التحديات الداخلية التي تواجه اللغة العربية في العصر الحاضر من حيث نحوها وصرفها وإملاؤها
الدكتور جعفر عبابنة
يعاني العالم العربي اليوم من مشكلة لغوية تمتد آثارها إلى مناحي حياتنا الثقافية عامة. فعلى الرغم من جهود مؤسساتنا التعليمية في مرحلة ما قبل الجامعة والمرحلة الجامعية نفْسها ما زالت الحصيلة اللغوية لدى أبناء العربية قليلة لا تكسبهم المهارة اللازمة للتعبير السليم والكتابة الصحيحة. وأسباب هذه المشكلة كثيرة متعددة، ولكنَّ جانباً منها يعود إلى طبيعة الدرس النحوي وطبيعة الدرس الصرفي ومسائل الرسم الإملائي.
أما الدرس النحوي التقليدي فقد اتسم عبر القرونِ الماضية وحتى اليوم بأمور ضَخَّمَتْ كتبه وجعلت الانتفاع بها ضئيلاً. فقد أقيم البناء النحوي التقليدي على أساس من نظرية العوامل والمعمولات التي تنطوي على كثير من التفصيلات كتقسيم العوامل إلى لفظية ومعنوية وأصلية وفرعية، والحديث عن إعمالها وإلغائها وتعليقها واختصاصها وقوتها وضعفها وتقدمها وتأخرها وحذفها وذكرها، وتقسيم المعمولات إلى عمدة وفضلات، والحديث عن الفعل المفسِّر، وصوغ بعض الأحكام المتعلقة بها، كالعمل من جهة واحدة ومن غير جهة، وتسلّط العامل، وما يؤثر فيما بعده ولا يتأثر بما قبله، وما يجوز أن يعمل فيما قبله وما لا يجوز، والتعليق بالمشتقات، وعدم توالي عاملين على معمول واحد، وعدمِ جواز العطف على معمولي عاملين مختلفين، والعاملِ بنفسه أو بالواسطة أو بتقوية عنصر نحوي آخر، والحديثِ عن أُمِّ الباب وهي الأداة التي يتمثّل فيها عملُ الباب خير تَمثُّل كأَنْ في نواصب المضارع وإِنْ في أدوات الشرط، والحديث عن العوامل المشتقة والعوامل الجامدة المضمَّنَة معنى المشتقة، وغير ذلك من الأمورِ التي أثقلت الدرسَ النحوي.
وقريب من هذا إقامةُ البناء النحوي على أساس الإسناد ورُكْنَيْه وهما المسنُد والمسنُد إليه. وهذا أساسٌ سليم؛ لأن توافر ركني الأسناد يعني تمام الكلام وفائدته وهو ما نبتغيه من كل تركيب نحوي، ولكنهم بالغوا في التّحرّي عن ركني الإسناد في كل تركيب من تراكيب العربية حتى التراكيب الانفعالية مثل التعجب والندبة والتراكيب الإنشائية الأخرى كالنداء وما إلى ذلك فاستحالت من تعابيرَ انفعاليةٍ شعورية، إلى تعابير إخبارية تحتمل الصدقَ والكذب، مع ما كان يسببه ذلك من الخلط بين تقدير الإعراب وتقدير المعنى.
ومن ذلك الإكثارُ من العلل البعيدة التي لا تستند إلى حقائقِ اللغة نفسِها. فما يُسَمَّى بالعلل الثواني والثوالث هو في كثيرٍ من الأحوال ضربٌ من الخيال وإغراقٌ فيه، وليس له قوةٌ تفسيرية كبيرة تساعد على التعلم والتعليم.
ويتصل بذلك التقسيماتُ العقليةُ المنطقيةُ التي جعلت القدماءَ يفترضون أشياءَ لا وجودَ لها أصلاً، ويقدِّرون ما ليس مستعملاً فعلاً، ويتحدثون عما حَقُّه أن يوجدَ ولكنه ليس موجوداً. بل لقد أدى وَلَعُهم بالتقسيمات العقلية إلى صنعِ جملٍ لاستيعاب تلك التقسيمات، وافتراض وجوهٍ من التعبير غير موروثة عن العرب ولم يجر بها استعمال. وقد كان من ثمرة التقسيمات العقلية، مع الإغراق في تطبيق نظرية العوامل، ما نراه من صورِ التعبير الفاسدة التي تُنْكِرُها الأساليبُ العربيةُ الفصيحةُ في أبواب الاشتغال والتنازع والاستثناء، وحتى في بابي المبتدأ والخبر ونائبِ الفاعل وغيرها من الأبواب.
ومن ذلك إيرادُ أبوابٍ لا يقصد بها سوى الرياضة العقلية البحت كباب الإخبار بالذي وفروعه وبالألف واللام، وإيرادُ خلافات طويلةٍ حول مسائل جزئيةٍ غير ذاتِ بال ولا صلة لها بتنمية القدرة التحصيلية لدى الطالب. وغالباً ما تتضمن تلك الخلافات ألواناً متنوعة من الحجاج المنطقي والفقهي، فتتركُ الطالبَ حائراً بين الآراء المتضاربة والمذاهب المتناحرة.
ولا يقل خطراً عن ذلك العنايةُ بالشاذ من الشعر والقراءات واللغات القليلة بتأويلاته الكثيرة حتى أوشك الشذوذُ أن يكون محور مناقشات القدماء واهتماماتِهم. ولم يأت إيرادُهم للشاذ ضمن نظريةٍ عامة تتعلق بفهم الخطأ والصواب، ولم يكن صورة من صور الوصفية بقصد التوسعة على المتكلمين، بل جاء في معظم الأحيان طامساً القواعد المقررة ومسبباً من الاضطرابِ وتشتتِ الفكرة الشيءَ الكثير.
وثمة أمرٌ آخرُ متفرعٌ عن نظرية العوامل والمعمولات وهو العنايةُ الزائدة بالإعرابين المحلي والتقديري وتعيينُ ما لَهُ مَحَلٌّ من الإعراب وما ليس له مَحَلٌّ من الإعراب.
ولقد أدى هذا كلُّه إلى ازديادِ الشكوى من صعوبة النحو، وظهور اتجاهات جديدة في معالجة المشكلة ولكنَّ بعضَها نشأ تأثّراً بما استجد لدى الغرب من دراسات لغوية. ويمكن أن نحصر كُلَّ الجهود التي قامت لتجديد النحو، أو تيسيره في ثلاثةِ اتجاهات: الاتجاهُ الأولُ متأثرٌ بالنظرية التوليدية التحويلية وتفريعاتها وهي رياضة عقلية بحتة ونظر عقلي صرف وفلسفة، ولذلك أخفق هذا الاتجاهُ في إصدار كتاب تعليمي واحد حتى الآن. وهذا دليلٌ على أن هذه النظرية لا تلائم جهودَ الإصلاح والتيسير في النحو.
والاتجاهُ الثاني أَدْخَلَ ألواناً من التيسير أبرزُها: دمجُ أبوابٍ في أبواب أخرى، وحذفُ الشاذِّ وبعضِ الأبواب كبابي التنازع والاشتغال والتمارين غير العملية، وعدمُ المبالغةِ في التعليل أو تَحَرِّي أثرِ العامل في الإعراب (أقصد الإعراب المحلي والإعراب التقديري)، وتقليلُ التفصيلات الإعرابية، وإيرادُ أمثلةٍ جديدةٍ حيّة مرتبطةٍ بالحياةِ العملية، والتقليلُ من التفريعات الجزئية التي لا ضرورةَ لها، والاقتصار على مصطلحاتِ ثابتة للتخلص من مشكلةِ تعدّدِ المصطلحات، وإبرازُ الأنماطِ والأنساق التركيبية السائغة. وقد استندت معظم الأعمال في هذا الاتجاه إلى المنهج الوصفي وركنت في التحليل والنقاش النحويين إلى المدرسة البنيوية. وقد كان لهذا الاتجاه أثرُه المحمود، ولكنه انساق إلى التبسيط الشديد فأدى إلى خَلْقِ الاتجاهِ الثالث.
والاتجاه الثالث بالَغَ في التبسيط والتيسير في الإعراب وخاصةً في ممارساتِ الإعراب لدى المعلمين، كقولهم في إعراب جملةٍ مثل: ذهبَ الولدُ إلى المدرسة مسرعاً: إن ذهب فعل ماضٍ، والولد فاعل، وإلى حرف جر، والمدرسة اسم مجرور، ومسرعاً حال، ولا يذكرون هنا أن (الولد) فاعل للفعل (ذهب)، وأن شبه الجملة (إلى المدرسة) متعلق بـ(ذهب) وأنه من تمام معناه، ولا يقولون إن (مسرعاً) هي حال من (الولد) تبيِّنُ كيفيةَ ذهابهِ إلى المدرسة. وعلى هذا قِس.
وواضحٌ أن مثلَ هذا الإعراب هو مبالغةٌ غيرُ محمودةٍ في التبسيط، ويُمزِّق أوصالَ الجملةِ الواحدة، ولا يُبَيِّنُ العلاقاتِ التي تربِط بعضَها ببعض. وخطورة ذلك في عدم الإمساك بالفكرة الأساسية للنحو العربي، وهي أن الجملة شبكةٌ من العلاقات التي يجب إبرازُها وبيانها. إن أيةَ محاولةٍ للتيسير يجبُ ألاّ تُفَكِّكَ أوصالَ الكلام، وأن تدركَ العلاقة بين مُكَوِّنات الجملة، وأَنَّ الجملة هي عبارةٌ عن شبكة من العلاقات التي توصل المعنى تامًّا واضحاً. وفي رأيي أَنَّ أيةَ محاولةٍ للتيسير يجب أن تقومَ في كل مستوياتها ومراحِلها على تصور واضح لبنية النحو العربي يُغْرَسُ في ذهن الطالبِ العربي منذُ الصغر، يراعى ضمناً في تأليف الكتب المدرسية وفي التدريس الفعلي.