mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي التحديات الداخلية التي تواجه اللغة العربية في العصر الحاضر من حيث نحوها وصرفها

كُتب : [ 05-12-2016 - 01:51 PM ]


التحديات الداخلية التي تواجه اللغة العربية في العصر الحاضر من حيث نحوها وصرفها وإملاؤها
الدكتور جعفر عبابنة

يعاني العالم العربي اليوم من مشكلة لغوية تمتد آثارها إلى مناحي حياتنا الثقافية عامة. فعلى الرغم من جهود مؤسساتنا التعليمية في مرحلة ما قبل الجامعة والمرحلة الجامعية نفْسها ما زالت الحصيلة اللغوية لدى أبناء العربية قليلة لا تكسبهم المهارة اللازمة للتعبير السليم والكتابة الصحيحة. وأسباب هذه المشكلة كثيرة متعددة، ولكنَّ جانباً منها يعود إلى طبيعة الدرس النحوي وطبيعة الدرس الصرفي ومسائل الرسم الإملائي.

أما الدرس النحوي التقليدي فقد اتسم عبر القرونِ الماضية وحتى اليوم بأمور ضَخَّمَتْ كتبه وجعلت الانتفاع بها ضئيلاً. فقد أقيم البناء النحوي التقليدي على أساس من نظرية العوامل والمعمولات التي تنطوي على كثير من التفصيلات كتقسيم العوامل إلى لفظية ومعنوية وأصلية وفرعية، والحديث عن إعمالها وإلغائها وتعليقها واختصاصها وقوتها وضعفها وتقدمها وتأخرها وحذفها وذكرها، وتقسيم المعمولات إلى عمدة وفضلات، والحديث عن الفعل المفسِّر، وصوغ بعض الأحكام المتعلقة بها، كالعمل من جهة واحدة ومن غير جهة، وتسلّط العامل، وما يؤثر فيما بعده ولا يتأثر بما قبله، وما يجوز أن يعمل فيما قبله وما لا يجوز، والتعليق بالمشتقات، وعدم توالي عاملين على معمول واحد، وعدمِ جواز العطف على معمولي عاملين مختلفين، والعاملِ بنفسه أو بالواسطة أو بتقوية عنصر نحوي آخر، والحديثِ عن أُمِّ الباب وهي الأداة التي يتمثّل فيها عملُ الباب خير تَمثُّل كأَنْ في نواصب المضارع وإِنْ في أدوات الشرط، والحديث عن العوامل المشتقة والعوامل الجامدة المضمَّنَة معنى المشتقة، وغير ذلك من الأمورِ التي أثقلت الدرسَ النحوي.

وقريب من هذا إقامةُ البناء النحوي على أساس الإسناد ورُكْنَيْه وهما المسنُد والمسنُد إليه. وهذا أساسٌ سليم؛ لأن توافر ركني الأسناد يعني تمام الكلام وفائدته وهو ما نبتغيه من كل تركيب نحوي، ولكنهم بالغوا في التّحرّي عن ركني الإسناد في كل تركيب من تراكيب العربية حتى التراكيب الانفعالية مثل التعجب والندبة والتراكيب الإنشائية الأخرى كالنداء وما إلى ذلك فاستحالت من تعابيرَ انفعاليةٍ شعورية، إلى تعابير إخبارية تحتمل الصدقَ والكذب، مع ما كان يسببه ذلك من الخلط بين تقدير الإعراب وتقدير المعنى.

ومن ذلك الإكثارُ من العلل البعيدة التي لا تستند إلى حقائقِ اللغة نفسِها. فما يُسَمَّى بالعلل الثواني والثوالث هو في كثيرٍ من الأحوال ضربٌ من الخيال وإغراقٌ فيه، وليس له قوةٌ تفسيرية كبيرة تساعد على التعلم والتعليم.

ويتصل بذلك التقسيماتُ العقليةُ المنطقيةُ التي جعلت القدماءَ يفترضون أشياءَ لا وجودَ لها أصلاً، ويقدِّرون ما ليس مستعملاً فعلاً، ويتحدثون عما حَقُّه أن يوجدَ ولكنه ليس موجوداً. بل لقد أدى وَلَعُهم بالتقسيمات العقلية إلى صنعِ جملٍ لاستيعاب تلك التقسيمات، وافتراض وجوهٍ من التعبير غير موروثة عن العرب ولم يجر بها استعمال. وقد كان من ثمرة التقسيمات العقلية، مع الإغراق في تطبيق نظرية العوامل، ما نراه من صورِ التعبير الفاسدة التي تُنْكِرُها الأساليبُ العربيةُ الفصيحةُ في أبواب الاشتغال والتنازع والاستثناء، وحتى في بابي المبتدأ والخبر ونائبِ الفاعل وغيرها من الأبواب.

ومن ذلك إيرادُ أبوابٍ لا يقصد بها سوى الرياضة العقلية البحت كباب الإخبار بالذي وفروعه وبالألف واللام، وإيرادُ خلافات طويلةٍ حول مسائل جزئيةٍ غير ذاتِ بال ولا صلة لها بتنمية القدرة التحصيلية لدى الطالب. وغالباً ما تتضمن تلك الخلافات ألواناً متنوعة من الحجاج المنطقي والفقهي، فتتركُ الطالبَ حائراً بين الآراء المتضاربة والمذاهب المتناحرة.

ولا يقل خطراً عن ذلك العنايةُ بالشاذ من الشعر والقراءات واللغات القليلة بتأويلاته الكثيرة حتى أوشك الشذوذُ أن يكون محور مناقشات القدماء واهتماماتِهم. ولم يأت إيرادُهم للشاذ ضمن نظريةٍ عامة تتعلق بفهم الخطأ والصواب، ولم يكن صورة من صور الوصفية بقصد التوسعة على المتكلمين، بل جاء في معظم الأحيان طامساً القواعد المقررة ومسبباً من الاضطرابِ وتشتتِ الفكرة الشيءَ الكثير.

وثمة أمرٌ آخرُ متفرعٌ عن نظرية العوامل والمعمولات وهو العنايةُ الزائدة بالإعرابين المحلي والتقديري وتعيينُ ما لَهُ مَحَلٌّ من الإعراب وما ليس له مَحَلٌّ من الإعراب.

ولقد أدى هذا كلُّه إلى ازديادِ الشكوى من صعوبة النحو، وظهور اتجاهات جديدة في معالجة المشكلة ولكنَّ بعضَها نشأ تأثّراً بما استجد لدى الغرب من دراسات لغوية. ويمكن أن نحصر كُلَّ الجهود التي قامت لتجديد النحو، أو تيسيره في ثلاثةِ اتجاهات: الاتجاهُ الأولُ متأثرٌ بالنظرية التوليدية التحويلية وتفريعاتها وهي رياضة عقلية بحتة ونظر عقلي صرف وفلسفة، ولذلك أخفق هذا الاتجاهُ في إصدار كتاب تعليمي واحد حتى الآن. وهذا دليلٌ على أن هذه النظرية لا تلائم جهودَ الإصلاح والتيسير في النحو.

والاتجاهُ الثاني أَدْخَلَ ألواناً من التيسير أبرزُها: دمجُ أبوابٍ في أبواب أخرى، وحذفُ الشاذِّ وبعضِ الأبواب كبابي التنازع والاشتغال والتمارين غير العملية، وعدمُ المبالغةِ في التعليل أو تَحَرِّي أثرِ العامل في الإعراب (أقصد الإعراب المحلي والإعراب التقديري)، وتقليلُ التفصيلات الإعرابية، وإيرادُ أمثلةٍ جديدةٍ حيّة مرتبطةٍ بالحياةِ العملية، والتقليلُ من التفريعات الجزئية التي لا ضرورةَ لها، والاقتصار على مصطلحاتِ ثابتة للتخلص من مشكلةِ تعدّدِ المصطلحات، وإبرازُ الأنماطِ والأنساق التركيبية السائغة. وقد استندت معظم الأعمال في هذا الاتجاه إلى المنهج الوصفي وركنت في التحليل والنقاش النحويين إلى المدرسة البنيوية. وقد كان لهذا الاتجاه أثرُه المحمود، ولكنه انساق إلى التبسيط الشديد فأدى إلى خَلْقِ الاتجاهِ الثالث.

والاتجاه الثالث بالَغَ في التبسيط والتيسير في الإعراب وخاصةً في ممارساتِ الإعراب لدى المعلمين، كقولهم في إعراب جملةٍ مثل: ذهبَ الولدُ إلى المدرسة مسرعاً: إن ذهب فعل ماضٍ، والولد فاعل، وإلى حرف جر، والمدرسة اسم مجرور، ومسرعاً حال، ولا يذكرون هنا أن (الولد) فاعل للفعل (ذهب)، وأن شبه الجملة (إلى المدرسة) متعلق بـ(ذهب) وأنه من تمام معناه، ولا يقولون إن (مسرعاً) هي حال من (الولد) تبيِّنُ كيفيةَ ذهابهِ إلى المدرسة. وعلى هذا قِس.

وواضحٌ أن مثلَ هذا الإعراب هو مبالغةٌ غيرُ محمودةٍ في التبسيط، ويُمزِّق أوصالَ الجملةِ الواحدة، ولا يُبَيِّنُ العلاقاتِ التي تربِط بعضَها ببعض. وخطورة ذلك في عدم الإمساك بالفكرة الأساسية للنحو العربي، وهي أن الجملة شبكةٌ من العلاقات التي يجب إبرازُها وبيانها. إن أيةَ محاولةٍ للتيسير يجبُ ألاّ تُفَكِّكَ أوصالَ الكلام، وأن تدركَ العلاقة بين مُكَوِّنات الجملة، وأَنَّ الجملة هي عبارةٌ عن شبكة من العلاقات التي توصل المعنى تامًّا واضحاً. وفي رأيي أَنَّ أيةَ محاولةٍ للتيسير يجب أن تقومَ في كل مستوياتها ومراحِلها على تصور واضح لبنية النحو العربي يُغْرَسُ في ذهن الطالبِ العربي منذُ الصغر، يراعى ضمناً في تأليف الكتب المدرسية وفي التدريس الفعلي.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-12-2016 - 01:57 PM ]


وبسبب هذا كله سأورد هنا تصوراً كليًّا لما ينبغي أن يكون عليه الدرس النحوي. وهو يمتاز بأنه لا يلتفت إلى القشور بل ينفذ إلى جوهر النحو وعلاقاته الأساسية التي كان عدم فهمها لدى الطلاب –ولا يزال- يَخْلُقُ مشكلاتٍ حقيقيةً هي من أبرز مشكلاتِ تعلّمِ العربية. وهو يلتقط جزئياته من صورةِ النحو القديمة بعد إعادةِ تشكيلِها وتنقيِتها من الشوائب، ومن علم المعاني، وخاصة مبحثَ التقييد والإطلاق، ويأخذُ ببعض النتائج اللغوية الحديثة من غير أن يثقل كاهلَ الطالب بأنواع من حجاجِ المدارس والمذاهبِ اللغوية المختلفة، ويُبَسِّطُ النحوَ بِرَدِّ أبوابِهِ إلى ظواهرَ محدَّدة، وهو يصلح أساساً لوضعِ مناهجَ للنحو العربي متدرجةٍ من حيث العمقُ والشمول.

وهو يفترض أن لبنةَ النحوِ الأولى وهي الجملة تتكون من نواة (أو مركز) ومحيط، وأن المحيط يتألف من عدة طبقات.

وأما النواة فهي علاقةُ إسنادٍ اسميةٌ أو فعلية. وتتكون علاقةُ الإسنادِ الاسميةُ من مبتدأ وخبر. ويملأ خانة المبتدأ الاسم الصريح أو المصدر المؤول. ويملأ خانة الخبر الاسم الصريح أو جملة فعلية أو جملة اسمية أو المصدر المؤول أو شبه جملة. وتتكون علاقةُ الإسناد الفعليةُ من فعل وفاعل (إذا كان الفعل مبنيًّا للمعلوم ولازماً)، ومن فعلٍ وفاعل ومفعولٍ به واحدٍ أو أكثر (إذا كان الفعل مبنيًّا للمعلوم ومتعدياً)، ومن فعلٍ مبنيِّ للمجهول ونائبِ فاعل هو مفعولٌ به في الأصل.

وأما المحيط فيتكون كما قلنا من طبقات عدة: أولاً: العوامل والمكملات، وهي أفعالٌ وحروف وأدواتٌ وأسماء تدخل على علاقة الإسناد الاسميةِ أو الفعليةِ أو كلتيهما فتضيفُ إليها معانيَ جديدة غير ما تدلُّ عليه علاقةُ الإسنادِ الأصلية، محدثةً في بعض الأحيان بعضَ الآثار والتغييرات اللفظية. وتكون تلك العوامل والمكمِّلات عن يمين الجملة وعن يسارها. فمن العناصر التي تكون عادة يمين الجملة ما يسمى بنواسخ المبتدأ والخبر على اختلاف أنواعها ومعانيها، وأدواتُ النفي والاستفهام والأمرِ والنهيِ والعرضِ والتحضيضِ والنداءِ والقسمِ والتعجبِ وما إلى ذلك. ومن العناصر التي تكون يسارَ الجملة المفعولُ لأجله والمفعولُ معه والمفعول المطلق والحال والتمييز والمستثنى. وقد تكون المكملات يسارَ الجملة كالحال مثلاً مفرداتٍ أو جملاً أو أشباه جمل. ومن الملاحظ أن العوامل التي تكون يمين الجملة تكيّف معنى الإسناد ككل، على حين أن المكملات في يسار الجملة قد تكيف ركناً من أركان الجملة لا كُلَّها؛ ففي قولك: هل الأرض كرويةٌ؟ تسأل عن كروية الأرض وهو المعنى المستفاد من الإسناد ككل. ولكن في قولك: لَبِسْتُ خاتماً ذهباً، يكيِّف التمييز (ذهباً) خاتماً، وليس لبست. وينظر إلى العوامل هنا على أنها عناصر تفيد تحويراً في المعنى العام الذي يفيده الإسناد، وقد تحدث أثراً لفظيًّا ما، وهذا يقلل من سلطانها لدى القدماء.

ثانياً: عناصر الموافقة، وهي عناصر في الجملة تطابق عناصرَ أخرى منها سبقتها، من حيث التذكيرُ والتأنيثُ والتعريفُ والتنكيرُ والإفرادُ والتثنيةُ والجمعُ والحالةُ الإعرابيةُ من رفع ونصب وجرٍّ وجزم، ومن حيث الحكمُ المعنوي. وفائدتها إحكامُ الربطِ بين أجزاءِ الجملة وبيانُ العلاقات الحميمة أو الوثيقة التي تقوم بين عناصرها. وتبرز علاقات الموافقة هذه بوساطة النعت والتوكيد وعطف النسق والبدل وعطف البيان والضمير واسمي الإشارة والموصول.

ثالثاً: التعلق وهو من تمام المعنى ويتحقق بوساطة الظرف والجار والمجرور. ففي قولنا: ذهبت إلى المكتبة، وأحضرت الطعام من البيت، وأراك غداً، يتمم الجار والمجرور والظرف معنى الفعل ويوضحانه.

رابعاً: الروابط وهي عناصر في الجملة تصل أجزاءَها بَعْضَها بِبَعْض. ومن هذه العناصر الموصولاتُ الحرفية (أَنْ وأَنَّ وكي وما ولو) وواوُ المصاحبة وواوُ المعية. ويعد كُلٌّ من علاقاتِ الموافقةِ والتعلق من روابطِ الجملة أيضاً. وحينما تستدعي المواقفُ اللغوية أن نُعَبِّرَ عن المعاني المختلفة بجمل تتركب هي نفسُها من جملٍ فرعية، نحتاج كذلك إلى روابطَ تربط كلَّ ما يقعُ في نطاق الجملة المركبة الواحدة من جمل فرعية بعضها ببعض. ومن هذه الروابطِ الضميرُ والفاءُ واللامُ الواقعتان في جواب الشرط، وحروفُ العطف، وإذا الفجائيةُ، وفاءُ السببية، وواوُ الحال، وإذن الناصبةُ وغيرُ الناصبةِ، والفاء الواقعةُ بعد نفي أو طلب محضين، ولامُ جوابِ القسم، ولامُ التعليل، ولامُ العاقبة (لامُ الصيرورة). وتتطلب الوحدات الكلاميةُ الكبرى هي الأخرى روابطَ فيما بينها، وذلك من مثل أدواتِ الربط الأسلوبية التي تربط جملةً مركبة بأختها، أو فِقرةً بنظيرتها.

وهكذا نرى أن الجملة العربية تمتد ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال وتتشابك أبنيتها وقد تتركَّبُ وتتعقد، ولكنَّ المحورَ فيها يبقى علاقةَ الإسنادِ الأساسيةَ اسميةً كانت أم فعلية. وما النسيجُ المتعاظم حولها إلا تقييدٌ للمعنى الذي يفيده الإسناد أساساً، بوجه مخصوص.

والجديرُ بالذكر أن الجملةَ العربية صالحة لإبراز المعاني الحقيقية والمعاني المجازية، بالوسائلِ والقوالب والتراكيبِ نفسها، إذا لا تغيير في هيئة الجملة للدلالة على أن المعنى حقيقي أو مجازي.

غير أنه ينبغي التفريق بين مستويين من النحو: مستوى التبليغ ومستوى البلاغة. ففي مستوى التبليغ يكون الهدف منصباً على إيصال المعنى إلى المخاطب من أوضح طريق على ما تتطلبه طرائق النحو الأصلية، وهي التي يراعى فيها الترتيب والذكر (إلا إذا اقتضت هي نفسها خلاف ذلك)، ويكون المعنى في ذلك المستوى قريباً من المعنى الحقيقي كما تدل عليه استعمالات الألفاظ في المعجم.

وفي مستوى البلاغة يكون الهدف منصبًّا على التبليغ والتأثير معاً، أي إبراز المعنى في صورة مؤثرة في النفس، وهنا تستعمل كل الاحتمالات النحوية الممكنة من التقديم والتأخير، والذكر والحذف، وأساليب القصر والإيجاز والإطناب والمساواة، والاتساع في الظرف والجارّ والمجرور، وإبراز المعنى في صور شتى متفاوتة من حيث الوضوح. وهذا المستوى يظهر مدى مهارة الكاتب أو القائل في استغلال جماليات المعجم باختيار الكلمات الموحية ذات الظلال الغنية والمناسبة للمقام تماماً. فالكاتب البليغ هو ذلك الذي يستغل أقصى طاقات النحو وأقصى طاقات المعجم. لكنه في جميع الأحوال لا يصنع نحواً جديداً بل يتحرك في إطار المسموح به.

ولاكتمال هذا التصور الكلي للنحو العربي نقول: إن الأصلَ في الجملة العربية الترتيب، وهو أن يكون للكلمات فيها مواقعُ محددة لا يُعْدَلُ عنها إلا لأسباب تقتضيها متطلباتُ النحوِ نفسِه، ككون الخبر اسمَ استفهام له الصدارة مثلاً، أو لأغراض التنويع الأسلوبي والتلوين المعنوي.

والأصل في الجملة العربية كذلك ذكرُ جميعِ أركانِها فلا يُحْذَفُ ركنٌ من أركانها أو جزءٌ من أجزائها إلا حَسْبَ طرائقِ العربِ في القول ومذاهبِهم واختياراتهم، أو لغرض معنوي أسلوبي، مع وجود قرينة تدل على المحذوف وتُعَيِّنهُ، وهي دليلٌ حاِليّ أو مقاليّ.

وثمة مباحث نحوية صرفية مشتركة يجب أن تُجْعَلَ في تصنيف واحد وأن تُجْعَلَ مقدماتٍ لهذا التصوّر الكلي.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-12-2016 - 02:21 PM ]


وهي مباحثُ أقسامِ الكلمة، والتذكيرِ والتأنيث، والتعريف والتنكير، والإفرادِ والتثنية والجمع، والإعراب والبناء، والإضافة وعدمِها، وزمنِ الفعل؛ فأقسامُ الكلمة تحدد ما يصلح منها لأن يكون مبتدأ وما يصلح لأن يكون خبراً، ومن أقسام الكلام ما هو صالح للربط بين أركان الجملة الواحدة ومنها ما هو غير صالح، وللتذكير والتأنيث والتعريف والتنكير والإفراد والتثنية والجمع أهمية قصوى في مسألة المطابقة وعلاقاتِ الموافقة التي تربط بين أجزاءِ الجملة الواحدة. زد على ذلك أن للتعريف والتنكير أهمية في تحديد شروط المبتدأ وتعيين الخبر وصوغ بعض الأحكام التي تتعلق بتقديمه أو تأخيره. والإعراب والبناء يُبَيِّنان كيف تتحقق الحالاتُ الإعرابية حسيًّا. والإضافة تفيد الاسم النكرة تخصيصاً فيصلحُ وهو مضافٌ لوظائفَ في الجملةِ لا يصلح لها وهو غيرُ مضاف، وزمنُ الفعل أمرٌ أساسي جدًّا في الجملة الفعلية، وعليه تعتمد كثير من الأحكام النحوية المتعلقة بإعمال اسمي الفاعل والمفعول عمل فِعْلَيْهِما. وهذه المقدماتُ تدخل في تحديد شروط أبواب النحو كُلِّها تقريباً وفي صياغة أحكامها، كالقول إن الحالَ والتمييز يجب أن يكونا نكرتين... وما إلى ذلك.

وربما كان مستحسناً من الناحيتين العملية والتنظيمية أن نفصل بعضَ التراكيب مثلُ النداء والندبة والاستغاثةِ والتعجبِ والقسمِ والمدحِ والذم وأسماءِ الأفعال والأصوات والمصادرِ المثناة أو المفردةِ المضافة مثلُ سعديك ولبيك وحنانيك ومعاذَ الله وسبحان الله، وأن ندرسها في بابٍ واحدٍ مستقل، ذلك لأنها كُلَّها أساليبُ انفعاليةٌ شعورية، ولأنها تستعصي في بعض الأحيان على التحليلِ اللغوي، ويكثر الخلافُ حول عناصِرِها وحَوْل سماعيةِ بَعْضِها وقياسِيَّتِه.

وربما كان مستحسناً أيضاً إلحاقُ المنصوبات في أبواب الاختصاص والإغراء والتحذير بالمفعول به لأنها كُلَّها مفاعيلُ لأفعالٍ محذوفة، وقد اكتسبت تلك الأبوابُ أسماءَها من معاني تلك الأفعال المحذوفة.

وأما الدرس الصرفي فقد حصر الصرفيون مباحثه في الفعل المتصرف والاسم المعرب، فلم يشملوا سائر الأفعال والأسماء ولا الحروف. وكان الأحرى بهم أن يشملوا في دراستهم كل أقسام الكلام ويصنِّفوها في فصائل نحوية صرفية تخدم العلاقة بين النحو والصرف، وألاّ يقصروا كلامهم على موضوع التغيرّ الذي يصيب بنية الكلمة.

وتحدثوا عن الاشتقاق الكبير والأكبر وقد كانا تاريخياًّ منتجين، وأصبحا الآن غير ذلك فمن الفضول الحديثُ عنهما، وحصروا الاشتقاقَ فيما يُسَمَّى بالاشتقاق الصغير الذي لم يتوسعوا في مفهومه حتى يشمل أنواعاً أخرى غير المذكورة عندهم، وذكروا الخلافات في أصل هذا النوع من الاشتقاق أهو الفعل أم المصدر وهي خلافات لا طائل تحتها. بل لم يتوسعوا في مفهوم الاشتقاق عموماً، ولم يدركوا أنه عملية توليد، وأنها يمكن أن تشمل ثلاثة أقسام: توليدُ صيغٍ أو أوزانٍ من جذور معجمية، وتوليدُ صيغٍ من صيغٍ أخرى وهو ما يعرف بالنقلات الصرفية، وتوليدُ ألفاظ بإضافة اللاحقة فقط.

ويقوم النوع الأول من الاشتقاق على صَبِّ حروف الجذر في قوالبَ أي أوزانٍ مختلفة لمعانٍ مختلفة. والمقصود بالجذر هنا هيكل صامتي يحمل مَعْنًى معجميًّا عامًّا. والمقصود بالوزن امتداد من خانات محددة لحروف الجذر بترتيب مُعَيَّن، وللحركات أو الصوائت، ولحروف الزيادة إن وجدت. والأوزان المحصلة بهذه الطريقة يفيد كلّ منها معنى معجميًّا خاصًّا مستفاداً من المعنى المعجمي العام الذي يفيده الجذر، ويدل على قسم رئيس أو فرعي من أقسام الكلام، كما يدل على معنى خاص يستشف من بنيته كالمبالغة والفاعلية والمفعولية وما إلى ذلك. والزوائد الموجودة في هذه الأوزان المولدة بهذه الطريقة مندغمة في بنية الكلمة، وجزء لا يتجزأ منها، وإذا حُذِفَت اضْمَحَلَّتِ الكلمةُ وانطمست معالمُها.

ونحصل بهذه الطريقة من الاشتقاق –أي صَبِّ مادة الجذر في قوالِب الأوزان- على صيغِ الفعل مجردةً ومزيدة واسمِ الفاعل واسمِ المفعول وصيغ المبالغة والصفة المشبهة واسمِ التفضيل والمصدرِ الميمي واسمي الزمان والمكان واسمِ الآلة واسمي المرةِ والهيئة والمصادر.

ويشبه هذا النوعُ من الاشتقاق الاشتقاقَ الصغير عند الصرفيين العرب، ولكنه يختلف عنه في أنه لا يهتم بأصل الاشتقاق بل بآليته، ويجعل الفعلَ والمصدرَ معاً مشتقين كسائر المشتقات. ويمكن بوساطته أن نؤسس لعائلة اشتقاقية لكل من الكلمات العربية الجامدة وللكلمات الأجنبية كذلك.

والنوع الثاني من الاشتقاق هو نَقَلاتٌ صرفية وفيها تنتقل الكلمةُ من وزنٍ هو أصل إلى وزنٍ هو فرع في إطارِ تقابلاتٍ في فصائلَ نحويةٍ محددة، وإن كان ثمة تطابقٌ تام بين حروف الجذر في الأصل والفرع. ولكنَّ هذا النوع من الاشتقاق يختلف عن النوع الأول في أن الانتقالَ فيه لا يتم من الجذر إلى الوزن، بل يكونُ الانتقال فيه من وزنٍ إلى آخر. ومن أمثلته في العربية تَحَوُّلُ المفرد إلى جمع تكسير، وغير المصغَّرِ إلى مُصَغَّر، والماضي إلى مضارعٍ وأمر، والمبنيِّ للمجهول إلى مبنيٍّ للمعلوم، والمذكَّرِ على وزن فَعْلان إلى مؤنثه فَعْلى، وعلى وزن أَفْعَل إلى فَعْلاء، واسمِ التفضيل المذكر أَفْعَل إلى مؤنثه فُعْلى. ولا يمكن الحديث هنا عن قوانينَ صوتيةٍ محدَّدة تحول المفرد مثلاً إلى جمع تكسير، والمذكَّرَ إلى مؤنَّث، وغيْرَ المصغَّرِ إلى مُصَغَّر والمبنيَّ للمعلوم إلى مبنيٍّ للمجهول، والماضي إلى مضارعٍ وأمر بل يمكن الحديثُ عن ارتباطات معيّنة بين أوزان معيّنة تجعل العلاقةَ بينها علاقةَ مفرد بجمعه ومذكر بمؤنثهِ...إلخ. إن التغيراتِ اللفظية الملحوظة هنا ليست نتيجة قوانينَ صوتيةٍ كالتي تحول البنية العميقةَ في الاشتقاق الأول إلى البنية الظاهرة المستعملة (مثل تحويل قَوَل إلى قال وبَيَع إلى باع...) بل إنها نتيجةُ ارتباطاتٍ معينة تربط ما بين صيغةٍ وأخرى ربطاً بين متقابلين في فصيلة نحوية واحدة، كالعدد والجنس والزمن أو الجهة مثلاً. فتحويل (قَوَل) إلى (قال) مثلاً، لا يخرجها عن أصل نوعها وهو الماضي، لكنَّ تحويلَ (قال) إلى (يقول) و(قل) هنا يخرجها من المضيِّ إلى صورتين أخريين تحملان بذور زمنين مختلفين. غير أن الصرفييّن العرب قد خلطوا ما بين هذين النوعين من التغيرات.

والنوع الثالث من الاشتقاق يتم بإضافة اللواحق، وهي زوائد طرفية لا تؤثر غالباً في بنية ما ألحقت به. وتسمى لهذا زوائدَ إعرابية لأن سقوطَها لا يضيع هويةَ الكلمة. وينتج بهذه الطريقةِ التأنيثُ بإضافة التاء، والتثنيةُ، وجمعُ المذكر السالم، وجمعُ المؤنث السالم، والنسبةُ، والمصدرُ الصناعيّ، واسم الجنس الإفرادي (نمل- نملة)، واسمُ المرة من مَصْدَرِ غير الثلاثي (انطلاق- انطلاقة)، وبعضُ أنواعِ الجموع القديمة ( صنْو- صِنْوان، قِنْو- قنوان، سابل- سابلة، سيّار- سيّارة، راجل- راجلة)، والمبالغة (نابغ- نابغة)، وزيادةُ المبالغة (علاّم- علاّمة). وفي كل ما سبق يُعَدُّ ذو اللاحقة فرعاً على الأصل وهو الاسم قبل اللاحقة.

ولم يدرك الصرفيون العرب حقيقة المدّ وأن حروف المدّ هي حركاتٌ أو صوائتُ طويلة، بل تصوروها ساكنة ومسبوقة بحركات من جنسها، وقد تصوروا نتيجة لذلك حالات وهميةً لالتقاء الساكنين، لأنه مبني ولم يكن تفسيرهم لبعض السلوكات الصرفية والتغيرات الصوتية صحيحًا؛ لأنه مبني على هذين الوهمين. وممّا زاد الطين بِلَّةً أنهم لم يدركوا أهمية المقطع في تحديد البيئات الصوتية المناسبة لعمل بعض القواعد الصوتية. لا بل إنهم أتوا بفكرة الحاجز غير الحصين فأوقعتهم في كثير من الخطأ في تفسير التغيرات الصوتية.

ولم يُعَنِّ الصرفيون أنفسَهم برسم خطٍّ فاصِل بين الوزنِ الإيقاعي الذي استخدموه في التصغير وجمع التكسير (في صيغة منتهى الجموع) والوزن الصرفي الذي استخدموه في مواضِع أخرى.

ولم يُوَثِّق الصرفيون صلة الصرف بالنحو، وهي صلة وثيقة تبرز في غير موضع، ربما لأنهم أرادوا الحفاظ على استقلال العلوم بعضها عن بعض. من ذلك أن التأنيث والتثنية والجمع أمورٌ مهمة في علاقات الموافقةِ النحوية، وأن تعديةَ اللازم والبناءَ للمجهول مهمان في تركيب الجملة العربية، وأن المشتقات نوعان: وصف يصلح أن ينعت به، وموصوف يصلح لأن يُنْعَت، وأن بعضَ المشتقات كاسم الفاعل والمفعول وصيغِ المبالغة والصفة المشبهة واسم التفضيل والمصدر تعمل عمل الفعل بشروط، وأن النسبة تجعل المنسوب كالصفة المشبهة فيأخذُ فاعلاً، وأن النكرة المصغرة كالموصوفة تصلح لأن يبتدأ بها، وأن المصدرَ يأتي مفعولاً مطلقاً ومفعولاً لأجله وتمييزاً، وأن الحال يشترط فيها أن تكون مشتقة، وأن التمييز وعطف البيان يشترط أن يكونا جامدين، وأن النعت يشترط فيه أن يكون مشتقًّا، وأن اسمي الزمان والمكان يستخدمان ظرفين، وأن إسنادَ الأفعال إلى الضمائر منطقة يلتقي فيها النحوُ والصرف، وأن مبحثَ أقسام الكلمة مشترك بين النحو والصرف، وأن علامات التثنية وجمع المذكر السالم هي علاماتٌ إعرابية كذلك، وأن توكيدَ الفعل المسند إلى واو الجماعة أو ياء المخاطبة أو ألف الاثنين بالنون إنما هو مبحث صرفي نحوي، وأن (فَعِل) و(فَعيل) إذا أخذا مفعولاً به فهما صيغتا مبالغة وإلاّ فهما صفتان مشبهتان، وأن التعلّق في النحو لا يكون إلا بمشتق، وأننا نحتاج إلى إدخال حركات البناء والإعراب في أواخر الأفعال والأسماء المعتلة حتى تستقيمَ قوانينُنا الصوتية وتكونَ مُوَحَّدَةً شاملة لأكبرِ عددٍ من حالات الأسماء والأفعال، وأن اللازم لا يحول إلى مبني للمجهول ولا يصاغ له اسم مفعول إلا مع مصدر متصرف مختص أو ظرف متصرف مختص أو جارّ ومجرور.

وقد لا تُتَبَيَّنُ العلاقة بين الصرف والنحو إلا بالتأمل الشديد. فمن أقوال الصرفيين أَنَّ لك أن تحول أي فعل من أي باب كان إلى صيغة فَعُل للدلالة على أن الحدث صار كالغريزة في صاحبة وللدلالة على المدح والتعجب، وهذا يفسر لنا لِمَ يعربون (زيد) في قولهم: أَحْسِن بزيد، فاعلاً لا مفعولاً، لأنهم يقدرون الأصل: حَسُنَ زيدٌ، فتكون زيد بهذا التقدير فاعلاً. وعند بعض المحدثين أن الصرف ما هو إلا قائمة ألفاظ يحتل كل منها موقعاً نحويًّا مناسباً على امتداد الجملة.

ولم يخل الصرف العربي من مصطلحات غير دقيقة. من ذلك مصطلح المثال وهو يعني الفعل الذي أوله حرف علة، وقد سمي كذلك لأنه يُماثِلُ (أي يشابه) الصحيح في عدم إعلال ماضيه. ومن ذلك مصطلح المضارع، فهو لا يعني الزمن الحاضر من حيث تقسيمات الزمن بل يعني أنه يضارع أي يشابه اسم الفاعل منه في مطلق الحركات والسكنات وتوزيع الحروف. ومن ذلك الصفة المشبهة فقد سمّيت كذلك لأنها مشبهة باسم الفاعل المتعدي إلى مفعول به واحد.

وهذه المشابهات شكلية خالصة لا تعبر عن تصنيف حقيقيّ أو واقع موضوعيّ.

وقد أتى الصرفيون بفكرة الإلحاق التي تقول بزيادة حرف أو أكثر في كلمة ما حتى تصير على مثال وزن من الأوزان فتتصرف تصرفه وتأخذ حكمه من دون أن يرافق تلك الزيادة في اللفظ زيادة في المعنى. وأنا أرى أن هذه الفكرة لا تقوم على أساس سليم، لأن بعض ما يفترض كونه زائداً من حروف الكلمات الملحقة قد يكون أصليًّا، وهذا يُعْرَفُ بالتحقيقات التاريخية المقارنة وبالمقابلات الداخلية التي قد تظهر أن كثيراً من الأفعال الملحقة اشتقت من أسماء الأَعيان مباشرة (مثل قلنس وجورب وشريف وبيطر ونرجس). زد على ذلك أن زيادة الإلحاق ربما جاءت لإفادة معنى ولكنها زيادة غير مطردة في موضعها، كما في قولنا: رَهْوَكَ في مشيته، أي استرخت مفاصله في المشي، ومعناها غير معنى رهك من غير إلحاق. فزيادة الواو هي التي أفادت هذا المعنى ولكنها زيادة غير مطردة في موضعها كتاء الافتعال مثلاً.

أما الرسم الكتابي العربي فقد رافقته منذ نشأته مشكلات لا يستهان بها، منها أن الحركات غير مندغمةٍ في الصورة الظاهرة للكلمات العربية، وأن كتابة الهمزةِ والألف لم تكن مستقرّة. ولم تكن ثمة وسائل للتفريق بين واو المدّ ويائه والواو والياء اللينتين. وقد اتخذ الرسم القرآني شكلاً خاصًّا انفرد به حتى اليوم.

ولمّا انتشرت الكتابة العربية اتخذت رموزاً للحركات القصيرة تكتنف الحروف، وللشدّة وللمدّة وهمزتي القطع والوصل والسكون. ولكن ظلت المشكلات السابقة قائمة.

ومن المشكلات التي ما زلنا نواجهها حتى اليوم التفريق بين التاء المربوطة والتاء المبسوطة، والتفريق بين التاء المربوطة وهاء الضمير. وثمة كلماتٌ تُنْطَق فيها أصوات لا تكتب، كما في هذا وهذه وهذين وهؤلاء وأولئك ولكنَّ ولكنْ ولفظ الجلالة والرحمن وإسحق ويسن، وكلمات تكتب فيها حروف لا تُنْطَق، مثل: أولو وأولات وأولي، وكلمات تلتبس فيها اللامات بين التشديد وتكرار الرسم كما في الذي والتي واللذان واللتان واللذين واللتين والذين واللائي واللواتي. وقد كان متقدمو الصرفيين يتصورون أن حرف المدّ مسبوق بحركة من جنسه وتسرب هذا الخطأ في الإملاء العربي، ولذلك نجدهم يثبتون كسرة قبل ياء المد وضمّة قبل واو المدّ وفتحة قبل الألف.

ومن المشكلات الإملائية المستعصية التفريقُ بين همزتي الوصل والقطع وأماكن إثباتهما، ورسم همزة القطع في أول الكلمة ووسطها وأخرها، والتفريق بين نون التنوين والنون العادية، والألف الفارقة التي تأتي للتفريق بين واو الجماعة في الأفعال والواو التي هي لامُ الكلمة.

وبرزت في العقود الأخيرة مشكلة تاء المخاطبة، فقد التبست بياء المخاطبة، فصار بعض الناس يكتبون مثل دَرَسْتِ وأَكَلْتِ بالياء. كما برزت مشكلة التفريق بين الضاد والظاء. وبرزت كذلك الحاجة لاستخدام حروف مُيَسَّرَة في مجال محو الأمية وتعليم الكبار. وهذه كلها مشكلات تعليمية يُمْكنُ التغلَّبُ عليها بالتعليم الجيد، واتخاذِها هدفاً مباشراً لنشاط المؤسسات التعليمية في مجال الرسم الإملائي. ويمكن أيضاً أن تُحْصَرَ في قائمة واحدة يُزَوَّدُ بها الطلبة ويرجعون إليها كلما احتاجوا إلى ذلك. ويمكن كذلك أن تُزَوَّدَ بها ذاكرةُ الحاسوب، وأن تُجْعَلَ ملحقاً في المعجمات اللغوية.

وقد واجه الرسم الإملائي العربي اختبارات حقيقية في القرون والعقود الأخيرة ففي عصر الطباعة جرت محاولات كثيرة لتيسير نُظُم الكتابة والوصولِ إلى نظامٍ ملائمٍ لآلات الطباعة. وتواجهنا اليوم مشكلةٌ مماثِلةٌ، إذ تجري محاولات لإيجاد النظام الملائم لأجهزة الحاسوب.

وقد أحست بعض الشعوب الإسلامية التي تَبَنَّت الحرف العربي بالحاجة إلى تعديل الخط العربي، وإضافة رموز تفي بالتعبير عن الوحدات الصوتية في لغات تلك الشعوب. وهذه كلها إما مسائل فنية، أو قضايا في التخطيط اللغوي في البلدان الإسلامية لا أحيط بها، وأترك الخوض فيها للمختصين. وأكتفي هنا بالقول: إن أي اقتراح جديد يجب ألاّ يبعد العربية عن طابعها الأصيل، وإنّ أي تغيير أو تعديل يجب أن يحصل في الآلة لا في اللغة نفسها، أعني أن يكون إبداعاتٍ في استخدام الآلة من دون المساس بالطابع الأصيل للعربية.

وأضيف أخيراً إلى كل ما سبق أنّ أيّ إصلاح مقترح في النحو والصرف والإملاء يجب أن يكون قابلاً للتطبيق الحاسوبيّ، فلعل الحاسوب يكون نمطَ حياة في المستقبل لا مجردَ وسيلةٍ مساعِدةٍ حَسْب.



رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
أبرز التحديات التي تواجه اللغة العربية شمس أخبار ومناسبات لغوية 0 09-21-2019 04:03 PM
التحديات التي تواجه اللغة العربية شمس قضايا لغوية 0 01-16-2018 01:10 PM
ما أهم التحديات التي تواجه اللغة العربية في بلدانكم؟ مصطفى شعبان البحوث و المقالات 0 04-26-2017 12:58 PM
التحديات التي تواجه اللغة العربية بالمغرب للعربية أنتمي البحوث و المقالات 0 04-30-2015 07:05 AM
التحديات التي تواجه اللغة العربية في العصر الحديث عبدالحميد قشطة دراسات وبحوث لغوية 1 03-06-2015 11:30 AM


الساعة الآن 11:38 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by