ويصلح هنا الذي قلناه حتى الآن في المستوى اللغوي الأول الذي حددناه، لكتابة اليوميات أيضاً والمذكرات والرسائل، وكل ما تدعو الحياة العملية إلى التعبير عنه أو الكتابة فيه. ويمثل له مندور بالحركة في الشيء، قياساً في المستوى الإبداعي([31]) إلى الحركة في الرقص, وكل ما قلناه في الأداء هنا لا يكاد يرمي إلى أكثر من الارتقاء بلغته إلى مرتبة السلامة، دون أن يطمح إلى تجاوز الأسلوب التقريري النفعي إلى تصوير الفكرة أو الإحساس بالأشياء، باستخدام طرق الانزياح (Ecart) المختلفة، ولا يخرج باللغة عن المألوف في فهمها واستعمالها ([32]). على أن من السهل أن ندرك أن خلق الصور الإبداعية في عمليات الخلق الفني لا تخلو خلوًا مطلقاً من القصد. فذوق الجمال في الصورة قصد والتعبير عنه قصد ولكنْ بأسلوب خاص يجعل المتعة الجمالية وتغذية النفس بها وصقل إحساسها بما حولها، هو رسالتها الأولى. فإن الكتابة في أي مستوى ثقافي، هي، في البداية، استجابة لواحد من مثيرات الحياة، بعد الامتلاء به، وهي، في النهاية، دعوة للمتلقي تقوي من إدراكه لبعض صور الحياة ومعانيها، وتصقل إحساسه وتحرك انفعاله بها. ومن هنا ننتقل إلى الزاوية الأخرى في الموضوع.
2-يتصل المستوى اللغوي الثاني (الإبداعي) في فن التعبير الكتابي بالكلام على واحدٍ من فنون الأدب النثرية المختلفة، ابتداءً من المقالة والخاطرة وانتهاءً بتقنيات الفنون المركبة: الروائية بألوانها التاريخية والاجتماعية والسياسية والفلسفية، وفنون المسرح السياسي والاجتماعي والإنساني العام، دون أن نُسقط من حسابنا كتابة الرسائل والمذكرات وصياغة الحكايات والأبحاث في مستوى لغوي يعلو على المستوى الوظيفي الأول.وما سبق أن قلناه في مراعاة التكوين اللغوي، في شتى جوانبه: لغةً ونحواً وإملاءً، يصدق هنا، مع دراسة وافية للنقد العربي القديم، ومدارس النقد الحديث ومذاهبه، وصلتها بعلوم البلاغة والنحو واللسانيات النقدية، والإطلاع على النتاج الأدبي والثقافي، في ساحته المحلية والقومية والعالمية، والإفادة من التجارب والخبرات الذاتية.على أننا نتوقف عند الخاطرة والمقالة حصراً، بوصفهما فنين من فنون الأدب، قريبين من طبيعة الموضوع المطروح، يتناولهما أن الخاطر مع الرسالة والمذكّرة والتقرير وحكاية الوقائع، وتوجيه التعليمات والإرشادات والتفسيرات، وصياغة المواد الإعلامية المختلفة، في المراكز الوظيفية: في الصّحافة وفي الحياة العامة. والمعروف أن هذين الفنين من فنون التعبير احتضنتهما الصحافة، في صفحاتها الداخلية وزواياها المختلفة، بصرف النظر عن ظهور المقالة في صورة ما، ممزوجة بالحكاية، في تراثنا القديم، في ثوب (المقامة) أحياناً بخصائصها اللغوية المفردة، وفي بعض ككتب الأسمار والمواعظ والخطب المدوّنة في كتب التاريخ والأدب ككتب أبي حيان التوحيدي مثلاً (الإمتاع والمؤانسة، والصداقة والصديق، وأخلاق الوزيرين). وفصول بعض الكتب، مثل رسالة سهل بن هارون وغيره في (بخلاء) الجاحظ. ونصدر، في هذا الرأي، عن عدّ المقالة قطعة محدودة من الكلام، تُستوفى فيها فكرة أو يُعرض فيها رأي، أو يروى خبر أو تحكى حكايته. وتتصف، في الجملة، بتوافر جملة من سمات الجمال اللغوي، تشفّ صياغتها عن حساسية ملحوظة وحيوية في التصور أو التصوير، إضافة إلى حرارة الروح وسطوع الأثر الذاتي. والمقالة الفنية اليوم، وفي رحمها نمت الخاطرة الأدبية، تنشغل بمجريات الحياة، على صعيد المعاناة العملية أو صعيد التأمل الفكري. يختلط في معالجتها ما هو ذاتي بما هو موضوعي، وينضم الماضي إلى الحاضر، والبعيد إلى القريب، والهزل إلى الجدّ. وتصاغ اللغة فيها صياغة مرهفة قريبة من منافذ الحساسية الشْعرية. وتبلغ حدًّا من المرونة يسع بعض عناصر الصنعة الفنية في الأجناس الأدبية الأخرى (انطلاقاً من اختراق الحدود بين الأجناس الأدبية منذ أيام شكسبير) ([33])، تستعين بها على استنفاد الإحساس بالفكرة أو بحرارة الموقف، وبث الحياة في التعبير عنهما، مثل: صور السرد والحوار وتصوير الشخصيات من فنون القص، ومثل: الصور البيانية ومعطياتها وحساسية الصياغة من فنون الشعر. ثم إنها تتطلب قدراً خاصًّا من الشفافية والنفوذ، وحيوية الروح، والميل إلى الفكاهة والسخرية، مع الاحتفاظ بجدّية النظرة الأخيرة إلى الأشياء، وقدْراً كبيراً من وضوح الرؤية، مع فاعلية القدرة على الإيحاء الخفي، والقرب الدائم من ينابيع النفس الداخلية.وتنفرد الخاطرة الأدبية- وقد نشأت في رحم المقالة الفنية كما قلنا- بشدّة تكثيف النظرة في الفكرة المطروحة، وبقدر أكبر من التركيز والنفوذ والقدرة على الجمع بين المفارقات.والمهم في الحالين أن نجعل من هذا الكلام المنسوج من الخاص والعام، ومن القريب والبعيد، ومن الفكر والعمل، أثراً فنياًّ متماسكاً، مشدود الأطراف، سويّ الخلقة، مستساغ الطعم، قادراً على أن يشدّ القارئ إليه، يمتعه ويفيده في وقت واحد.والمؤسف أن يذوى هذا الجنس الأدبي في صحافتنا اليوم، على ما أصابت من النمو في أنحاء وطننا الكبير عامة. إن أكثر ما يكتب في صحافتنا اليوم؛ مما ينسبه أصحابه إلى هذا الجنس الأدبي منحول النسب، مقتصر على شؤون البحث والدرس، يهتم بالجانب المعرفي وحده، ويغفل عن الجانب الفني. لغته مسطحة، قد تملك قدرة التعبير، ولكنها لا تملك قدرة الإيحاء، والارتقاء إلى المستويات اللغوية والجمالية والأسلوبية العليا التي تتجاوز قدرة التعبير الوقتي عن حاجات الفكر الأدبي([34]). قطع نثرية محدودة تنطفئ قيمتها الأدبية بانطفاء اليوم الذي كتبت فيه. ولنذكر هنا أن المازني والرافعي كانا نجمي الكتابة المتفردين في الوفاء بخصائص الكتابة في هذا الجنس، من جيل الرواد في القرن الماضي (صندوق الدنيا مثلاً، ووحي القلم).إن توافر القيمة الفنية في هذا الجنس الأدبي، مثل سائر الأجناس الأدبية، يتأتى من الجمع بين جمالية الشكل في التعبير: (اختيار الدوالّ وصياغتها الموحية، وموسيقا النفس وحرارتها)، وطرافة المضمون، دون أن يَعني هذا أدنى الفرقة بينهما، فالشكل فيها وفي كل شكل تعبيري فني، هو صوت المضمون، والمضمون هو روح الشكل([35]). والمتعة في الفن يكوّنها الذوق والوجدان والفكر مجتمعة. يصدق هذا في نسب متفاوتة على فنون الأدب كلها شعراً ونثراً. وليس يعني قولنا: "إن الشعر يؤدي وظيفته عن طريق المتعة الفنية"، غير ما أعنيه هنا، إذ ليس إرهاف الحس وتحرير الروح وصقل الوجدان، عن طريق اللعب الفني باللغة أموراً هينة لا تعني شيئاً في ميزان الوظيفة الفنية، إن لم تكن أعلاها وأبقاها فيه.وما يصدق على المقالة والخاطرة في الصورة التي حددناها يصدق على الرسالة حين تكتب بهذه الروح فضلاً على ما يزيد فيها من مساحة الإحساس بالحرية، إذ تنطق النفس، في نجوة من المراقبة، بما قد يتعذر النطق به ووجدان المبدع معبأ بحضور المتلقي، مهما توارى عنه. وصحيح أن الكتابة، على أي نحو تكون، هي، في قرارتها، رسالة، ولكنها هنا – من الناحية النفسية- رسالة على الحقيقة المطعّمة بالمجاز، لا على المجاز المطعّم بالحقيقة.وقد جُمعت بعض الرسائل في تراثنا القديم. وعسى أن ينشط آخرون لجمع ما نعرف منها في كتب التاريخ والأدب واللغة وغيرها، فإن فيها قدراً كبيراً من حقائق أنفسنا وتاريخنا وثقافتنا، موزعاً على نحوٍ يحسن أن يُجمع من أطراف هذه الساحة الواسعة، ويُدرس دراسة منهجية تتحدد فيها خصائصه وقيمه الفكرية والجمالية.وفي أدبنا الحديث لفتت الرسالة، بصفتها جنساً أدبيًّا. انتباه فريق من أدبائنا. برز منهم الرافعي في (أوراق الورد). وجمعت بعض الرسائل الخاصة: مثل رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان (وقد أثارت جدلاً عريضاً دار من حول التوقيت)، ورسائل قليلة لجبران([36]) وماري زيادة([37]) وغيرهما. وقد تكشف هذه الرسائل خفايا وقائع كثيرة انطمس أثرها أو بَهَتَ في حياتنا الأدبية، إضافة إلى جماليات التعبير المتجلية في طاقات النثر فيها وموسيقاه الداخلية الخفية.والرسالة، مثل المقالة، تسع الاستعانة بجوانب من تقنيات السرد والتصوير الشعري، على نحو يجعل منها جنساً أدبيًّا لم تُسْتَغَلَّ طاقاته استغلالاً مواتياً إلى اليوم. وأحسب أن المذكرات أو اليوميات حين تكتب بهذه الروح، تتجلى فيها الخصائص نفسها، إلا أن الحرية هنا تكون في حدودها شبه النهائية، إذ ما يزال يساور كاتبها الإحساس باطلاع الآخرين عليها في نهاية الأمر.ونصل بعدها إلى كتابة الحكايات والقصص، فهي في مستواها اللغوي الأول تكاد تكتفي بأن تكون حكاية وقائع، لا يُسأل فيها، إذا تجاوزنا حكاية الواقعة (الحدث)، عن غير السلامة اللغوية واختيار المفردات الواضحة الدلالة، على أساس الخبرة اللغوية المجتمعة من قراءات الكاتب وخبراته. فأما وقد ارتفعنا بمستوى اللغة في الكتابة القصصية إلى مرتبة الإبداع، فلا بدّ من تطلع المبدع إلى الإحاطة العميقة بتِقْنيّات السرد العامة.* * *
كنا، أيامَنا، نسمي فن التعبير الكتابي باسم (فن الإنشاء) Composition ويعني، في الفرنسية: تكوين كلّ مجتمع (أو جمع الكلّ) من المفردات المتفرقة Former un tout ([38]). ويستدعي، كما قلنا في المستوى الإبداعي: تجويد المهارات اللغوية، في اختيار الألفاظ الدالة على الأشياء وألوان الشعور والأفكار، وألوان الصور وطريقة بنائها وتركيبها إلى الحد الذي يصبح فيه للمبدع لغة خاصة يستولدها من إحساسه الخاص بالأشياء، تنطلق من المعجم ولكنها لا تعود إليه، في التعبير عن حساسيته التي فُطر عليها، وأغنتها وهذّبتها الخبرة والتمرس، وتصفح التجارب الفنية المحلية والقومية والعالمية من حـوله، وقوة وعيه بانتمائه الذاتي إلى لغته وامتلاكِ القدرة على تطويعها وتقريبها من واقع الحياة التي يحياها ([39]). وشفافيتُها عن قدراته الذهنية والنفسية وعما هو جوهريٌّ فيه (الفكر والشعور)، شروطٌ حيويٌّ يجعل المبدع، في حال تحقيقه، يلعب لعبته الفنية وهو في أقصى حساسيته المفطورة والمثقفة.
وينفعه بعد هذا الإطلاعُ على أحدث النظريات النقدية والانتفاعُ بها دون الارتهان لها، ودون الانسياح وراء لفظة (التجديد) الساحرة والخطرة معاً، على حد تعبير أحد نقادنا([40])، إلى جانب الإفادة من الحقائق النقدية في بلاغتنا التقليدية والتيارات النقدية اللغوية الحديثة،( علم الأسلوب، والسيمياء، وقراءة النص وتأويل معانيه)، إفادّة واعية ترصد في ظواهره الأسلوبية ما تعنيه المقابلاتُ بين المفردات في توافقها وتنافرها، من معاني الشك والتأكيد والإثبات والنفيِ والتقليلِ والترجيح، وما تثير في النفس من ضروب الإحساس بالراحة والتوتر والرضا والسّخط. وما تعني الأفعال المختارة والأسماء الجامدة، وما تعني الحقائق والمجازات وأنواعُها وألوانُ الخبر والإنشاء (دواعي الذكر والحذف، والتقديم والتأخير، والأمر والنهي، والالتماس والتعريض... الخ). من معاني التباعد والتقارب، وما يتولد عنها من الشِّحنات الدَّلالية، وما يتجلى فيها من قدرات المبدع وطاقاته في الاستيلاء على حساسية المتلقي
________________________
المصادر والمراجع
- أحمد الشايب، مقالته (الأدب المصري كيف يكون) نشرت في جريدة وادي النيل، 26 ربيع الثاني 1347هـ- أكتوبر سنة 1928م. ونقلها أحمد درويش في كتابه (أحمد الشايب ناقداً) ص 155 وما بعدها.
- أحمد محمد ويس: ثنائية الشعر والنثر في الفكر النقدي: بحث في المشاكلة والاختلاف، وزارة الثقافة- دمشق 2002م.
- أحمد الهواري: بحث (الألفاظ السامية في كتاب شفاء الغليل للخفاجي) للدكتور علاء القنصل من كتاب (شكري عياد- جسور ومقاربات ثقافية) عين للدراسات والبحوث القاهرة 1995.
- إسماعيل مروة ومروان البوّاب: دليل الأخطاء الشائعة في الكتابة والنطق- دار الرضا للنشر بدمشق 2000
- الثعالبي (ابو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل): فقه اللغة وأسرار العربية- تحقيق: ياسين الأيوبي- المكتبة العصرية-صيدا وبيروت 2002م.
- رجاء النقاش: دعاة الانعزال في مصر (ابتداءً من ص68-108).
- ريموند بارت R .Barhes: الكتابة في درجة الصفر. ترجمة: محمد نديم خشفة- مركز الإنماء الحضاري- حلب 2002م.
- عادل فريجات: آفاق ثقافية- مطبعة اليازجي- دمشق 2003م.
- عبد الكريم الأشتر:ألوان: قراءة في بعض المواقف الإنسانية والحركات الأدبية- دار الرضا للنشر بدمشق 2003م.أوراق مهجرية: (بحوث ومقاربات، أحاديث ومحاورات، رسائل)- دار الفكر بدمشق 2003م.الصدى: مذكرات- دار الثريا بحلب 2001م.فواصل صغيرة في الفكر والثقافة العربية- دار طلاس بدمشق 2002م. المقتطف من مجالس الوجد وأحاديث الألفة والسمر- دار الثريا بحلب 2002م. مسامرات نقدية – دار القلم العربي بحلب 2002م.رد على استفتاء الأمين العام للمكتب الدائم لتنسيق التعريب في العالم العربي (عبد العزيز بن عبدالله) جريدة العلم المغربية- العدد 6170 تاريخ 14/4/1967م. بحث بعنوان (العربية في مواجهة الواقع القائم) على حلقتين في جريدة تشرين (الملحق الثقافي: مدارات) 20 و 27/12/2003م. بحث بعنوان: الناقد اللغوي مصطفى ناصف- رمى إلى تصحيح مقاييس الحياة عبر تصحيح مقاييس النقد- الملحق الثقافي لصحيفة تشرين (مدارات) العدد 176 تاريخ 4/4/2004م.
- كاتب ياسين: تعريف به وكلام له (نقلته: جازية سليماني) صحيفة البعث الدمشقية- العدد 11972 تاريخ 9/1/2003م.
- ليلى المكي- حوار في صحيفة البعث بدمشق، أجرته: أمينة عباس- العدد السابق نفسه 11972 تاريخ 9/1/2003م.
- ماجدة حمود: رواية الحب السماوي بين جبران خليل جبران ومي زيادة- دار الأهالي بدمشق 1997م.
- مازن المبارك: مقالات في العربية- دار البشائر بدمشق، 1999، بحث بعنوان: (قواعد الإملاء عند القدماء والمحدثين).
- محمد مندور: الأدب وفنونه- معهد الدراسات العربية العالية- القاهرة 1963م.
- ميشيل أديب: فن التعبير- حمص (مطبعة ابن الوليد) 1963م.
- والتر ج. اونج Walter j. Ong : الشفاهية والكتابية- عالم المعرفة (العدد 182) شباط (فبراير) 1994م.
- يعقوب الغنيم: ألفاظ اللهجة الكويتية في كتاب لسان العرب- مركز البحوث والدراسات الكويتية- الكويت 1997م.