التكامل المعرفي بين علوم العربية:النحو، الصرف، الإملاء، البلاغة وأصول النحو
د. ربيعة العمراني الإدريسي
أصبحت فكرة التكامل بين المعارف والعلوم, في السنوات الأخيرة من أكثر المواضيع اهتماما في الأوساط العلمية والأكاديمية. وطالت مجالات متعددة منها العلوم الإنسانية والاقتصادية و البحتة و علوم الإدارة و التسيير و التربية وغيرها, تهدف هذه المقاربة إلى انفتاح العلوم على بعضها البعض، وتناصها وتناظرها, وتسهم في رحلة المصطلحات والأفكار من حقل علمي إلى آخر بسلاسة كبيرة وذلك من أجل رؤية شمولية وعميقة في البحث العلمي تحقق ازدهارا ونهوضا لهذه الأمة، وتجد حلولا للإشكاليات المطروحة في كل حقل علمي. وأصالة هذه الفكرة نابعة من كون "القرآن المنطلق الأسمى للشمولية والتكاملية العلمية"( )1، وفهم دلالاته و سبر أغواره يستلزم تكاملا معرفيا لأنه نص تتجاذبه مجموعة من المعارف والعلوم، بل كان المحرك الأساس وراء النهضة العلمية التي عرفها العالم الإسلامي والمحفز لنشأة عدد من العلوم العربية والإسلامية وتطويرها, فالنحو نشأ بسبب خطأ في قراءة النص القرآني, والبلاغة تطورت في أحضان الإعجاز. وأصول النحو استفاد كثيرا من أصول الفقه الذي يستنبط الأحكام من هذا النص المعجز.
انعقدت ندوات و ملتقيات تسعى إلى التنظير لمنهجية التكامل المعرفي و تنزيله على أرض الواقع, منها: اﻷيام البيداغوجية اﳉامعية السادسة ﰲ موضوع: التكامل اﳌعرﰲ بﲔ العلوم ودوره ﰲ اﻹصﻼح اﳉامعي، وذلك أيام: السادس والسابع والثامن ﲨادى اﻷوﱃ سنة تسع و عشرين و أربعمائة و ألف للهجرة(1429 هـ) اﳌوافق لـ: الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر ماي سنة ثمان بعد الألفين للميلاد (2008م). والذي نظمه اﳌنتدى الوطﲏ للتعليم العاﱄ والبحث العلمي – فرع فاس، بتعاون مع اﳌعهد العاﳌي للفكر اﻹسﻼمي واﳌركز اﳌغرﰊ للدراسات واﻷﲝاث التربوية، وجامعة سيدي ﳏمد بن عبد اﷲ، وجامعة القرويﲔ، وكلية اﻵداب والعلوم اﻹنسانية سايس – فاس. ركز الملتقى على أهمية التكامل المعرفي في الإصلاح الجامعي وانسجامه مع التصور المعرفي الإسلامي ،حيث إن المسلمين بلغوا العالمية بفضل شمولية معارفهم وتنوعها وتكاملها، وأبرز دلالات هذا التكامل مؤلفات موضوعات العلوم و تصنيفها كما هو الشأن عند ابن خلدون ( )2، واعتبر الملتقى اعتماد المقاربة بالكفايات في الإصلاح الجامعي دليلا هاما على استشعار أهمية التكامل المعرفي بين العلوم, وقدم نموذجا تطبيقيا لهذا التكامل بالتعليم الجامعي من خلال تجربة الجامعة الإسلامية بماليزيا.
ومن هذه الملتقيات أيضا، الملتقى الوطنى الأول، الذي نظمه مخبر معجم المصطلحات اللغوية والبلاغية في التراث العربي بجامعة فرحات عباس ، سطيف ، الجزائر، تحت عنوان: التكامل المعرفي بين علوم اللغة والأدب يومي الحادي عشر و الثاني عشر مايو سنة إحدى عشرة بعد الألفين ميلادية (2011م)والذي نبه على خطورة التفريق بين الأدب و علوم اللغة و دعا إلى استنهاض الهمم من أجل إعادة الترابط و التكامل بينهما.
بل أُحدثت وحدات و مختبرات بالجامعات العربية و المغربية تحمل عنوان التكامل المعرفي منها وحدة:التكامل المعرفي بين العلوم الإسلامية( )3 بكلية الآداب و العلوم الإنسانية ,جامعة الحسن الثاني , بالمحمدية. ومختبر الترجمة وتكامل المعارف بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض- مراكش والذي نظم الملتقى الوطني الأول للطلبة الباحثين بسلك الدكتوراه في الدراسات العربية في موضوع: " أهمية التكامل المعرفي بين علوم العربية في فهم القرآن الكريم " يومي الخامس و العشرين و السادس و العشرين ذي الحجة سنة أربع و ثلاثين وأربعمائة و ألف للهجرة (1434 ه) الموافق لثلاثين و واحد و ثلاثين أكتوبر سنة ثلاث عشرة بعد الألفين ( 2013م) .بل إن وحدات تحقيق المخطوطات ، ومنها " تحقيق تراث الغرب الإسلامي بين مناهج القدماء و المحدثين" برئاسة الأستاذة سعيدة العلمي، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ، ظهر المهراز ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس " تمثل النموذج التطبيقي لهذا التكامل حيث تتضافر علوم اللغة من معجم ونحو وصرف وبلاغة ينضاف إليها العروض والقافية في النصوص الشعرية لتقدم للنص قراءة سليمة من حيث اللغة والإعراب والأسلوب والإيقاع. وتخرج النص في صورة قريبة مما تركه عليها المؤلف.
إن الاهتمام بالتكامل المعرفي كان نتيجة طبيعية لشيوع مقولة اتساع العلوم وضرورة التخصص التي استثمرت في غير وجهها المستحق ، فعلى مستوى التكامل بين علوم اللغة والأدب مثلا أصبح العروضي لا يهمه في النص إلا الوزن و الضرورة، والناقد لا يلتفت إلا إلى الرؤية والإيديولوجية، واللغوي لا يهتم بغير معيار الصحة و الصواب، بل ظهرت فجوة كبيرة في القدرة على التواصل بين من يتخصصون في العلوم الإنسانية ، ومن يتخصصون في العلوم الطبيعية والتطبيقية. فبرز توجه جديد يدعو إلى تكامل المعارف وفق هذه الثلاثية "الما بين التخصصات"و"تعددية التخصصات"و"تعدية التخصصات"التي نص عليها التقرير العالمي حول العلوم الاجتماعية لسنة عشر بعد الألفين للميلاد (2010م), و المتمحور حول تقاسم المعرفة, بل تحدث عن موجة ""ما بعد التخصصات" التي تقتضي نهج مقاربة جديدة ومبدعة تستحضر جميع التخصصات سواء في حقل العلوم "البحتة" أو الطبيعية أو العلوم الإنسانية ومنها العلوم الاجتماعية"( )4.
و المتأمل في تراثنا العربي يلحظ اتصاف العلماء القدماء بالموسوعية و الشمولية الثقافية، وإيمانهم العميق بالتكامل المعرفي بين العلوم.
ويعد التكامل المعرفي بين علوم اللغة والأدب نموذجا واضحا في هذا المجال، إذ اعتبرتهما الثقافة العربية توأمين يتقاطعان ويتكاملان, ولا يعمل أحدهما بمعزل عن الآخر حيث كان الأديب في تراثنا العربي يقوِّم لسانه و يصحح لغته باطلاعه على علوم اللغة من نحو و صرف و بلاغة وعروض .
وكان اللغوي شديد الصلة بنصوص الأدب يتفحصها, وينمي بها ذوقه ليصبح قادرا على بلاغة الأداء .بل لم تنشأ علوم اللغة إلا لإدراك جمالية النصوص و أدبيتها, و لا يمكن تصور الخوض في نقد النصوص و مقاربتها دون التسلح بهذه العلوم .
شبكة ضياء