي تدرسها اللسانيات كموضوع علمي مستقل عن المتكلم أو الوظيفة التي تؤديها اللغة. وهذه اللغة أقرب أن تكون عضوا بيولوجيا يرثه الفرد من كونها ظاهرة يكتسبها من المجتمع. واللغة المشاعة (Externalized)-******** E وتقـابل اللـغـة بمفهـومها الخاص أو اللغة المعـاشة. وتشـومسكي لا يـرى أهميـة لـدراسـة اللغة بمعنـاها المـتعـارف عــليـه لكـونهـا مشـتـقـة وثانـويـة (derivative and perhaps not a very interesting concept).(10، ص 151).
ولكن تشومسكي يحذر وبشكل صريح من عدم الاستنتاج من افتراض وجود قواعد كونية أو القول بإمكان للترجمة بشكل تام أو مباشر بين اللغات المختلفة، وهذا يؤكد على أن تشومسكي كان ينظر للمعنى والترجمة على أنهما جزء من اللغة المشاعة، ولا علاقة لها بالكليات القواعدية القارة لجميع اللغات.
ولكن المناخ الفكري السائد في ذلك الوقت، والتقدم النوعي في مجالات فكرية أخري، مثل دراسات الحاسب الآلي وعلم النفس، دفع لنوع من التفاؤل المفرط فيما يتعلق بدراسات اللسانيات وكذلك دراسات الترجمة. وبدأت الإشارة للترجمة على أنها علم مثل علم اللسانيات كما هو الحال مع يوجين نايدا في كتاباته المبكرة، ذلك بالرغم من أن نايدا، على عكس الاعتقاد الشائع، اعتمد على النظرية التحويلية لزليق هاريس Zellig Harris وليس تشومسكي في دراسة الترجمة كما أنه، أي نايدا، انطلق من كليات الفيلسوف الألماني عمنوائيل كانت وليس من كليات تشومسكي للوصول للقواسم المشتركة للمعنى اللغوي بين اللغات .
ووسط هذا الجو المتفائل، بدأ يحدو الكثير الشعور بإمكان الترجمة الآلية اعتمادا على الاستنتاجات اللسانية للنظرية التحويلية لتشومسكي. حتى أن ورن ويفر W. Weaver أحد رواد فكرة الترجمة الآلية، كتب صراحة بأنه " يمكن النظر للترجمة كمشكلة شيفرة cryptography، وأنني عندما أرى مقالا مكتوبا بالروسية أعتقد أنه مقال إنجليزي كتب برموز غريبة" (11، ص35).
ولا أحد ينكر دور اللسانيات التوليدية ليس فقط في تعميق البحث اللغوي وإنما أيضا في تعميمه على لغات العالم المختلفة وخاصة في مجال اللسانيات المقارنة comparative linguistics واللسانيات التقابلية contrastive linguistics، مما زاد من وعى اللسانيين بأوجه الشبه والاختلاف بين اللغات. كما تأثرت دراسات الترجمة بالأبحاث التي قامت بها اللسانيات النفسية التوليدية والدراسات اللسانية العقلية ذات النهج التوليدي.
وإذا أردنا بشكل عام أن نستطلع السمات الأساسية لعلاقة الدراسات اللسانية بدراسات الترجمة وما هي المفاهيم الأساسية التي انطلقت من الرؤية اللسانية للغة لتعمم على بعض دراسات الترجمة، فنستطيع القول بشكل عام إن السمة الأساسية لدراسات اللسانيات هي تركيزها على الشكل أو الصورة على حساب المضمون، وانطلاقها من فهم للمعنى ينحصر بالمعنى اللغوي داخل اللغة فقط meaning semantic وعدم قدرتها على استيعاب المعنى السياقي، لأن النظريات اللسانية، كما أسلفنا، كانت تبحث عن نظام لغوي منتظم مستقل عن التأثيرات الجانبية للسياق الواقعي للغة مثل الأخطاء اللغوية والحذف والتنوع الأسلوبي، ... إلخ. فسوسير حصرها في النظام اللغوي وتشومسكي في قواعد كونية يجب البحث عنها في قرارة عقل المتكلم.
وقد تبنت نظريات الترجمة المتأثرة بالمنحى اللساني مبدأ التكافؤ *****alence بين وحدات النظام اللغوي، وهو مفهوم رياضي ومنطقي بحت، استخدم أولاً في علم الإناسة لمقارنة النظم الثقافية للشعوب المختلفة ولمحاولة فهم علاقات اللغات ببعضها البعض. وكانت الترجمة ممارسة ضرورية وشائعة في الدراسات الإناسية بمختلف مشاربها، لأن لغات الثقافات المختلفة موضوع درس الإناسة المعروف، سواء كانت ثقافات بدائية أو متطورة، محكية أو مكتوبة تترجم إلى لغات الباحثين ليسهل درسها وتعليمها وهي لغات أوروبية في الأعم الأغلب. وقد تأثرت دراسات الترجمة بعلوم الإناسة إلى حد كبير لاسيما وأن كثيرا من علماء الإناسة يدرسون اللسانيات من أجل سرعة تعلم وتحليل لغات الأقوام الذين يختلطون بهم.
فمعروف أن يوجين نايدا E.Nida ، أول المهتمين بالدراسة العلمية للترجمة، كان لغويا إناسيا في المقام الأول مهتما بدراسات الإناسة الثقافية cultural anthropology السائدة في أمريكا في ذلك الوقت، والإناسة الثقافية لها وجهة نظر خاصة بالثقافات العالمية. فهي ترى أن جميع الثقافات العالمية كاجزاء أو أدوار مختلفة لثقافة إنسانية واحدة، وتحلل هذه الثقافات بناء على معايير كلية مفترضة تطبق على جميع الثقافات بمختلف بيئاتها. وهذا الاتجاه الإناسي يتناسب مع توجهات بعض رجال الكنيسة الذين يسعون لنشر كلمة الرب للناس سواسية، ومنهم نايدا وأعضاء آخرون فيما يسمى بجماعة ترجمة الإنجيل. وربما يكون من محض الصدفة التقاء هذا الطرح من نظرية تشومسكي اللسانية التي تفترض وجود قواعد لسانية كلية تنطبق على جميع اللغات الإنسانية، مع الطرح الديكارتي ذاته الذي هو في المقام الأول طرح لاهوتي.
ونايدا، على سبيل المثال، يرى لزومية التكافؤ بين اللغات فيما يتعلق بالمعنى، وحاول أن يحدد التكافؤ على مستوى الترادف اللفظي بين الكلمات ومستوى التوليد اللغوي على مستوى الجمل transformations، وتكلم عن التكافؤ الشكلي formal *****alence وأعطاه أولوية في الترجمة، ليعود ويقول بالتكافؤ الغير شكلي أو الديناميكي dynamic و التكافؤ الوظيفي functional *****alence الذي يمكن البحث عنهما إذا لم يوجد تكافؤ شكلي. إلا أنه يتراجع في مكان آخر ويقول بـ "إنه لا يمكن أن يكون هناك تماثل تام بين مكونات النظم اللغوية أو الطريقة التي تنتظم بها هذه المكونات،" بكل ما يحمله هذا الكلام من تناقض مع سابقه. والجدير بالذكر أن معظم نظريات الترجمة اللسانية ترى أولوية للتكافؤ الشكلي على التكافؤ غير الشكلي أو الحر.
وربما يكون لمحاولة تطوير نظام ترجمة آلية في الخمسينيات و تدفق الدعم المادي لأقسام اللسانيات المهتمة بهذا النوع من الدراسات في أمريكا أثر في دفع النظرية اللسانية في الاتجاه الشكلي المنطقي، بما في ذلك محاولة اللسانيـات التحويليـة البحث عن كليـات لسانـي linguistic universals، ومحاولة توليد الجمل في اللغة من جمل "أساسية محدودة التركيب."
وقد لخص ج س. كاتفورد J.C. Catford أثر ذلك في دراسات الترجمة بقوله "إن المهمة المركزية بالنسبة لنظرية الترجمة هي تحديد طبيعة وشروط مكافئات الترجمة" [12، ص 21]. وكان كاتفورد يرى أن هذه المكافئات تأتي على حسب الرتبranks التي حددها فيرث لدراسة البنية اللغوية (الصوتيم، المورفيم، الكلمة، المتلازم اللفظي، العبارة، الجملة، النص)، ولكنه ما يلبث أن يتراجع ليقول بأن الترجمة إما أن تكون مكافئة للأصل rank bound أو حرة free أي غير ملتزمة بالشكل والرتبة اللغويتين.
وقد شجع البحث عن مكافئات لغوية بين اللغات المختلفة الدراسات التقابلية contrastive analysis ، سواء على مستوى مفردات أو تراكيب الشكل اللغوي، على افتراض وجود تشابه بين هذه اللغات على هذا المستوى خارج سياق الاستخدام اللغوي كما يتضح من الأعمال المبكرة للمختصين في مجال دراسات الترجمة.
ومن حيث الاهتمام بدراسة المعنى، إحدى القضايا المركزية في دراسات الترجمة، تركز معظم دراسات اللسانيات على المعني المفهوميconceptual meaning فقط وعلى الاستخدام اللغوي الذي يخضع لمعايير ومقاييس هذا المعني. وتحاول ملاءمة ومواءمة هذا المعنى بطرق متحفظة جدا مع جوانب التوظيف الحقيقي للمعني في الكلام. فالتقسيمات الثنائية الإجرائية مثل "اللغة" و "الكلام" لدى سوسير، أو "الملكة" competence و "الأداء" performance عند تشومسكي لابد أن تلتقي أو تندمج في كل واحد عند الكلام عن المعنى الحقيقي في اللغة. وقد حاولت اللسانيات مواءمة المعنى اللساني مع المعنى الحقيقي باقتراح إدخال بعض الجوانب البراجماتية على هذا المعنى فيما يسمى بالبراجماتيات اللسانية linguistic pragmatics، والنظر إلي هذا المعنى على أنه طارئ على المعنى المفهومي الأساسي. ولهذا السبب يتهم ميشيل بيشو M. Pêcheux اللسانيات باتجاهاتها المختلفة سواء كانت بنيوية، أو وظيفية، أو تحويلية بإهمال النظرة التاريخية historicism للغة، فاللسانيات حسب زعمه لا تنظر للغة باعتبارها فعلا إنسانيا ناتجا عن تطور الإنسان ووعيه، وإنما كشيء مجرد ومستقل، كظاهـرة طبيعيـة [13]. ويتهـم لـوى يلمسليـف L. Hjelmslev، بدوره اللسانيات بتجـريد اللغة من إنسانيتها dehumanizing of ********. ويشاطر ولفرام ويلز W. Wills بيشو ويلمسليف هذا الرأي، فهو يرى أن اللسانيات الحديثة دفعت ثمناً باهظاً من أجل أن تحظى بمكان في البحث العلمي الحديث فهي تركز على تصور للغة شكلي ومجرد، وتبحث عن التجانس اللغوي linguistic homogeneity على حساب الجوانب الاجتماعية والاتصالية للغة، ويتهمها صراحة بـ "التقشف السيميائي" [14، ص225].
وقد تجلى انعكاس التركيز على الشكل اللغوي في دراسات الترجمة المتأثرة باللسانيات في عاملين أساسين: التقليل من دور المترجم وأثره في الترجمة باعتبار أن الترجمة تتم من شكل لغوي لآخر؛ والثاني في اعتبار المعنى الشعري أو البلاغي المخالف لنواميس ومعايير الاستخدام اللغوي اللساني على أنه غير قابل للترجمة. علماً بأن اللسانيات لم تستطع تطوير آلية للانتقال من لغة لأخـرى أو تعـريف ماهيـة هـذا الانـتقـال أي ماهية الـ teritium comparationis ولم تول هذه القضية ما تستحقه من اهتمام لتمحور اتجاهاتها حول الشكل والتركيب.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-17-2017 - 11:56 AM ]


وربما يجوز لنا القول في نهاية المطاف إن للسانيات، باتجاهاتها المختلفة، دوراً كبيراً في تعميق فهم ماهية النظم والبنى اللغوية مما أسهم بدون أدنى شك في تعميق دراسات الترجمـة بالرغم من أن اللسانيات لم تستقص عملية الترجمة translation process إلا في حدود ما تسمح به العمليات الشكلية المنطقية التي تدخل ضمن إطار مكننة الترجمة في الترجمة الآلية. ولكن الإسهام الأكبر للسانيات في دراسات الترجمة في تقديرنا كان في تقديم أدوات وآليات الوصف اللغوي الدقيق لمجال دراسات الترجمة، حيث إن اللسانيات هي المجال الأكثر تقدما فيما يتعلـق بهـذا الجانـب، بمـا في ذلك اللغـة البحثـية ****-******** اللازمة لهذا الشأن. وفيما يلي سنلقي نظرة على دراسات الترجمة الأخرى والتي غالباً ما تبدأ من حيث انتهت اللسانيات ومن ذلك دراسات الترجمة السيميائية والتفسيرية.
الترجمة والسيمياء والمجتمع
اللغة والتفاعل السيميائي
تبحث السيمياء، كما أسلفنا، في اللغة بمعناها المطلق، و ذلك خلافا للسانيات التي تبحث في اللغة بمعناها العام، وتنظر السيمياء إلى أي نظام علاماتي على أنه شيفرة code تستخدم في نقل معنى ما يكون هو رسالة هذا النظام message ، وترتبط بالرسالة وظيفة هذه الشيفرة. فإضافة لسوسير، الذي نظر للغة على أنها نظام سيميائي ذو طابع رمزي خاص، هناك أيضا تشالرز صاندرز بيرس (1839-1914م) C. S Pierce، منظر السيمياء البراجماتية الأمريكية، الذي فسر معنى أي علامة لغوية بترجمتها لعلامة أكثر وضوحاً في نفس اللغة أو في لغة أخرى، ووصف هذه العلامة بالعلامة "العلامة المفسِرة" (بكسر السين) interpretant ] 15، ص 43[. فالعلامة المفسرة هي معنى العلامة المفسرة (بفتح الراء)، ولعل بيرس يقصد أنه لا يمكن التدليل على معنى علامة ما دون استخدام علامة أخرى، لأن السيمياء هي الوسيلة المتاحة الممكنة للتفاهم بين البشر. ومن وجهة نظر براجماتية كان بيرس يرى المعنى في المحصلة الأخيرة للعملية السيميائية بما ينطبع في عقل مستقبل العلامة نتاج التفاعل السيميائي process of semiosis ]15، ص 44[.
ويبدو تأثير بيرس جليـا على تفسـبيـر رومـان ياكبسـون R. Jacobson (1959م) لماهية الترجمة وتقسيماتها التي تطرقنا لها سابقاً، وقد عرف ياكبسون الترجمة بتفسير علامات بواسطة علامات أخرى وعرف البين- لغوية على أنها "تفسير علامات بواسطة علامات أخرى في لغة أخرى،" وكان أيضا يرى أن معنى الكلمة يكمن في العلامة الأخرى التي تترجم إليها.
أما وليم فراولي W. Frawley ، فكان ينظر إلي الترجمة على أنها إحدى وسائل النقل السيميائي semiotic transfer من شيفرة معتبرة لأخرى. ويبنى فراولي تصنيف أمبيرتو إيكو Umberto Eco لوسائل النقل السميائي لشرح الترجمة. والنقل السيميائي حسب إيكو يشمل: ’النسخ‘ copy ، أي إعادة إنتاج العلامة كما هي؛ ’الكتابة‘ tran******ion إعادة إنتاج معطى ما بتشفيره كتابيا، أي وصفه بشكل من أشكال الكتابة؛ و ‘الترجمة’ إعادة إنتاج معطى ما مشفر كتابياً إلي نوع آخر من الشفرة الكتابة. وإذا كانت الكتابة (كعمل عقلي) تتطلب عقل شيىء ما cognizing من أجل وصفه كتابياً، فالترجمة هي إعادة عقل ذلك الشيء re-cognizing في شكل آخر. أي أن الترجمة في محصلة الأمر هي إعادة تشفير recodification تتطلب إعادة عقل re-cognizing المادة المشفرة [16، ص160].
وقد حاول لادزانوف A. Ladskanov ، تطوير نظرية للترجمة تنطلق من مفهوم سيميائي بحت، ولكنه لم ينظر للترجمة على أنها عملية نقل سيميائي كما هو الحال لدى فراوالي بل نظر لها على أنها عملية "تحول سميـائي" semiotic transformation ، وهذا الأمر بلا شك يختلف في جوهره عن سابقه. فهو يتطلب "استبدال علامات تحمل رسالة ما بعلامات في نظام آخر مع الحفاظ قدر الإمكان على المعلومات المشتركة بين النظامين" ]17، ص 272[. ووصف لادزانوف عناصر التواصل السيميائي الإنساني anthroposemiotic على أنها نسيج من، الشيفرة العامة general code، والشيفرات (العلامات) الغير لفظية non-verbal ، والشيفرات اللفظية، والشيفرات الاصطناعية artificial codes (رياضيات، كمبيوتر ... إلخ) والشيفرات الأسلوبية ، والرسوم المصاحبة، والعامل الصوتي.وكما هو واضح فهذه جميعا عوامل تعنى بالدرجة الأولى بالمعنى اللغوي اللفظي، و هذه النظرة للترجمة وإن اختلفت بعض الشيء عن سابقتيها في النظر للترجمة على أنها‘ إعادة تشفير رسالة ما في شيفرة أخرى للغة أخرى’ مع الحفاظ على المعلومات المشتركة بينهما، إلا أنها تجيب عن السؤال الرئيس للترجمة حول ماهية هذا الشيء المشتركة أو الآلية التي يمكن بواسطتها تحويله من شيفرة لأخرى ، أي العودة مجدداً لقضية الـ teritium comparationis سالفة الذكر.
و لعل النظرة السيميائية للمعنى تختلف بعض الشيء عن النظرة اللسانية في كونها لا تحصر المعنى اللغوي في المعني المفاهيمي المجرد داخل اللغة، وإنما تنطلق من المفاهيم الموسوعية الشاملة للمعنى التي تتضمن إضافة للمعرفة اللسانية linguistic knowledgeالمعارف الأخرى world knowledge . ليس ذلك فحسب، ولكن النظرة السيميائية للمعنى تشمل تفاعل النظام اللغوي المحكي مع المؤثرات المعنوية للنظم العلاماتية الأخرى، سواء كان ذلك خارج النظام اللساني extra-linguistic مثل طبيعة شكل الشيفرة كالكتابة والنصوص المصاحبة للنص اللغوي كالصور والرسوم البيانية فيما يعرف بالـ co-****، أو العوامل اللسانية الموازية para-linguistics ، وهي عوامل المعني الأخرى المستخدمة في سياق حال النص con**** of situation. والسيمياء في معظم الأحوال تري المعنى كالرسالة التي ترسخ في عقل المتلقي أي ’ناتج العملية السيميائية‘ كما قال بيرس ]16، ص 41[.
ولكن التقسيم السيميائي الأبعد أثراً في مجالي دراسات الترجمة واللسانيات على حد سواء هو تحديد العالم السيميائي تشالرز موريس C. Morris ثلاثة أبعاد للعلامة: البعد التركيبي syntactic ،علاقة العلامة بالعلامات الأخرى في الشكل السيميائي؛ البعد الدلالي semantic،علاقة العلامة بما تدل عليه سواء في الواقع أو في ذهن المتكلم؛ البعد البراجماتي pragmatic،علاقة المتواصلين عن طريق العلامة . فالعلامة يمكن أن تدل على شيء وهذا الشيء ربما يرمز لمعنى آخر في ثقافة أخرى و ربما يوحي بشيء مختلف تماماً للمتواصلين في عملية سيميائية مختلفة. ولذلك فالسيمياء تري المعنى ليس فقط في دلالة العلامة أو الوظيفة المحددة لها في إطار اجتماعي معين وإنما أيضا في المحصلة النهائية للتواصل. وقد تمت محاولة تطوير منهج للترجمة من هذا المنظور . منهج ينحى منحى وظيفيا بحتا فيما يتعلق بقضية المعنى. وتنطلق الدراسات السيميائية للغة اللفظية verbal ******** من دراسة اللغة بمفهومها الخاص، أي اللغة من حيث علاقتها بمحيطها ومتكلميها وبالوظائف الاتصالية التي تؤديها في المجتمع. وليس اللغة بمعناها العام أو الملكة اللغوية التي تهتم بها اللسانيات.
وبما أن اللغة تعدّ نظام علاماتي رمزي فقد حاول الكثير من المهتمين بالدراسات اللسانية، وفلسفة اللسانيات، إدخال مفهوم أعم للمعنى اللغوي يأخذ بعين الاعتبار الجوانب الغير دلالية non-semantic للمعنى اللغوي. وتجلي ذلك في أربعة اتجاهات رئيسة كان لها جميعاً تأثير بالغ في نظريات الترجمة: البراجماتيكية اللسانية؛ اللسانيات النصية **** linguistics؛ والنظرية القصدية للمعنى intentional theory of meaning ؛ نظرية الاتصال communication theory.
وتعرف البراجماتكية اللسانية على أنها الفرق بين ما تعنيه اللغة what ******** means ومـا يعنـيـه المتـكـلـم باستخـدام اللـغـة hat is meant by ******** [18]. و تحاول معالجة النواقص في النظرة اللسانية للمعني وتقريب الفجوة بين المعنى في النظام الدلالي langue والمعنى الحقيقي parole. لذا لابد من معالجة التحولات التي تطرأ على المعنى الدلالي في الاستخدام الفعلي ، مثل: تحديد مراجع ظروف الإشارة deixis في السياق اللغوي أو سياق الحال، سواء للأسماء أو للضمائر، وتحديد المرجع المعنوي في السياق reference للأسماء، ما يفترضه النص مسبقا presupposition ، والتعبير باللغة عن الأحداث (الأفعال اللغوية speech acts)، مثل القسم والأمر والتهديد التي لا يمكن احتواؤها في المعنى الدلالي.
وقد حاولت بعض الدراسات المزاوجة بين هذه الأوجه المختلفة للمعنى والتوفيق بينها (براون ويول Brown and Yule [19]، و ليفنسون Levinson [20]). ولا تكاد تخلو دراسة من دراسات الترجمة من ذكر للعوامل البراجماتيكية اللسانية المؤثرة على المعنى، لاسيما روجر بيل R. Bell [12]، وجوزيف مالون J. Malone [22]، وحاتم وميسون [23]، وغيرهم كثير، إلا أنه لا يوجدُ دراسات منهجية متكاملة في هذا المجالُ. وتشكل اللسانيات النصية التي هي الجانب ’النظمي‘ من نظرية فيرث للغة (الجانب الآخر هو الجانب البنيوي) أحد أكثر المجالات حيوية في دراسة الترجمة لأنها تعنى بتحليل نصوص حقيقية وتحاول إبراز العوامل المؤثرة فيها.
الترجمة والسيمياء الاجتماعية
تعود هذه التسمية لميكاليل هاليدي الذي أطلق على جانب من دراسات اللسانيات النصية أسم ’السيمياء اجتماعية‘ ******** as social semiotics لأن هذه الدراسات تحاول المزاوجة بين الوظيفة الاجتماعية للغة والبنية النصية لها. وربما تعتبر اللسانيات النصيـة أكثر مجالات دراسة اللغة التصاقـا بالوظيفـة [24] . إذ أنها تعنى إلى حد كبير بتباين طرق النظم اللغوية وعلاقة هذا التباين بالوظائف اللغوية المتعددة التي تؤديها اللغة في المجتمع، ولذلك فهي تنظر لطرق النظم هذه من حيث قيمتها الرمزية وهنا تكون هذه الدراسات أقرب للنهج السيميائي منها للنهج اللساني الشكلي العام. و هذه النظرة العامة للغة، تجد جذورها في علم الإناسة الوظيفي لدي مالونسكي. كما نوهنا سابقا، وكما سنبين فيما يلي بصورة أكثر تفصيلاً.
فقد اعترض مالونسكي ومجموعة من علماء الإناسة الوظيفيين وهم عادة ينتمون لمدرسة الإناسة الاجتماعيية social anthropology السائدة في أوروبا في ذلك الوقت التي تختلف عن الإناسة الثقافية السائدة في أمريكا، في كونها ترى أن ثقافات العالم مختلفة ولكل منها خصوصيتها التاريخية والوظيفية، ويعترضون على أسلوب المقارنة بين هذه الثقافات. ويعترضون كذلك على نهج الترجمة المتبع في الدراسات الإناسية السابقة التي تفترض التكافؤ الشكلي بين لغات الباحثين الإناسيين ولغات الأقوام تحت الدراسة. بحيث لايأخذ هذا النوع من البحث بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية لهذه اللغات فقط وإنما أيضا يتجاهل أن النصوص والتعابير يمكن أن توظف بشكل مختلف في الثقافات المختلفة. وأن اللغة يمكن أن تمارس بشكل ليس له علاقة مباشرة بالمعنى اللغوي مطلقاً مثل استخدام اللغة في الطقوس والعبادات وما إلى ذلك. وعليه لا يمكن فصل اللغة عن هذه السياقات وترجمتها مباشرة في اللغات الأخرى وخاصة اللغات الأوروبية للباحثين، مما سبب في معظم الأحيان سوء فهم معاني اللغة في الثقافات الأخرى وإطلاق أحكام متعسفة عليها.
فقد ركز مالونسكي، على سبيل المثال، على الوظيفة الاجتماعية للغة، وحدد لها وظيفتين أساسيتين: الوظيفة التداولية، والوظيفة الطقوسية. وقسم الوظيفية التواصلية إلى قسمين: الوظيفة العملية active والوظيفة السرديةnarrative . أما الوظيفة الطقوسيةitual ، فهي تلك التي تستخدم في الطقوس والاحتفالات الدينية، وهي جزء من الوظيفة الطقوسية التي لاعلاقة لها بوظيفة اللغة التداولية أو المعنى التداولي.
و مالونسكي أيضا استخدم في بداية القرن السابق مفهوم التكافؤ بين اللغات، واقترح مفهومين للتكافؤ هما التكافؤ المتوازي interlinear والتكافؤ الجاري running . يجب التأكيد هنا على أن مالونسكي كان يعتقد دائما أن المعنى الأساسي للكلمة هو معناها داخل السياق الوظيفي، والتوازي في التكافؤ مصدره التوازي في الوظيفة اللغوية.
وقد حاول جون روبرت فيرث، تلميذ مالونسكي، تطوير نموذج لساني يأخذ بعين الاعتبار الوظيفة الاجتماعية للغة بالإضافة للبنبة اللغوية. و يعتمد نموذج فيرث على التفريق فيها بين البنية اللغوية structure والنظام اللغوي system كونهما مستويين مختلفين ومتوازيين للبحث في النظام اللغوي. فالبنية اللغوية تعنى بالتركيب اللغوي فقط، أي بالعلاقات التركيبية بين عناصر اللغة syntagmatic relations ؛ أما النظام اللغوي فيقوم على أساس العلاقات التبادلية بين هذه العناصرparadigmatic، [25،ص 197]. والأخيرة مرتبطة ارتباطا كليا بالخيارات التي يقوم بها متكلمو اللغة وفقا للعلاقات الغير لغوية المتاحة لهم في سياق الحال، وبناءً على الأدوار الاجتماعية التي يقومون بها. ولذلك فالنظام اللغوي يقدم المادة الأولية للبنية اللغوية التي تنظمها في نصوص لغوية متكاملة.
وبما أن فيرث كان يرى أن الأفراد محكومون بأدوار اجتماعية معينة يؤدونها، فلتلك الأدوار نصوص لغوية خاصة منتظمة تتكرر بتكرر "الأحداث التواصلية" speech events التي تتطلبها هذه الأدوار. ونظر فيرث إلى الحياة على أنها مجموعة من الأحداث والأدوار المحددة التي يقابلها مجموعة من النصوص المحددة الأنماط أيضاً، وكل فرد في المجموعة يجب علية إجادة أنماط النصوص المناسبة للأدوار التي يلعبها.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-17-2017 - 11:57 AM ]


والآراء السابقة تشكل نقطة الارتباط بين اللغة والتركيبة الاجتماعية من جهة، واللغة والوظيفة الاجتماعية من ناحية أخرى. فنحن في كثير من الأحيان نقابل الناس ونتوقع ما سيقولون. وفيرث، علىعكس سوسير و تشومسكي، يعتقد أن النظرية اللغوية يجب أن تنطلق من الوظيفة اللغوية التي تعادل بالنسبة له "المعنى." وقد حاول التأسيس لنظرية في الدلالة تقوم على مبدأ أن العلاقة بين المعني اللغوي و "الحدث التواصلي" speech event علاقة منتظمة يتمحور حولها المعنى السياقي، و هنا يبدو تأثر فيرث بأستاذه مالونسكي[26 ، ص ص 3-20].
و بما أن الوظيفة اللغوية ترتبط بالحدث التواصلي فإن النص في مجمله أصبح وحدة دراسة المعنى، وبفصل العلاقات التركيبية عن النظمية، أصبح بمقدور فيرث أن يدرس المعنى على المستوى النظمي بوحدات معنوية أكبر لا تتسنى دراستها ضمن نموذج سوسير أو تشومسكي مثل المعنى النغمي intonation أو معاني المتلازمات اللفظية col********s التي كان يعتقد أنها سمة من سمات تكرار النصوص في الأحداث التواصلية. وبالرغم من أن فيرث قدم لنظرية لسانية تعطي المعنى اللغوي على مستوى العلاقات التبادلية ما يستحقه من اهتمام، إلا أن نظريته فيما يتعلق بالبنية اللغوية كانت غامضة إلى حد كبير بسبب تعدد مستويات البنية لديه، وعدم وضوح الوحدات الأولية التي ينطلق منها.
وقد شهدت أفكار فيـرث توسع وتطويـرا كبيـرا على يد ميكاليـل هاليــدي M. Halliday، ورقيه حسن R. Hassan اللذين ساهما كثيراً في إرساء دعائم ما سمي فيما بعد "اللسانيات النُظمية" systemic linguistics التي تهتم بالجوانب الوظيفية للغة وترى أن النظام اللغوي مكون من مجموعة من نظم متعددة polysystemic يمكن دراستها على مستويات مختلفة من التركيب اللغوي أتاح لها نوعا من المرونة في التعامل مع الوحدات اللغوية مما مكنها من التعامل مع ما هو أعلى من الجملة، أي النص كوحدة عليا لدراسة المعنى. وقد حاول الكثير من الباحثين في اللسانيات النصية دراسة طبيعة النصوص والمعايير التي تحددها ( ومنها الترابط اللغوي cohesion، والترابط المنطقي coherence، والإفادة المعنوية informativity ، والتناص inter****uality ، ... إلخ).
وقد صاغ هاليدي وحسن نظرية السياق التواصلي لفيرث صياغة حديثة ونظرا له على أنه مكون من:
1. مجال الخطاب field of discourse ويحدده المجال الوظيفي والاجتماعي الذي يستخدم فيه الكلام، وطبيعة الوظيفة الاجتماعية التي يؤديها النص. فمجال التواصل الشعري أو الخطابي غير مجال التواصل القضائي أو التعليق الإخباري. واللغة والنصوص المستخدمة تختلف من مجال للأخر.
2. طريقة الخطابtenor of discourse وهي تتعلق بالمتكلمين: مكانتهم الاجتماعية، ونوع العلاقات بينهم، والدور الذي يلعبونه في سير الحث التواصلي، وما هو متوقع منهم وما يقومون به فعلاً. إن نوعية العلاقة بين المشاركين تحتم نوعاً خاصاً من اللغة وطريقة التخاطب تحكمها أطر اجتماعية وحضارية خاصة بكل لغة.
3. شكل الخطاب mode of discourse ما هي نوعية الأداة المستخدمة في التواصل؟ هل هي مكتوبة أم مقروءة؟ هل هناك وسائل اتصال أخرى مصاحبة من صور وغيره؟ وكذلك نوعية النصوص المستخدمة وتنظيم هذه النصوص والدور الذي تلعبه.
ويتضح هنا لماذا أطلق هاليدي على نظريته اسم السيمياء الاجتماعية، فهي نظرية تحاول تحديد طبيعة أنماط اللغة (شيفرة) التي تدخل في أنماط التواصل، وهي أيضاً تنظر للغة من حيث تأثرها بعوامل مختلفة ليست بالضرورة لسانية، وتأخذ بعين الاعتبار ناتج العملية الاتصالية.
وربما تكون أكثر التجارب المباشرة في استثمار آراء فيرث و هاليدي في الترجمة هي محاولة جي سي كاتفورد J. C. Catford بناء نظرية في الترجمة انطلاقاً من نظرية فيرث، في البنية اللغوية [27]. وحاول التنظير لنوع من التكافؤ للترجمة على مستوى النظام اللغوي أو على الأقل على مستوى وحدات ذلك النظام اللغوي (الصوتيمات، الكلمات، الجمل) ومن ثم الانتقال لوحدات أكبر (العبارات، والجمل). واعتمدت نظرية كاتفورد للترجمة نفس مستويات التحليل التي قال بها فيرث (النص، الجملة، العبارة، المتلازم اللفظي، الكلمة، الصوت، النبرة). إلا أن هذه المحاولة كانت بالغة التعقيد وصعبة التطبيق. إذ لا يمكن، على سبيل المثال، تصور تكافؤ في الترجمة بين لغتين على المستوى الصوتي أو الصوتيمي، أو النبري لاختلاف نظام اللغات جذرياً في هذه الناحية لحد لايقبل التكافؤ أو المقارنة.
وربما يكون ذلك من أهم العوامل التي أدت إلى غموض نظرية كاتفورد في الترجمة وكذلك تناقض النظرية في بعض نواحيها. إن هذه المحاولة انطلقت من نظرة فيرث للبنية اللغوية وليس للنظام اللغوي، وربما تكون هذه المحاولة قد طورت للترجمة بالدرجة الأولى.
وقد أفادت نظرية الترجمة، على عكس ذلك، إفادة كبيرة من أعمال فيرث و هاليدي ورقية حسن وغيرهم حول ماهية المعنى اللغوي، وتحليل المستوى النظمي للغة. لاسيما أن هاليدي اعتبر المعنى جزءا من السيمياء الاجتماعية منطلقاُ من نظرة فيرث للنظام اللغوي وليس التركيب، كما سنرى لاحقا.
اللغة والسيمياء الذاتية
وإذا كانت اللسانيات النظمية ركزت على تحديد الوظيفة اللغوية من حيث الدور الذي تلعبه اللغة في المجتمع. فإن هناك من علماء اللغويات النفسية بوجه خاص من حاول تحديد وظيفة اللغة من منطلق ذاتي نفسي، أي من وجهة نظر الفرد مستخدم اللغة. إذ إن هناك نظرة للغة من منظور عقلي بحت. وترى هذه النظرة أن اللغة ليست وسيلة تفاهم اجتماعية موضوعية فقط، وإنما هي بالدرجة الأولى وسيلة لتفاهم الفرد مع المجتمع، والمجتمع غالبا يكون على شكل أفراد. ثم إن اللغة تسعى لتلبية حاجات الإنسان وتتأثر بغرائزه. ووجهة النظر هذه لا تتناقض مع سابقتها إلا أنها ترى أن التركيز يجب أن يبدأ من الفرد لأنه هو إما المنتج المباشر لهذا النص أو المتلقي له.
وقد كان عالم النفس كارل بيولر Karl Bühler قد حدد الوظيفة اللغوية من حيث علاقة اللغة بالفرد تحديداً دقيقا وصنفها إلى ثلاث وظائف رئيسة هي: التمثيل (darstellung <representation>) ؛ والتعبير (ausdruck <expression>)؛ والطلب (appell <appelative>). وكل من هذه الوظائف تحدد إلي حد كبير طبيعة اللغة المستخدمة code بما في ذلك طبيعة النصوص اللغوية المكتوبة[28، ص 341].
وقد تطور من خلال هذه الدراسات حقل فرعي جديد من حقول الدراسات اللغوية وهو علم "أنمـاط النصـوص" **** Typology ، وهو علم يبحث في تصنيف النصوص حسب أنماطها اللغوية (نصوص سردية narrative، وجدلية argumentative، وتمثليية representational). وقد تم استثمار هذه المفاهيم بشكل موسع في مدارس الترجمة في كل من لايبزج في ألمانيا، وساربروكين في تشيكوسلوفاكيا السابقة، كما أن كلية اللغات والترجمة بجامعة الملك سعود تقوم بتدريس هذا العلم كمقرر مستقل في جميع اقسام اللغات بها. حيث حدد البيرت نوبيرت أن الوظيفة البراجماتيكية للنص هي التي تحدد طبيعة ترجمته، وتشكل عنصر المقارنة بين النص المترجم والأصل. وهده النظرة متأثرة إلى حد كبير بمدرسة الجشتالت النفسيةGestalt ، حيث خمن نوبيرت أن وحدة الترجمة هي النص كاملاً وموضوع الترجمة هو القضية النصية ****ual proposition، فعندما يتم تحديدها يسهل بعد ذلك تحديد الوظائف اللغوية لوحدات النص الأصغر حجماً. وقد طورت كاترين رايس K. Reiss و هانز فيرمير Hans Vermeer هذا التصور إلى نظرية كاملة في الترجمة عرفت فيما بعد بنظرية skopos النظرية الغائية للترجمة، حيث كانت وجهة نظرهما أن الترجمة يجب أن تحكمها الغاية الأساسية من النص الأصلي. و بما أن النص الأصلي يجب أن يكون متناسقاً ومنسجما حتى يكون نصاً، فعلى الترجمة أن يحذو حذو هذا التناسق وتحافظ عليه. أو أنه يجب أن يكون هناك تناصّ inter****ual coherence بين النص والأصل على مستوي اللحمة والانسجام النصي [ 29، ص ص 71 – 96].
ومن جهة، كانت هناك محاولات مشابهة لتحديد الوظيفة اللغوية ليس من حيث وظيفة النص ولكن عن طريق تصنيف اللغة من حيث الأنماط التعبيرية المناطة بها register والسمات العامة لهذه الأنماط macro-structure ، أو من حيث الآليات اللغوية التي تدخل في تكوين كل نص micro-structure كما يتضح من دراسات مثل فان دايك van Dijk [30]، وقريقوري وكارول Gregory and Carroll [31] .
وقد لاقت هذه الدراسات اللسانية التي تدرج عادة تحت مسمى عام هو "علوم تحليل الخطاب" discourse analysis ، استحسانا كبيرا من قبل المشتغلين في دراسات الترجمة، لأن الكثير من المهتمين بدراسة الترجمة وجدوا في تحديد طبيعة النصوص طريقة لتحديد المجالات اللغوية المطلوب ترجمتها بصورة أدق. وتجلى ذلك في دراسات رائدة لمارلين روز M. Rose [32]، وألبيرت نويبرت A. Neubert [33]، جوليان هاوس J. House [34]، على سبيل المثال لا الحصر.
وعمقت الأبحاث المكثفة حول طبيعة إنتاج وإدراك النصوص المعرفة بالعمليات العقلية التي تتدخل في ترجمة هذه النصوص أيضا. وأدى ذلك للمرة الأولى إلى النظر والتبصر في الترجمة ليس فقط كنتاج وإنما كفعل ذي خطوات معينة. فبـدأت بعض الدراسات تبدي اهتماما بعملية الترجمة ذاتهـا translation process. والمراحل والاستراتيجيات التي تدخل في هذه العملية كما فعل روبيرت دوبوجراندR. De Beaugrande [35]، وولفقانق لورشير W.Lörscher [36]. وهذا من ناحية عمق الإدراك بصعوبة وتعقيد عملية الترجمة. كما أدى من ناحية أخرى لظهور طرق جديدة في النظر للترجمة.
ويمكن القول إن النموذج السيميائي الاجتماعي والذاتي لدراسة الترجمة يكمل أحدهما الآخر، فالنصوص في كثير من الدراسات تصنف حسب وظيفتها الاجتماعية والذاتية في نفس الوقت لأن ذلك في المحصلة النهائية يقود إلى تحديد أدق لوظيفة النص المترجم وبالتالي تحديد المعنى المتوخى منه. وربما يمكن القول إن هذا النموذج يعدّ أكثر وعيا بمشاكل الترجمة من النموذج اللساني الشكلي. ويتطرق لجوانب للمعنى اللغوي تعدّ خارج نطاق الدلالة اللسانية الشكلية.
كما أن النموذج اللساني النصي يتيح المجال لدراسة وحدات في المعنى أكبر من الجملة، كالفقرة والنص. وينظر للمكافِآت في الترجمة ليس فقط على مستوي الجملة intra-sentential وإنما على مستوى أعلى من الجملة مستوى extra-sentential. واستدعى هذا النظر إلى الوحدات والتركيب اللسانية كجزء من تكوين أكبر هو النص الذي بدوره يحدد ويقنن ما تدل عليه تلك الوحدات والتراكيب.
وبالرغم من المنحى الوظيفي العام لهذا التوجه، إلا أنه استمر في النظر للترجمة على أنها مسألة البحث عن مكافآت لغوية في اللغات الأخرى وافترض وجودها ربما ليس على مستوى الشكل ولكن على مستوى النص، أو الوظيفة، أو الرسالة، أو ما أسمـاه نويبرت المكــافآت الاتصـاليـة communicative *****alence . وافترض هذا المنهج إمكان نقل تلك الوظيفة أو الرسالة إلى لغة أخرى بكل ما يعنيه ذلك من افتراض ضمني لتشابه بين اللغات من حيث أنماط النصوص والآليات اللغوية التي تدخل في إنتاجها. إذ غالباً ما يطغى البحث عن التكافؤ والتشابه على ملاحظة الاختلاف والتفرد.
وافتراض وجود مكافِآت بين اللغات على مستوى الجملة أو النص أو الوظيفة دفع اللسانيات الوظيفية والدراسات السيميائية على حد سواء إلى نفس الإشكال الذي وقعت فيه دراسات الترجمة اللسانية وهو التقليل من الدور الحقيقي للمترجم، و عدم إعطائه أهمية مركزية في عملية الترجمة، إذ أصبح دوره يقتصر على البحث عن المكافِآت في اللغة المقابلة سواء للوظيفة أو النص.
إلا أنها تختلف عن اللسانيات الشكلية وخاصة التوليدية في أنها لا تنطلق من افتراضات كونية حول اللغة الفطرية للإنسان، وهي تنظر لوظيفة اللغة بمعناها الخاص وعلى المستوى الاجتماعي. و لذلك تعطي أولوية للمعنى الاجتماعي والوظيفة اللغوية على حساب المعنى الشكلي. ولكنها بالمقابل تأخذ إمكانية ترجمة الوظيفة أو الرسالة على أنها أمر ممكن وتحصيل حاصل، فالتجربة الإنسانية حسب وجهة النظر هذه، إذا أمكن التعبير عنها بشيفرات مختلفة (فن، رسم، لفظ) يمكن التعبير عنها أيضاً في لغات لفظية مختلفة.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-17-2017 - 11:59 AM ]


الترجمة والاختلاف
تنطلق كثير من دراسات الترجمة، خاصة الأدبية، من مفهوم ضرورة الاختلاف في الترجمة بين النص المترجم و الأصل. ومن تفسير للجزء الأول من كلمة ترجمة translation يعني تحويل شيء إلى شيء آخر مقاربة للكلمة الإنجليزية transform وليس transfer . وتفهم الترجمة في هذه الاتجاهات على أنها تحول في النص إلى نص آخر جديد وليست نقل نص من لغة لأخرى ، أو وجود عامل ثابت مشترك بين النص والأصل. وهي وجهة نظر ترى أن الترجمة التي تطابق الأصل تحاول طمس حقيقة أن العمل تم بواسطة مترجم وتتناقض مع نفسها من حيث أنها تنفي كونها ترجمة. وأن الترجمة التي تطابق الشكل لا يمكن أن تكون ترجمة بل هي أصل في ذاتها. ولا يمكن لترجمة أن تشبه الأصل إلا من خلال تعسف النص في اللغة المترجم إليها والتسلط على اللغة المكتوب بها. فالترجمة أصلها في اختلافها عن الأصل، أي أنها كما يقول المثل الإيطالي(tradutore traditore) خيانة بالضرورة.
وترفض وجهات النظر التي تنحى هذا المنحى مبدأ وجود "التراتب" hierarchy في البنية اللغوية، أو اعتماد بعض التراكيب اللغوية في معناها على البعض الأخر، لأن مجمل ما يعنيه الكل اللغوي يختلف دائماُ عن الأجزاء. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن افتراض وجود مركز تشيد حوله البنية اللغوية (كما تدعي النظريات البنيوية) هو في حد ذاته افتراض اعتباطي، إذا أردنا استعارة مصطلح سوسير، ولذلك فالنظام الشكلي اللساني هو تجريد من اجتهاد اللسانيين و افتراض من خيالهم لا غير.
وينطلق هذا الاتجاه من نظرة واسعة للمعنى ترفض وجود معنى أساسي essential في اللغة ومعنى غير أساسي contingent أو أن للكلمات دلالة مفهومية ثابتة conceptual meaning يكون خارج النص أو السياق. وهي لا تعترف بالخطوط الفاصلة التي تقيمها اللسانيات بين وحدات المعنى، مثل الفصل بين الدلالة اللغوية والدلالة البراقماتيكية، اللغة و الكلام، والشكل والمحتوى، والتركيب، والدلالة، وغيرها من مفاهيم التضاد الثنائي التي تفترضها اللسانيات. وترى أن الاختلافات في الكلام والأساليب اللغوية هي اختلافات جوهرية في المعنى. وترى أن المعنى لا يرتبط فقط بسياق الحال بل هو جزء لا يتجزأ من هذا السياق، فالمعنى خارج السياق هو افتراض لساني غير مبرر.
ولهذا الاتجاه، بطبيعة الحال، موقف مغاير من علاقة الترجمة بالأصل. فعلاقة النص المترجم بالأصل ليست علاقة "مفرد بمفرد" بل علاقة "مفرد بمتعدد" فالنص الأصلي يحتمل أوجه فهم ومعاني متعددة وبالتالي ترجمات متعددة. ولو ترجم أشخاص مختلفون نصاً ما فسوف يكون هناك ترجمات مختلفة ربما لا علاقة لإحداها بالأخرى. فلكل مترجم أسلوبه الخاص وفهمه الخاص أي لُغَيّة idiolect خاصة به تحدد ترجمته.
وهناك أيضا مشكلة أخرى يعرض لها أصحاب هذا الاتجاه، و هي علاقة الأصل بالترجمة من حيث الشكل فهي أيضاً متنوعة، وهي حسب رؤية جورج شتاينرG. Steiner ، ليست واحدة ويمكن أن تأخذ أوجها متعددة ويمكن أن تكون علاقات تقليد، تشابهه موضوعي، أو حتى محاكاة، وهي أوسع من أن يشملها تعريف نظري [37].
وينطوي تحت هذا الاتجاه وجهات النظر المختلفة التي ترى نسبية الحقائق الأنطولوجية للغة التي ترى أن العالم لا يرى إلا من خلال اللغة، و أن اللغة في هذه الحالة هي التي تشكل العالم وتفسره. ولذلك فالترجمة هي تفسير لرؤية العالم من وجهة نظر لغة أخرى، فبينما ترى اللسانيات أن وحدة الترجمة هي الوحدات اللسانية من كلمات وجمل، وفي حين ترى اللسانيات النصية أن النص هو وحدة الترجمة، فإن الاتجاهات النسبية في الترجمة، تنطلق من نظرة كلية للترجمة في علاقتها باللغة والثقافة، وهنا تكون وحدة الترجمة هي الثقافة ذاتها، الثقافة التي يشكل في داخلها النص جزءاً من رؤية عامة للعالم.
وإذا كانت اللغات تشكل رؤى متباينة للعالم، فإنه، من وجهة نظر نسبية أيضاً، تشكل اللهجات، أنماط النصوص والأساليب رؤى مختلفة للعالم من داخل اللغة الواحدة، فالاختلاف بين أنماط النصوص ليس لغوياً فحسب ولكنه معنوي وإيديولوجي أيضا. واللغة ساحة تتصارع فيها الخطابات المتعددة. ولذلك فالترجمة يمكن أن تتم داخل اللغة ذاتها، وليس بين اللغات فقط. بل إن البعض مثل أوكتافيو باثctavio Paz يرى أن الأم عندما تفسر لطفلها كلمة ما فإنما هي تترجم تلك الكلمة إلى كلمة أبسط، وهو لا يرى فرقاً بين الترجمة داخل اللغة و خارجها [38، ص151]. ولذلك فالفرق بين الترجمة الضمن-لغوية والترجمة البين- لغوية هو فرق مسافة لا فرق كيف، وهذا يؤكده أيضاً شتاينر الذي يرى أن الترجمة نوع من التواصل لا يختلف داخل اللغة أو بين اللغات. لأن المترجم في كلتا الحالتين يعيد تفسير النص الأصلي للقارئ، وهو ليس محايداً هنا بل وسيط.
وهذا المفهوم الواسع للترجمة لا يلتزم ولا يرى ضرورة للحفاظ على الشكل اللغوي عند القيام بعملية الترجمة، ويشمل جميع وجهات النظر غير اللسانية وغير السيميائية للترجمة. وهذا الاتجاه لا يرى جدوى في البحث عن المكافآت بين اللغات ويبرر ذلك باختلاف اللغات اختلافاً جذريا لا يبرر وجود هذه المكافآت.وإذا وجدت مثل هذه المكافِآت فهي نتيجة للترجمات المتكررة، أو كما يراهـا هارتمـان R. Hartman هي "ترجـمـات متـحـجـرة" fossilized translations. ويضم هذا المنحى الكثير من الاتجاهات ومن أبرزها: "التفسيرية" interpretive ؛ التأويلية hermeneutic ؛ والتفكيكية deconstructive. وبعض اتجاهات الترجمة الأدبية.
كما أن النظريات التي يستقي منها هذا المنحى رؤاه هي في الأعم الأغلب نظريات ترفض مفاهيم النظم اللغوية التي تميل لها الدراسات اللسانية والسيميائية، لأن التفاهم باللغة ينطوي دائماً على مواقف جديدة مبدعة تتجاوز دائماً أطر النظم اللغوية. ولذلك فهي أيضاً ترفض التنظير لطبيعة العمليات اللغوية لأن العمليات اللغوية هي أحداث وليدة ظروفها ولا تعيد نفسها أو تكرر ذاتها بشكل يسمح بتأطيرها ضمن بنى لغوية مغلقة. وهي على عكس النظريات اللسانية التي ترى في اختلاف الأساليب اختلافاً سطحيا مظهريا، تهتم بالاختلافات الأسلوبية مهما كانت دقيقة، وترى أن المعنى اللغوي مفتوح على تنوع أسلوبي لا متناهي يشكل جزءا جوهريا من المعنى.
واختلاف الأساليب هو الوجه الآخر لاختلاف القراءات، فالنص، أي نص يشكل عالما مفتوحا لقراءات متعددة تفتح الأبواب لترجمات متعددة للنص. ذلك لأن القراءة الواحدة تفترض، بشكل غير مباشر، معنى واحدا موحدا لو افترضنا أن للنص مدلولا عاما واحدا. فالقراءة والفهم يفهمان على أنهما تفاعل نشط مع النص لا عملية تلقي سلبية.
النظرة التفسيرية للترجمة
ترتكز النظرة التفسيرية interpretive على دور المترجم كوسيط يشكل الحلقة الأهم في عملية الترجمة. وعلى عكس اللسانيات التي تحاول التقليل من دور المترجم أو إخفاءه تماما في أسوأ الأحوال، فالمترجم من وجهة النظر التفسيرية للترجمة هو محور عملية الترجمة كلها.
ويجسد ستيفن روس S. Rossوجهة نظر هذا الاتجاه على أكمل وجه، فهو يرى أن المترجم، في المرحلة الأولى للترجمة، يكوّن وجهة نظر judgment حول النص الأصلي، وجهة نظر ذاتية خاصة بالمترجم فيما يمكن أن يعنيه النص الأصلي . ثم يعيد تفصيل وجهة النظر هذه في شكل لغوي آخر يتبع للغة أخرى ويخضع فيها لمعايير وضوابط تلك اللغة، والظروف المحيطة بإنتاج النص الجديد [39، ص 20].
ولذلك فستيفن روس ليتسأل صراحة: "بأي طريقة وأي شكل يجب أن تشبه الترجمة الأصل؟ إذا ما كان يتوجب أن تشبهه؟ والجواب الطبيعي، إذا ما كان هناك ثمة جواب، هو أن الترجمة يجب أن يكون لها نفس معنى الأصل. ولكـن ولسوء الحظ فإنه ليس "للمعنى" ولا "الشبه" مفهوم واضح فالشخص الذي يتكلم لغتين لا يستطيع أن يحقق مطلبين متكافئين في كلتا اللغتين دون أن يكون أحدهما ترجمة للآخر."
وعندما يرى روس أن الترجمة يمكن أن تختلف في المعنى عن النص الأصلي فهو يقصد بالمعنى المعنى اللساني semantic . فاستراتيجيات اللغات في التعامل مع الوظائف اللغوية مختلفة، وإذا كان الشكل المعنوي للأصل لا يؤدي نفس الوظيفة اللغوية، أو لا يثير نفس الاستجابة في اللغة الهدف فيجب التضحية بالمعنى اللغوي. والترجمة يمكن أن تفي بالغرض في اللغة الهدف دون التزام هذا المعنى.
فقراءة النص المترجم لا تكون فقط قراءة من النص وإنما هي قراءة في النص أيضا يحمل فيه القارئ/المترجم النص الأصلي تحيزاته الفكرية، ورؤاه الخاصة، وافتراضاته المسبقة ليس فقط للنص وإنما لثقافة النص الأصلي.
والمترجم يحدد بشكل ذاتي علاقة النص المترجم بالنصوص الأخرى في ثقافة اللغة المترجم منها، ويفترض مثل ذلك في علاقة النص في اللغة المترجم إليها. وهو الذي يحدد المقابلات اللغوية ودرجة التكافؤ اللغوي بين الأصل والترجمة. والترجمة بهذا المفهوم تتمحور حول المترجم الذي ُيفعِلُ علاقة الأصل بالترجمة ويضفي عليها نوعاً من الحيوية والإبداع.
ويدخل ضمن هذا النطاق نظريات ما بعد الحداثة post-modern، وما بعد الاستعمار post-colonial ، التي ترى أن الترجمة والمترجم على حد سواء يخضع بوعي أو غير وعي لقيود ثقافية و إيديولوجية تفرضها العلاقات السياسية والاجتماعية التي تسم عصراً ما ويرتبط به المترجم من خلال المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية التي يفرضها واقع مجتمع ما. فالمترجم يعكس هذه الاتجاهات الإيدلوجية في ترجمته.
ونظريات ما بعد الحداثة تضع الترجمة في سياق تاريخي سياسي، و ترى أن العلاقات السياسية والعرقية تطبع الترجمة بطابع غير متكافئ وتجعل الدول الأضعف (المُستَعْمَرة) تترجم بشكل مكثف من الدول الأقوى (المُسْتَعْمِرة) وبشكل تطغى فيه لغة القوي على الضعيف. فلغة المُسْتَعْمِر سابقاً تحظى باحترام ومكانة مبالغ فيها على حساب لغة المُستَعْمَر، الذي تتعسف الترجمة لغته، وتكون الترجمة منها أشبه بالسياحة اللغوية في اللغة المترجم منها، تستبيح كل شيء في ثقافتها ولا تقيم اعتباراً لخصوصيتها.
هذا إضافة لمحاولة تسليط الضوء على تأثر الترجمة بالعلاقات الاجتماع-سياسية داخل الثقافة الواحدة مثل الطبقة أو الجنس، فهناك مثلا من يرى أن الجنوسة feminism يمكن أن تؤثر على الجنس والخطاب اللغوي وبالتالي على الترجمة من/إلى الكتابات الأنثوية [40].
النظرة التأويلية للترجمة
تستقي النظرة التأويليةhermeneutic للترجمة جذورها من محاولات تقنين التفاسير المختلفة للكتب السماوية وخاصة الأناجيل. ومن المعروف أن تاريخ الترجمة في الغرب مرتبط ارتباطا كبيرا بتاريخ ترجمة الكتاب المقدس بما في ذلك بعض الاتجاهات اللسانية. والإنجيل هو أكثر الكتب ترجمة، فقد ترجم من الآرامية لليونانية ومنها للاتينية ثم اللغات الأوروبية الأخرى، وترجمة الإنجيل هي أكثر الترجمات إثارة للجدل في تاريخ الترجمة خاصة في مراحل النهضة والتنوير في أوروبا، ويعود ذلك لارتباط الإنجيل بالسيطرة الكنسية على الفكر والسياسة في أوروبا العصور الوسطى.
ثم تطور هذا الاتجاه وعُمِمَ ليشمل الكتب وخاصة الهامة ذات القيمة الأدبية. وقد شهد تطوراً كبيراً خاصة في الحقبة الرومانسية في الأدب الأوروبي. وتختلف الترجمة التأويلية عن الترجمة التفسيرية في أربعة عوامل رئيسة، الأول: هو طبيعة النصوص المترجمة، فالترجمة التأويلية تتعلق بالنصوص المقدسة والمركزية لثقافة النص الأصلي. وهذه الكتب المركزية لها تآويل وتفاسير متداولة وشبه متعارف عليها ولا تخضع بنفس الدرجة للفهم الذاتي للمترجم أو لتحيزاته الثقافية. الثاني: هو أن لهذه النصوص وظيفة محددة ومتلقين من فئة محددة أيضاً مما يجعل عملية ترجمة النصوص المئولة عملية واضحة المعالم والأهداف إلى حد كبير. الثالث: هو أن هذه الترجمة تلتزم التزاماً كبيراً بمعنى المؤلف الأصلي وتحذو حذو ثقافة النص الأصلي دون إتاحة المجال لتكييف النص للثقافة المتلقية. وعند الحاجة لذلك يكون ذلك ضمن نصوص شارحة في الهوامش أو حتى في كتب مستقلة. الرابع: هو أن تفسير النصوص في هذا الاتجاه لا يخضع لتفسير فرد يعينه وإنما يخضع لاتفاق جماعة من المطلعين على النصوص حول التفاسير التي يرونها ملائمة لها. و لمثل هذه الأسباب، يرى خوان ساجر Juan Sager ، أن ترجمة الأناجيل التي يمكن أن تؤخذ مثالاً للترجمة التأويلية مجال مستقل بذاته، إضافة لمجالي "الترجمة الأدبية" و"الترجمة العلمية"[41 ].
و قد انتقل تأثير الترجمة التأويلية لبعض المجالات الأخرى حيث حاول بعض المفكرين تحديد الأسس التي يتم بموجبها فهم بعض النصوص الأخرى المترجمة. وربما يكون الفيلسوف الألماني شلايرماخر Schleiermacher هو أول من حاول التنظير لهذا المنهج في بداية هذا القرن. فقد حاول تحديد أسباب اختلافات تفاسير بعض الكتب المهمة وتوصل إلى أن السبب الرئيس في ذلك هو اختلاف و تعدد سياقات فهم المفسرين. وأن النصوص جميعها تحوي احتمالات قراءات مختلفة تحددها آفاق لغوية مشتركة بين المؤلف والمتلقين الذين كتب النص أساسا لهم. وتشكل هذه الآفاق، حسب شلايرماخر، ساحات التظافر التي يعيش فيها الكاتب والمتلقي معا ويتم على أثرها الوصول لمعنى مشترك للنص. ويرى شلايرماخر أن هذه الساحة تتكون من مجموعة من السياقات مثل: سياق الوجود المشترك Zusammenhang، وسياق الحياة المشتركة Lebenzusammenhang، سياق الخبرة المشتركة Erlibneszusammenhang،وسياق الدلالة المشتركة Bedeutungzusammenhang [42 ، ص ص 13-14].
ومن ذلك الوقت ودراسات التأويل تحاول تحديد السياقات التي تؤثر على فهمنا لنص ما، وطبيعة هذا النص. فبويكهBoekh ، أحد معاصري شلايرماخـر، كان يرى أن فهم وتفسير نص ما يخضع لأربعة عوامل: العوامل النحوية المتعلقة باللغة، والعوامل التاريخية، والعوامل الأسلوبية؛ والعوامل الذاتية المتعلقة بالقارئ/المترجم. ويرى أن فهم نص ما يتضمن مقارنة خفية لهذا النص بالنصوص المشابهة الأخرى [41، ص18].
أمـا يـورق هانـز قـدامـر H. Gaddamer، وهو يعدّ الامتداد الحديث للمنهج التأويلي، فيرى أن فهم نص أجنبي لابد وأن يتأثر بتحيزات القارئ الثقافية التي يستمدها من أفقه الثقافي. ويرى أن فهم هذا النص يتطلب أولاً التغلب على "غرابتة" strangeness أو أجنبيته،إذا جاز لنا التعبير، ومن ثم تحويل هذا الفهم إلى مفاهيم مألوفة للمترجم في ثقافته الخاصة به.
وهو يرى أن لغوية linguisticality النص تعطي إمكان فهمه لأنها تشكل الأساس لاندماجfusion الآفاق العقلية لكل من الكاتب والقارئ/المترجم، وهذا الاندماج يعطي المعنى شكلا حقيقيا ونهائيا بعد عملية تأويل وتفسير explication لهذا النص. ذلك أنه بالنسبة لقدامر، ليس هناك معنى حقيقي معطى وموجود في اللغة، و إنما هنالك سلسلة من التفاسير لتفاسير سابقة لنصوص أخرى متعددة يشكل النص أحدها وتشكل هذه النصوص في مجملها ما نسميه عادة "التراث الثقافي."
وهذه الكتابات لا تختلف كثيرا عن نظرة جورج شتاينر التأويلية للترجمة. حيث عرف الترجمة علي أنها "تفسير علامات لغوية في لغة ما بواسطة علامات لغوية في لغة أخرى،" وهو تفسير عام يخلو من عبارات النقل، أو الإحلال، أو التكافؤ [36،ص1] . ثم إن شتاينر (كما سبق أن ذكرنا) كان يرى أن هناك علاقات متعددة و متنوعة للترجمة داخل النص الواحد، وهذه العلاقات لا يمكن جمعها تحت أي تصنيف أو تعريف موحد أو نظرية شاملة.
والترجمة، حسب رأيه، تتمحور حول المترجم الذي يتداخل مع النص في تجربة تأويلية hermeneutic motion تتكون من أربع مراحل هي باختصار: ثقة المترجم في النص؛ الولوج إلى داخل النص ومحاولة اقتحام معانيه penetration and aggression؛ استيعاب النص وإعادة تشكيله incorporation and embodiment، وأخيراً إعادة تكوين النصrestitution في نص جديد.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-17-2017 - 12:00 PM ]


الترجمة والتقويض:
وبقي أن نستعرض أحد الاتجاهات الرئيسة الحديثة نسبياً في مجالي الفكر والفلسفة التي تركت بصماتها على العديد من كتابات الترجمة أيضاً. هذا الاتجاه هو ما يسميه البعض بـ "التفكيكية" deconstructive ، وما أطلق عليه الرويلي والبازعي "التقويض" [43].
و تفصل النظرة التقويضية للغة بين اللغة والواقع ، وهي هنا تلتقي مع نظرة سوسير حول اعتباطية علاقة اللغة بالمحيط الخارجي. فالكلمات والمفاهيم بطبيعتها لا تعود أو تدل على "واقع" أو "حضور" معين وإنما تعود على مفاهيم وكلمات لغوية أخري في سلسة لا متناهية من الإحالات يكون المعني فيها مرجأً differed بشكل لا نهائي. ويعتمد هذا الإرجاء علي الاختلافات بين عناصر اللغة ومفاهيمها ضمن النظام السوسيري الذي ُيعرف كل عنصر من عناصر اللغة كقيمة تحدد بشكل سلبي على أساس اختلاف هذا العنصرعن مجموع العناصر الأخرى ضمن النظام اللغوي.
ويرى دريدا أن هذه الاختلافات differences يمكن أن تأخذ طابعا تسلسليا لانهائيا يتسبب في إرجاء تحديد المعنى اللغوي إلى مالا نهاية. وهو يستخدم الفعل الللاتيني deffer بمعنى يؤجل والفعل differre بمعنى يختلف ليصف ما يسمي بالمعني في اللغة هو حالة ممكنة من الإخلاف deffering المؤجل أو ما يسميه دريدا différance . وكلمة différance هي كلمة difference مع تعديل متعمد في تهجئة الكلمة كنوع من الاشتقاق النحتي من الكلمتين السابقتين، لتعطي معنى جديداً يجمع بين الإرجاء والاختلاف. وهو أيضا معنى جديد كل الجدة وغير مسبوق في اللغة مما يدل في ذات الوقت على قدرة اللغة في إبداع معان جديدة بشكل مستمر. وعملية المزاوجة بين الكلمتين أنتجت كلمة جديدة تجاوزت حدود النظام اللغوي الإملائية والمعنوية، وكأن دريدا أراد أن يبرهن إمكان تجاوز هذا النظام. وكذلك إمكان اتساع النص لعدد لا متناه من القراءات.
ولا شك أن كلمة différance بحد ذاتها تشكل مشكلة كبيرة عند ترجمتها إلى اللغات الأخرى، وهي خير مثال لما يقصده دريدا باستحالة نقل المعنى من لغة أخرى. فترجمة هذه الكلمة تتطلب نقل جميع المعاني المقصودة السابقة، بما فيها محاولة دريدا تجاوز النظام اللغوي. وبينما نقلت هذه الكلمة للإنجليزية كما هي، حاول بعض المترجمين ترجمتها للعربية. وقد ترجمها البعض خطا بكلمة "الاختلاف" كما فعل محمد صبري؛ أما كاظم جهاد فاقترح الكلمة العربية "الاخـ(ت)لاف" بوضع التاء بين هلالين. و نحن نقترح ترجمة هذا المصطلح إلى "إخلاج" كنحت من كلمتي "إخلاف" و "إرجاء". وصعوبة ترجمة هذه الكلمة تعكس وجهة نظر التفكيكية في الترجمة.
وحالة "الإخلاج" هذه توثر أيضا على معنى النصوص وتفتح الباب على مصراعيه لقراءات متعددة للنص، يكون منها ما قد يناقض المعنى المتوخى لكاتبه. فكل ما هنالك عند قراءة نص ما هو حالة من الإخلاج (الإخلاف المؤجل) diffrance تحول دون أي فهم أو قراءة موحدة للنص. فدهاليز الاختلافات اللامتناهية بين عناصر اللغة تفتح للقارئ الفطن طرقا وآفاقا أخرى لإعادة تركيب معاني النص.
ويرى دريدا، وهذا الكلام يوازي سابقه أهمية وخطورة، أن أي فلسفة كانت لا يمكن أن تحدد معنى ما إلا بتدخل غير طبيعي في اللغة يضع نهاية لهذه الاختلافات ويعطي أولوية لمعنى على المعاني الأخرى بشكل متعسف ومخالف لسليقة اللغة. وجميع الافتراضات المتعسفة، التي تفترض وجود معنى أصلي ومعنى مشتق، معنى أولي وآخر ثانوي، معنى سابق ومعنى لاحق تستند على نوع من التمركز المنطقي logocentrism.
ودريدا ، في تقويضه لكتابات روسو على سبيل المثال، يرى أن للأخير أخطاء في البحث عن أصل اللغة في أسبقية النطق logos على الكتابة متوهما نوعا من الحضور presence للنطق (حضور المتكلم والمستمع) لا يتوافر للكتابة. ودريدا ينطلق من معنى للكتابة ضروري لثبات النظام اللغوي الذي يسمح بتأطير الاختلافات بين عناصره. وبهذا المعنى لا يمكن النطق بدون كتابة سابقة. ويبرهن دريدا في تقويضه لروسو أن الكلام (النطق) لا يمكن أن يكون إلا بناء على نظام يفترض وجود وأسبقية نظام كتابي. ولذلك فروسو بالضرورة اعتمد الكتابة للكتابة عن الكتابة.
وفي تقويضه لمفهوم سوسير للمعنى اللغوي، يرى دريدا أن افتراض مدلول لكل دال هو نوع من التمركز المنطقي، إذ أن المعنى اللغوي ليس خاصية للعلامة اللغوية وإنما خاصية لعملية التدليل ذاتها التي تأخذ بدورها شكلا لا متناهياً. فاللسانيات عندما تفترض دلالة معينة للعلامات إنما تمارس نوعا من التمركز المنطقي. وهذه، حسب رأي دريدا، مشكلة متجذرة في الفكر الغربي عامة، بما في ذلك الفلسفة واللسانيات.
فالبحث الدائم عن الأصل والحاجة الدائمة إلي أولوية أو أصلٍ ما جعل الفكر الغربي في حالة بحث دائم عن هذا الأصل، ولذلك فالفكر الغربي لايعدو كونه ممارسة دائمة لـ"التمركز المنطقي" logocentric . ويرى دريدا أن تاريخ الفكر الغربي هو مجرد تاريخ ترجمات مختلفة لمراكز المنطقية تتجلى في استبدال مركز بآخر في محاولة لتحديد تعريف للمعنى اللغوي . والقضاء على إمكان التعدد والاختلاف فيه to fix its univocality or to master its plurivocality، فكل فلسفة جديدة تنطلق من مفهوم مركزي هو في حد ذاته ترجمة لمفهوم مركزي أقدم. فالترجمة التي يراها دريدا على أنها " نقل المعني الدلالي إلي شكل تدليل جديد into a new signifying form the transport of semantic content’، كانت هي الشاغل للفلسفة ولم تكن ممارسة الفلسفة ممكنة بدونها [44 ، ص 120].
وهناك تشابه بين التقويض والتفسير من حيث أنهما يريان النص مفتوحاً لقراءات متعددة، إلا أنهما يختلفان في طبيعة هذه القراءات وأسسها. فالتقويض لا يحاول أن يحدد طبيعة قراءة أو تفسير النصوص، وإنما يراها مفتوحة لجميع الاحتمالات بما فيها تلك التي تتناقض مع القراءة الأولية الصريحة للنص، أي القراءة التي تقوض المعاني الأولية للنص لتبرز ما يمكن أن تنطق به اللغة في النص بما يخالف ما يقصده الكاتب. ولذلك فالذي ينطق في النص هو اللغة وليس الكاتب لأنها هي التي تقيد الكاتب.
الخلاصة
وفي الخلاصة يمكن القول إن دراسات الترجمة متنوعة وتأخذ من علوم لغوية شتى، ولكنها مهما توزعت وتنوعت يجمعها موضوع واحد هو "الترجمة ذاتها،" و لهذا الموضوع قضايا رئيسة ومركزية مثل قضية المعنى، والعلاقة بين الأصل والترجمة، ووحدة الترجمة وأسلوبها، وطرق تقويم الترجمة. وهذا بالتالي أدى إلى ظهور تخصص جديد هو تخصص "دراسات الترجمة." ونأمل أن نكون قد أوضحنا الأسس الفلسفية والمنهجية التي تقوم عليها هذه الدراسات.

المراجع

[1] Nida, E. Towards a Science of Translating. Leiden: Brill 1964 The New Shorter Oxford Dictionary
[2] إبراهيم أنيس ورفاقه. المعجم الوسيط، طـ 2، جـ 1 .
[3] ابن منظور، لسان العرب، القاهرة :دار المعارف.
[4] Sampson G. Schools of Linguistics1st ed., London: Competition and Evolution Hutchinson 1985
[5] Wunderlicht, D. Foundations of Linguistics. Cambridge: Cambridge University Press 1979
[6] Itkonen, E. Causality in ********. Bloomington: Indiana University Press 1983.
[7] De Beaugrande, R. Theories of Linguistics. London: Blackwell 1991.
[8] Jackson. L The Poverty of Structuralism: Literature and Structuralist Theory, Longman, 1991.
[9] Quine, V. Meaning and Translation. In: R. Brower ed., On Translation. Cambridge, MA: Harvard University Press. (1959), 148,-73 .,
[10] Chomsky N. Knowledge of ********: Its Nature, Implication and Use. New York: Praeger 1986
[11] Kelly, L. G. The True Interpreter: A History of Translation Theory and Practice 1979.
[12] In the West. Oxford: Blackwel
Catford, J. C. A Linguistic Theory of Translation: An Essay In Applied linguistics. London: Oxford University Press 1965
[13] Pêcheux, M. ******** Semantics and Ideology, Stephen Heath and Colin Macabe, eds., trans. Harpan Nagpal, London: Macmillan1982.,
[14] Wills, W. The Science of Translation: Problems and Methods. Tübingin :Verlag 1982
[15] Nöth, W. Handbook of Semiotics, Bloomington: Indiana Univ. Press, 1990 .
[16] Frawley, W. Prolegomenon to a Theory of Translation. In W. Frawley ,ed., Translation: Literary, Linguistic, and Philosophical Delaware Press, 1984
[17] Ludskanov, A. A Semiotic Approach to the Theory of Translation. ******** 36(April 1975) Sciences, April (35), 3-5
[18] Hurford, J. and B. Heasley . Semantics: A Course Book. Cambridge: Cambridge University Press, 1983 .
[19] Brown, G. and G. Yule Discourse Analysis. Cambridge: Cambridge University Press, 1983
[20] Levinson S. C. Pragmatics. Cambridge: Cambridge University Press, 1983
[21] Bell, R. Translation and Translating: Theory and Practice. London: Longman, 1991
[22] Malone, J. The Science of Linguistics in the Art of Translation: Some Tools From Linguistics for the Analysis and Practice of Translation. Albany: State University of New York press 1988.
[23] Hatim, B., and I. Mason . Discourse and the Translator. Singapore: Longman. (1997)
[24] The Translator as Communicator. London: Routledge.
Halliday, M. ******** as Social Semiotic. London: Arnold Amold, 1987
[25] Halliday, M. and R. Hassan. ********, Con****, and ****. 2nd ed., london: Oxford University Press, 1989
[26] Catford, J. C. A Linguistic Theory of Translation: An Essay In Applied linguistics London: Oxford University Press 1965.
[27] Ducrot, O. and T. Todorov. Encyclopedic Dictionary of the Science of ******** London: John Hopkins 1972..
[28] Genztler, E. Contemprary Translation Theories. London: Routledge 1993. van
[29] Dijk, T. Structure of the News in the Press. In T. van Dijk ed., Discourse and Communication: New Routledge and Kegan 1978
[30] Dijk, T. Approaches to the Analysis of Mass Media Discourse and Communication., Berlin: Gruyter.
[31] Gregory, M., and S. Carroll ******** and Situation: ******** Varieties and their Social Con****. London:
[32] Rose, M., ed., Translation Spectrum. Albany: State University of New York Press 1981.
[33] Neubert, A. **** and Translation. Leipzig: VEB Verlag Enzyklopedie 1985
[34] House, J. A Model for Translation Quality Assessment. Tübingen: Gunter Narr 1977.
[35] De Beaugrande, R. Factors in the Theory of Poetic Translation. Netherlands: Van Gorcum 1978.
[37] Steiner, G. After Babel. London: Oxford University Press1975
[37] W. Lörscher, Models of the translation Process: Claim and Reality, Target, 1989, 1:1. 43-68.
[38] Paz, Octavio. Translation: literature and Letters. In Theories of Translation: An Anthology of Essays from Dryden to Derrida, R. Schulte and J. Biguenet Eds Chicago: University of Chicago Press 1992, 152-63
[39] Ross, S. Translation and Similarity. In M. Rose ed., Translation Spectrum. Albany: State University of New York Press, 1981, 8-23
[40] Godard, B. Theorizing Feminist Discourse/translation. In S. Bassnett and London: Pinter1990
[41] A. Lefevere ed., Translation History and Culture Sager, J. roman. The Translator, 4,no.(April 1998) , 69-90
[42] Seuing, T. Semiotics and Thematics in Hermeneutics. New York: Colombia University Press 1982.
[43] الرويلي، ميجان و سعد البازعي. دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2002
[44] Derrida, J. The Ear of The Other: Autobiography, Transference, Translation. Trans. Peggy Kamuf New York: Schocken , 1985.
Translation, Form and Interpretation
Mohammed Al- Abdullatif
Asst. Professor, Dept. of European ********s and Translation
College of ********s and Translation
King Saud University, Riyadh Saudi Arabia

(Received 22/1/1422A.H. ؛ accepted for publication 18/2/1422A.H)
Abstract. This paper deals with different theoretical approaches in the field of translation studies, a field that is relatively new and has developed out of an imperative need felt by many scholars for delimiting general boundaries for translation studies that are otherwise scattered over many other fields, such as: semiotics, linguistics, literature, cultural studies, and anthropology. It tries to reveal the philosophical underpinnings that motivate these different approaches, and shed some light on their basic assumptions. It also tries to demonstrate that today’s differences and disputes in the field of translation studies go deeper than what is generally assumed to historical and philosophical prejudices.
For methodological reasons, the study divides these approaches into two main streams: formalist approaches, and interpretive approaches. Within each division, views are further analyzed and compared. The study is meant to be for students and researchers alike, and aims at clarifying certain confusions that beset the field today.




رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
النحو والتفسير وقراءة القرآن شمس البحوث و المقالات 0 05-20-2017 08:33 AM
الفتوى (1157) : الفرق بين التدبر والتفسير د.مصطفى يوسف أنت تسأل والمجمع يجيب 2 04-18-2017 11:53 AM
الملتقى الدّولي الرابع عشر حول:«إستراتيجية الترجمة / الترجمة وتحليل الخطاب» عضو المجمع أخبار ومناسبات لغوية 0 06-26-2014 11:31 AM


الساعة الآن 11:32 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by