mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > ركن المجمعيين ( أعضاء المجمع ) > مقالات أعضاء المجمع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية إدارة المجمع
 
إدارة المجمع
مشرف عام

إدارة المجمع غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,874
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
Post القبور والموت في التراث اللغوي – أ.د. رياض الخوام

كُتب : [ 07-17-2016 - 11:25 AM ]







ما أكثر أخبار القوم عن “المنية” التي تخبط خبط عشواء، فتخترم الأحباب والأصحاب، مفرقةً جمعهم، ومشتتة شملهم، لقد صورت كتب التراجم حالتهم، ونظرتهم إلى هذا الحادث الجلل، فتنوعت الصور، لتؤلف في نهايتها صورة واضحة دقيقة تمثل ذلك الشعور الذي يعتري الإنسان في كل زمان ومكان حين يدرك أنه لابد من أن يتجرع هذا الكأس، فكيف إذا اقترب منه، أو فقد صاحبه وخليله بعد تجرعه، كيف نظروا إلى قبور أحبابهم، وكيف صوروا صلتهم بأحبابهم بعد رحيلهم، صور كثيرة، ومشاعر حزينة، وأحاسيس مؤثرة، عبروا عنها من خلال الصور الآتية:
أنهم تساءلوا عن تلك الرحلة التي لم يرجع منها أحد ليحدث الناس عنها، تمثل ذلك في قول أمية بن أبي الصلت:
ألا رسول لنا منا فيخبرنا ** ما بعد غايتنا من رأس مُجرانا
أنهم وقفوا على القبور وخاطبوها لأنها ضمت أحبابهم، يُروى أن عليًّا كرّم الله وجهه وقف على قبر فاطمة رضي الله عنها، وتمثل الأبيات الآتية:
لكلِّ اجتماعٍ من خليلين فرقةٌ ** وإن الذي دون الفراق قليل
وإن افتقادي واحدًا بعد واحدٍ ** دليلٌ على أن لا يدوم خليلُ([1])
ووقف ابن عائشة البصري على قبر ابن له مات، فقال:
إذا ما دعوتُ الصبرَ بعدك والبكا ** أجابَ البكا طوعًا ولم يُجبِ الصبرُ
فإن ينقطعْ منك الرجاء فإنه ** سيبقى عليك الحزنُ ما بقي الدهرُ([2])
وأمروا نساءهم بزيارة قبورهم بعد موتهم، قال مالك بن الريب المازني في قصيدته المشهورة:
إذا متُّ فاعتادي القبور فسّلِّمي ** على الرّسم أُسقيتِ الغمامَ الغواديا([3])
أنهم أجاروا من عاذ بقبر ميتهم الغالي عليهم، فمكانته ميتًا كمكانته حيًّا، حكى المبرد أن امرأة من بني جعفر بن كلاب خافت لما هجا الفرزدق بني جعفر أن يسميها، فعاذت بقبر أبيه، فلم يذكر لها اسمًا ولا نسبًا، فقال في كلمته التي يهجو فيها بني جعفر بن كلاب:
عجوز تصلي الخمسَ عاذتْ بغالبٍ ** فلا والذي عاذتْ به لا أضيرها([4])
وتوجهوا إلى الغمام ليسقي قبور أحبابهم، فتنبت عليها الأزهار والرياحين فتنعشهم وتؤنسهم، قال النابغة:
فلا زال قبرٌ بين تُبنى وجاسم ** عليه من الوسميِّ جودٌ ووابلُ
فينبتُ حَوذانًا وعوفًا منوِّرًا ** سأتبعه من خيرِ ما قالَ قائلُ
وقال أحدهم راثيًا عبد الله بن جدعان القرشي، الذي قيل: إن قبره في بِرك الغماد:
سقى الأمطارُ قبرَ أبي زهير ** إلى سقفٍ إلى بِرك الغمادِ([5])
ومن أفعالهم عند القبور أنهم كانوا يعقرون نياقهم عند قبور موتاهم، قال المبرد: وقف رجل على قبر النجاشي فترحم، وقال: لولا أن القول لا يحيط بما فيك، والوصف يقصر دونك لأطنبت بل لأسهبت، ثم عقر ناقته على قبره، وقال:
عقرتُ على قبرِ النجاشي ناقتي ** بأبيضَ عضبٍ أخلصته صياقله
على قبرِ من لو أنني مت قبله ** لهانتْ عليه عند قبري رواحله([6])
وأوصى بعضهم أن يُكتبَ على قبره أشعار، تصور ما أراده وما أمَّله، من ذلك الحكاية التي تقول: إن أبا نواس أوصى أن يكتب على قبره الأبيات الآتية:
وعظّتْكَ أجداثٌ صُمُتْ ** ونعتكَ أزمنة عَفَتْ
وتكلمتْ عن أوجهٍ ** تبكي وعن صُورٍ سُبُتْ
وأرتكَ قبركَ في القبو ** ر وأنت حيُّ لم تمتْ([7])
ومن طريف حكايات أبي نواس مع الموت أنه نظم أشعارًا اكتُشفت بعد موته، فلعلها هي آخر ما تركه من شعره، قال الأنباري: “وقال أحمد بن يحيى عن محمد بن رافع قال: كان أبو نواس لي صديقًا، فوقعت بيني وبينه هجرة في آخر عمره، ثم بلغتني وفاته، فتضاعف عليَّ الحزن، فبينا أنا بين النائم واليقظان، إذا أنا به، فقلت: أبو نواس !فقال: لات حين كنية !قلت: الحسن بن هانئ؟ قال: نعم، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها، هي تحت ثِني الوسادة، فأتيت أهله، فلما أحسوا بي أجهشوا بالبكاء، فقلت: هل قال أخي شعرًا قبل موته؟ قالوا: لا نعلم، إلا أنه دعا بدواة وقرطاس، وكتب شيئًا لا ندري ما هو؟ فقلت: أتأذنون لي أن أدخل؟ فدخلت إلى مرقده، فإذا ثيابه لم تحرك بعد، فرفعت وسادة فلم أر شيئًا، ثم رفعت أخرى فإذا أنا برقعة مكتوب فيها:
ياربّ إن عَظُمتْ ذنوبي كثرةً ** فلقد علمتُ بأن عفوكَ أعظمُ
إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ ** فبمن يلوذ ويستجير المجرم
أدعوك ربّ كما أمرت تضرُّعًا ** فإذا رددت يدي، فمن ذا يرحم
مالي لديك وسيلة إلا الرجا ** وجميلُ عفوك ثم إني مسلم([8])
أما أبو العتاهية فقد أوصى أن يكتب على قبره:
أُذنَ حيَّ تسمَّعي ** اسمعي ثم عِي وعِي
أنا رهنٌ بمضجعي ** فاحذري مثلَ مَصرعي
عشتُ تسعين حجةً ** ثم وافيتُ مضجعي
ليس شيء سوى التقى ** فخذي منه أو دعي([9])
وذكر السيوطي أن محمد بن إبراهيم القرشي الخطيب النحوي أوصى أن يكتب على قبره الأبيات الآتية:
لئن نفذ القدَرُ السابقُ ** بموتي كما حكم الخالقُ
فقد مات والدُنا آدم ** ومات محمدٌ الصادقُ
ومات الملوك وأشياعهم ** ولم يبقَ من جمعهم ناطقُ
فقل للذي سرَّه مهلكي ** تأهبْ فإنك بي لاحقُ([10])
وثمة صورة أخرى تتعلق بسابقتها، ولكنها تختلف في كون أمواتها لم يوصوا بكتابة شيء على قبورهم لكن أحبابهم كتبوا على قبورهم، قال الأنباري: رئي على قبر أبي نواس البيت الآتي:
يا كبير الذنب عفو اللـ ** ـه عن ذنبك أكبرُ([11])
وقال ابن النديم في ترجمة الشافعي، إنه كان شاعرًا، وإنه كُتب على رأسه في لوح:
قضيتُ نحبي فسُرَّ قومٌ ** حمقى بهم غفلةٌ ونومُ
كأن يومي عليَّ حتمٌ ** وليس للشامتين يوم([12])
وحكى المبرد حكاية طويلة ختمها بأن واحدًا من أصحابه قرأ على صخرة عند قبر أمه مكتوب فيها:
وما نحن إلا مثلهم غير أننا ** أقمنا قليلًا بعدهم وتقدموا([13])
واكتفى بعضهم بكتابة اسم الميت فقط، من ذلك ما ذكره ابن عبد البر في كتابه الاستيعاب عن الشاعر أبي محجن الثقفي أنه رُئي قبره بأذربيجان، وقد نبتت عليه ثلاثة أصول كرْمٍ، وقد طالت، وأثمرت على قبره، ومكتوب على القبر: هذا قبر أبي محجن الثقفي([14])، ولا تزال هذه العادة حتى يومنا هذا.
والظاهر أن بعضهم جادت قريحته عند موته، ذكر السيوطي أن عبد الله الشلّي الأندلسي قال بيتين حين حضرته الوفاة هما:
الحمدُ لله ثم الحمدُ لله ** ماذا عن الموت من ساهٍ ومن لاه
ماذا يرى المرءُ ذو العينين من عجبٍ ** عند الخروجِ من الدنيا إلى الله([15])، وتظهر هذه الصورة أكثر إذا كان الرجل شاعرًا،
فهناك روايات متعددة تبين حالة أبي نواس حين حضرته المنية قال الإمام الشافعي – رحمه الله -
دخلت على أبي نواس وهو يجود بنفسه، فقلت: ما أعدتَ لهذا اليوم؟ فقال:
تعاظمني ذنبي فلَّما قرنته ** بعفوك ربي كان عفوك أعظما
وقال الفراء, دخلتُ على أبي نواس وهو يجود بنفسه فقال لي: أتكتب؟ فقلت: نعم، فأنشأ يقول:
دبَّ في الفناء سُفلًا وعُلوا ** وأُراني أموتُ عُضوًا فعضوا
ذهبتْ شرَّتي بحدة نفسي ** وتذكرت طاعةَ الله نِضوا
ليس من ساعةٍ مضتْ بي إلَّا ** نقصتني بمُرّها بي جُزوا
لهف نفس على ليالٍ وأيا ** مٍ تمليتهنَّ لعبًا ولهوا
وأسأنا كلَّ الإساءة يا ربـ ** ـبِّ فصفحًا إلهي وعفوا([16])
وأنشد السخاوي صاحب كتاب سفر السعادة حين حضرته الوفاة الأبيات الآتية:
قالوا: غدًا نأتي ديار الحمى ** وينزل الرّكبُ بمغناهمُ
وكلُّ من كان مطيعًا لهم ** أصبح مسرورًا بلقياهمُ
قلت: فلي ذنبٌ فما حيلتي ** بأي ّوجهٍ أتلقاهمُ
قالوا: أليس العفو من شأنهم ** لا سيما عمّن ترجّاهمُ([17])
أما ابن ناقيا عبد الله بن محمد شارح الفصيح، فثمة قصة طريفة جدًّا تتعلق بموته، لقد كتب شعرًا على يده، اكتشفه مغسله إذ انتبه أن يده اليسرى مضمومة، فاجتهد حتى فتحها، فوجد فيها كتابة بعضها على بعض، فتمهل حتى قرأها، فإذا فيها مكتوب:
نزلت بجارٍ لايخيبُ ضيفَه ** أُرجّي نجاتي من عذابِ جهنمِ
وإني على خوفٍ من الله واثقٌ ** بإنعامه والله أكـــرمُ منعمِ([18])
أنهم رثى بعضهم بعضًا، بل ألفوا كتبًا عنونوها بالمراثي والتعازي، وعلى العموم كانوا في مراثيهم يذكرون مآثر موتاهم، ويشيرون إلى خصالهم الحميدة وشمائلهم الرفيعة، وعلومهم الجليلة ومؤلفاتهم المفيدة، ويدعون لهم بالرحمة والمغفرة،ولما كان أكثر ما مرَّ معنا هو للشعراء، فإني حرصت على أن أقدم للقارئ صورًا من رثاء النحاة واللغويين، مات حماد الراوية المعروف سنة 156هـ فرثاه محمد بن كناسة بقوله:
أبعدت من نومك الغرار فما ** جاوزت حتى انتهى بك القدرُ
لو كان ينجي من الردى حذر ** نجّاك مما أصابكَ الحذرُ
يرحمك اللهُ من أخٍ يا أبا الـ** ـقاسم ما في صفاته كدر
فهكذا يفسدُ الزمانُ ويفنى ** العلم ويدرس الأثر([19])
ورثى الرياشي أبا حاتم السجستاني بقوله:
بانتْ بشَاشةُ أهلِ العلم ** مذْ بانَ سهيلٌ فأمسى غيرَ مقترِب
ياسهيلُ كنتَ كما سُمِّيتَ ذا ** سهلٍ بعيدًا من الفحشاء والريبِ
أمستْ ديارُكَ بعد العلم ** إن تسألِ العلمَ لم تنطِقْ ولاتجبِ
منْ للغريبِ وللقرآنِ يسألُهُ ** إذا تَعُومِيَ معناه ولم يُصَبِ([20])
و رثى أبو نواس خلفَ الأحمر بقوله:
بتُّ أعزِّي الفؤادَ من خلف ** وما لدمعي إلَّا يفضْ يكِفِ
أنسى الرزايا ميتٌ فُجِعتُ ** أضحى رهينَ الثواء في جَدَفِ([21])
ورثى أبو عبد الله بن محمد بن الناصر الناصري أبا مروان النحوي بقوله:
وكم من حديثٍ للنبي ** وألبسَهُ من حسنِ منطقه وشْيا
وكم مُصْعَبٍ للنحو قد راضَ صعْبَهُ ** فعاد ذلولًا بعدما كان قد أعيا([22])
ورثى القاضي ناصرُ الدين بن المنير، ابنَ عصفورٍ النحويَّ المعروفَ، فقال:
أسندَ النحوَ إلينا ** عن أميرِ المؤمنين البطلِ
بدأ النحوَ عليٌّ و كذا ** قلْ بحقٍّ ختمَ النحوَ عَلِي([23])
ومراده من عليٍّ الثانية ابن عصفور، لأن اسمه علي بن مؤمن، وقد توفي سنة ست مائة وثلاث وستين هجرية،
أما ابن مالك فقد رثاه الشيخ بهاء الدين ابن النحاس بأبيات جميلة قال فيها:
قلْ لابن مالك إن جرتْ بك أدمعي ** حُمرًا يحاكيها النجيعُ القاني
فلقد جرحْتَ القلبَ حين نُعيتَ لي ** فتدفّقتْ بدمائه أجفاني
لكنْ يهونُ ما أُجنُّ من الأسى ** علمي بنُقلته إلى رِضوانِ
فسقى ضريحًا ضمّه صوبُ الحيا ** يَهمي له بالروح والريحانِ([24])
ورثى ابن نباتة ابن هشام صاحب السيرة ببيتين مشهورين هما:
سقى ابنَ هشام في الثرى نوءُ رحمة ** يجرُّ على مثواه ذيلَ غَمامِ
سأروي له من سيرة المدح مسندا ** فما زلتُ أروي سيرة ابن هشام([25])
ورثى أبو عبد الله اليزيدي عالمين مشهورين معًا هما الكسائي، ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وكانا قد خرجا مع الرشيد إلى خراسان فماتا في الطريق في يوم واحد, فرثاهما اليزيدي بقصيدة منها:
أّسيتُ على قاضي القضاةِ محمد ** فأذريت دمعي والفؤاد عميدُ
وقلت إذا ما الخطبُ أشكل: منْ لنا ** بإيضاحه يومًا وأنت فقيدُ
و أقلقني موتُ الكسائي بعدَهُ ** وكادت بي الأرضُ الفضاء تميدُ
وأذهلني عن كلِّ عيشٍ ولذةٍ ** وأرَّق عيني والعيونُ هجودُ
هما عالمان أوديا وتخَّرما ** ومالهما في العالمين مزيدُ
فحزني إن تخطرْ على القلب خطرة ** بذكرهما حتى الممات جديد([26])
ورثى أبو العالية الشامي الأصمعي فقال:
لا درَّ درُّ نبات الأرض إذ فُجعتْ ** بالأصمعي لقد أبقتْ لنا أسفا
عشْ ما بدا لك في الدنيا فلستَ ترى ** في الناس منه ولا من علمِه خلَفا([27])
ولا ننسى أخيرًا أن نشير إلى رثاء مالك بن الريب التميمي نفسه حين لسعته أفعى وجرى السم في جسمه فأحس بالموت، فقال قبل موته القصيدة المشهورة التي مطلعها:
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة ** بوادي الغضى أُزجي القلاص النواجيا
تذكرت من يبكي عليَّ فلم أجد ** سوى السيف والرمح الرديني باكيا
وتأثر به في العصر الحاضر الأديب عبد المعين الملوحي، فرثى نفسه بقصيدة بلغت مئتي بيت، مطلعها:
تذكرت من يبكي عليَّ فلم أجد ** سوى قلمي والطرسِ والحبر باكيا
ومكتبةٍ أودعتُ روحي رفوفَها ** تكاد إذا ما متُّ تسعى أماميا
ومنضدةٍ سوداءَ كاد حديدها ** يذوبُ إذ الإلهامُ أغربَ نائيا([28])
وأنهي مقالتي بذكر قصة طريفة تتعلق بالموت والشعر، فربَّ شعرٍ أدى إلى هلاك، وإلى قطع لسان، لقد حث الشارع الحكيم على ضبط اللسان، ونبه إلى آفاته، وهذه القصة التي سنذكرها تصور لنا أن بيتين من الشعر- قيل- كانا سببًا لموت صاحبهما ميتة مخيفة نسأل الله السلامة والعافية، لقد ذكر صاحب شذرات الذهب أن الشاعر عليَّ بنَ جبلة المعروف بالعكوك السمين، كان محبًّا للشاعر أبي دُلف العجلي، حدَّث الزعفراني، قال: لما بلغ المأمونَ قولُ عليِّ بنِ جبلة في أبي دلف:
كلُّ منْ في الأرض من عرب ** بين باديه إلى حَضرِهْ
مستعيرٌ منك مكرمة ** يكتسيها يوم مُفْتخَرِهْ
استشاط غضبًا، وقال: ويلٌ لابن الزانية، يزعم أنَّا لانعرف مكرمةً إلا وهي مستعارة من أبي دُلف، وطلبه فهربَ فكتبَ في طلبه وأخذه فحُمِلَ إليه فلما مَثُلَ بين يديه قال: يا بن اللخناء أنت القائل كيت وكيت؟
وقرأ البيتين، أجعلتنا نستعيرُ المكارمَ منه، فقال: عَنيتُ أشكال أبي دُلف، وأما أنتم فقد أبانكم الله بالفضلِ عن سائر عباده، لما اختصكم به من النبوة والكتاب والحكمة والمُلك، ومازال يستعطفه حتى عفا عنه.
وقال بعض الرواة، قتله، وقال: أما أني لا استحلُّ دمكَ بهذا القول، ولكني أستحلُّه بكفرِك وجرأتِكَ على الله سبحانه وتعالى إذ تقول في عبدٍ ضعيفٍ مهينٍ تسوّي بينه وبين ربِّ العزة:
أنت الذي تُنزلُ الأيامَ منزلَها ** وتنقلُ الدهرَ من حالٍ إلى حالِ
وما مددت مدى طرفٍ إلى أحدٍ ** إلا قضيتَ بأرزاقٍ وآجالِ
ذاك الله, عز وجلَّ ثم أمر فسُلَّ لسانهُ من قفاه، قال ابن العماد: والأول أصحُّ، وأنه مات حتف أنفه([29])
وقد صور ابن السكيت ذلك بقوله:
يُصابُ الفتى من عثرةٍ بلسانهِ ** وليس يُصابُ المرءُ من عثرة الرِّجل
فعَثرتهُ بالقول تُذهِبُ رأسه ** وعَثرتهُ بالرِّجل تَبرا على مهل([30])
ومن أخبار أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي أنه لما مات لم يحضر جنازته أحد، لأنه لم يكن يسلم منه شريف ولا غيره([31])
هذا قليل من كثير مما حفلت به كتب التراجم، وهي مع قلتها تصور لنا حال العلماء والشعراء مع الموت، ومع القبر، ونسأل الله حسن الختام والوفاة على الإيمان، إنه كريم منان.
______________________________________________
([1]) الكامل 3/249
([2]) شذرات الذهب،2/174
([3]) معجم البلدان 1/511
([4]) الكامل 2/71
([5]) معجم البلدان 1/399
([6]) الكامل 3/287
([7]) نزهة الألبا76
([8]) نزهة الألباء 76
([9]) العقد الفريد 3/248
([10]) البغية 1/ 15
([11]) نزهة الألبا، 76
([12]) الفهرست 295
([13]) الكامل 3/290
([14]) الاستيعاب 4/1750
([15]) البغية 2/48
([16]) نزهة الألبا 75 76 بتصرف
([17]) انظر مقدمة تحقيق سفر السعادة 1/31
([18]) البغية2/64
([19]) الفهرست 135
([20]) مراتب النحويين 130
([21]) نزهة الألبا, 59 والجدف: القبر وأصله جدث إلا أنه أبدل من الثاء فاء، وهم يفعلونه ذلك كما قال أبو البركات
([22]) البغية 2/106
([23]) البغية 2/201
([24]) المقاصد الشافية 1/7والبغية 57،وانظر مقدمة التسهيل17
([25]) البغية 2/66
([26]) نزهة الألبا 80، وانظر الفهرست 98
([27]) شذور الذهب 2/13
([28]) mallouhi>combrodeails
([29])شذرات الذهب 2/12
([30])شذرات الذهب 2/239 وتبرا أي تبرأ
([31]) الفهرست 79


المصادر والمراجع:
الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر، تحقيق علي البجاوي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى،1412هـ
بغية الوعاة، للسيوطي, تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم, المكتبة العصرية، لبنان، وطبعة أخرى بتحقيق علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، ط1، 1326هـ -2005م
تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد لابن مالك تحقيق محمد كامل بركات، نشر دار الكاتب العربي، 1387هـ – 1967م
سفر السعادة، للسخاوي، تحقيق الدكتور محمد الدالي، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق1403، 1983م
شذرات الذهب، لابن العماد، تحقيق مصطفى عبد القادر، توزيع عباس الباز، مكة المكرمة
العقد الفريد لابن عبد ربه، شرح إبراهيم الإبياري، تقديم الدكتور عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي
الفهرست لابن النديم، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت- لبنان
الكامل للمبرد، دار الفكر، بيروت
مراتب النحويين، لأبي الطيب اللغوي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار النهضة مصر، ط1. 139هـ 1974م
معجم البلدان لياقوت الحموي، دار صادر، بيروت 1399هـ _ 1997م
المقاصد الشافية، للشاطبي، تحقيق الدكتور عبد الرحمن العثيمين وزملائه، معهد البحوث العلمية، جامعة أم القرى، الطبعة الأولى،1428هـ-2007م
نزهة الألباء للأنباري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، 1418هـ-1998م.


التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان ; 07-20-2016 الساعة 04:07 PM السبب: ضبط شكل بعض الكلمات وإتمام بيت أبي نواس سقطت منه كلمة (الرجا)
رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
العطر والتطيب في التراث العربي - أ.د. رياض الخوام إدارة المجمع مقالات أعضاء المجمع 0 11-18-2015 11:59 AM
الخواتم ونقوشها في التراث اللغوي - أ.د. رياض بن حسن الخوام إدارة المجمع مقالات أعضاء المجمع 2 10-13-2015 08:24 AM
” التفسير اللغوي لأسماء مكة المكرمة ” محاضرة لـ أ.د. رياض الخوام بمقر المجمع إدارة المجمع أخبار المجمع و الأعضاء المجمعيين 0 04-24-2015 05:01 PM
الحرف العربي في تراثنا اللغوي - أ.د. رياض الخوام عبدالله جابر مقالات أعضاء المجمع 0 12-20-2014 05:34 PM
مكة وبكة في الدرس اللغوي - أ.د. رياض الخوام عبدالله جابر مقالات أعضاء المجمع 1 12-11-2014 08:37 PM


الساعة الآن 09:51 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by