
محاضرة ألقيت في مقر مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية بمكة المكرمة
في مساء يوم السبت 21 / 11 / 1436هـ الموافق 5 / 9 / 2015م
المحاضرة بالصوت والصورة في قناة المجمع على اليوتيوب على الرابط:
لتحميل نص المحاضرة:
بسم الله الرحمن الرحيم
النموذج الصرفي التراثي.. هل فهمه الدارسون؟
أ.د. محمد سعيد ربيع الغامدي
1 ـ وقفة مع العنوان:
قد يتساءل من ينظر في هذا العنوان في شقه الأول عن كلمة "نموذج"، ما معناها؟ ولماذا لم يأت بدلا منها: "علم الصرف"، أو "نظرية الصرف" مثلا؟ وسأؤجل الإجابة عن هذا التساؤل إلى وقت لاحق؛ لأني أولا: سأقف مع هذا المفهوم في مقطع قادم من هذه المحاضرة، وثانيا: أرجو أن تتضح صورة المفهوم من خلال العرض الآتي.
أما الشق الثاني من العنوان، وهو السؤال، فيبدأ بأداة الاستفهام "هل". والسؤل بـ "هل" كما هو معلوم يقتضي الإجابة بنعم أو لا. وأرجو أن تتبين الإجابة في نهاية العرض الآتي كله إن كانت بنعم أو لا، كما أدعو حضرات السادة الحاضرين هنا ليقولوا بناء على ما يسمعون إجابتهم في مداخلاتهم. إذ إن أفكار هذه المحاضرة لن تحيا إلا بمداخلات الحاضرين وتعقيباتهم ورؤاهم.
***
2 ـ مفهوم علم الصرف وصورته الذهنية عند الدارسين:
لو استعرضنا تعريف علم الصرف من خلال عبارة الحد المنطقي التي تشيع وتُتناقل في عامة الكتب، وهي قولهم: إن علم الصرف (أو التصريف كما كان يسمى) هو: "علم بأصول يُعرف بها أحوال الكلمة التي ليست بإعراب ولا بناء". ولو تأملنا الشرح المبثوث في كتب الدارسين وبحوثهم لهذا التعريف، وأضفنا إلى ذلك ما يستقر في عقول كل متصل بعلم الصرف من طلاب العلم والباحثين عن مفهوم الصرف وماهيته لخرجنا من كل ذلك بصورة ذهنية قارة عن العلم تتلخص ملامحها في الآتي:
1 ـ علم الصرف هو علم صياغة المفردات. إذ هو العلم الذي إن أتقنتَه واستوعبتَ قواعده وقوانينه استطعتَ الإتيان بصيغ التصغير والنسب والمشتقات والجموع... إلخ، بكل سهولة ويسر.
2 ـ علم الصرف هو الذي يحمي الألسنة من اللحن والخطأ في المفردات؛ إذ هو الذي يكشف لنا مثلا خطأ كلمة "مُلفت" الشائعة على ألسنة كثيرين الآن، وأن الصحيح أن يقال: "لافت"؛ لأن فعلها ثلاثي وهو "لفت". وهو الذي يبين لنا خطأ كلمتي "مبيوع" و"مُباع" الشائعتين بدلا من "مبيع". وهو الذي يجعلنا نتنبَّه إلى أننا نقول: (أقمنا مُقامًا بضم الميم) و(قمنا مَقامًا بفتح الميم) نظرا إلى كون الفعل في الأول رباعيًّا وفي الثاني ثلاثيًّا. وهو الذي يجعلنا نقول في النسب إلى طيّ: طووي، وإلى حيّ: حيوي... إلخ.
3 ـ إذا كان علم النحو هو علم التركيب، أو هو بعبارة أخرى: العلم الذي يبين علاقات الكلمات ببعضها في الجملة، فإن علم الصرف هو علم البنية، أي: المفردة وحدها دون علاقة مع غيرها. وإذا كان علم النحو يعنى بحركة الحرف الأخير في الكلمة (حرف الإعراب) فإن علم الصرف يتكفل بحركات الحروف الداخلية. وبهذا يغطي الصرف ما لا يغطيه النحو من الكلمة.
هذه النقاط الثلاث تُلخص مجمل الصورة الذهنية لعلم الصرف عند كل مشتغل به وكل متصل به. ولا أظن أنَّ أحدًا يداخله أدنى شك في أن هذه الصورة الذهنية هي صورة علم الصرف العربي الحقيقية.
فهل هذه الصورة صحيحة؟
الجواب: لا، ليست الصورة صحيحة.. إلا باعتبار معين سأذكره لاحقا.
****
3 ـ الميزان الصرفي، ما هو؟ وما أهميته؟
يجمع الدارسون قاطبة على أهمية الميزان الصرفي، وعلى أنه آلة العلم. ولم أجد أحدًا من الدارسين قلل من أهميته، أو ذكر أنه أمر ثانوي يمكن إسقاطه أو يمكن الاستغناء عنه. لكني لم أجد ـ على ما بحثت ـ من دلني على وجه هذه الأهمية، وعلى مسوغ واضح يبين كونه عمود العلم وركنه الذي لا يمكن تصور العلم من غيره. بل وجدت مجمل ما قيل في بيان أهمية الميزان لا يخرج عن الأمور الآتية:
1 ـ الميزان يبين الأصلي والزائد في الكلمة، وهذا خطأ بيِّن؛ إذ لو لم تعرف أن الهمزة والسين والتاء في كلمة "استغفر" مثلا زائدة، والغين والفاء والراء أصلية ما عرفت أن وزنها "استفعل". ومعلوم أن ما يبين الزائد والأصلي في الكلمة عند أهل الصناعة إنما هو أحد ثلاثة أشياء هي: الاشتقاق وعدم النظير والغلبة، وتسمى: "أدلة الزيادة". والغريب أن عددًا لا بأس به من الدارسين المتخصصين يقول هذا، مع غرابته وظهور خطئه؛ إذ لم يقل القدماء بذلك كما ذكرت.
2 ـ الميزان وسيلة لتعليم علم الصرف. فهو يدل المتعلم على محل فاء الكلمة وعينها ولامها، وحركة كل واحد من الفاء والعين واللام أو سكونه. ويدل على التغييرات الحاصلة في الكلمة في حروفها وحركاتها. وهذا الأمر ـ إن صح ـ يجعل من الميزان آلةً لتعليم العلم وليس آلة للعلم، وفرق بين العلم وتعليمه. ومن ثم لا يكون الميزان ركنًا ركينا في العلم لا يقوم العلم إلا به.
3 ـ الميزان وسيلة للاختصار، فقولك في "استغفر" مثلا إنها على وزن "استفعل" يختصر أمورًا كثيرة ويغني عن قولك: إن همزة الوصل والسين والتاء زائدة، والغين حرفها الأصلي الأول وهي ساكنة والفاء حرفها الأصلي الثاني وحركتها الفتحة والراء حرفها الأصلي الثالث. وواضح أن كون الميزان وسيلة اختصار ليس له أهمية كبيرة، ولا يعد بذلك آلة للعلم وركنا فيه لا يمكن سقوطه.
أجزم أنا أن الميزان عمود علم الصرف وركنه الركين الذي لا يقوم إلا به، ولكن ليس من جهة أي واحد من الأمور الثلاثة المذكورة، بل من جهة أخرى سيأتي ذكرها بعد قليل.
****
4 ـ التبويب الصرفي:
التبويب في العلوم ـ ولا سيما علوم الآلة، وقد تسمى "العلوم المعيارية ـ ركيزة أساسية، وليس أمرًا جانبيًّا أو هامشيًّا البتة. ذلك أن الأبواب النحوية في علم النحو مثلا تمثل قضاياه الرئيسة التي يكوِّن مجموعُها فلسفة العلم كلها وجوهر ماهيته. فلا يمكن تصور النحو بلا أبواب الفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر والحال والمستثنى والتمييز؛ لأن سقوط أي باب منها يسقط معه أحد الأجزاء المكونة لجسم علم النحو. نقول هذا مع أننا نعلم أنه يمكن إسقاط مبحث الاشتغال أو الاختصاص مثلا. والسبب واضح هو أن مبحثي الاشتغال والاختصاص مثلا يعودان إلى بعض الأبواب النحوية (الفاعل والمبتدأ والمفعول) فهما ليسا من "الأبواب" النحوية بهذا المعنى. وبهذا يُعلم أن في هذه العلوم "أبوابًا" تشكِّل جزءًا من جسم العلم وواحدة من قضاياه التي بسقوطها يسقط جزء منه، وفيها ما يعد من مباحثه التابعة لباب من أبواب العلم أو أكثر كما مر.
والمتتبع لكتب الصرف يلحظ أمرًا واضحًا جدًّا في الأبواب التي اشتملت عليها، هو خلو الكتب المتقدمة من أبواب كثيرة لم تظهر إلا في مرحلة متأخرة جدًّا، أي بعد عدة قرون من ظهور أول كتاب مستقل في الصرف مشتمل على أبوابه هو كتاب "التصريف" للمازني. فكتاب المازني (وشروحه التي تسير على وفقه، منها المنصف لابن جني وشرح الثمانيني) وكتاب الملوكي لابن جني، وكتاب التتمة في التصريف لابن القبيصي، وكتاب الممتع لابن عصفور، وغيرها، خلت من عددٍ كبير من الأبواب جاءت في جميع الكتب المتأخرة منها كالشافية وشروحها وشذا العرف والكتب الحديثة في الصرف. هذه الأبواب هي: التصغير، والنسب، والتكسير، والتثنية، والمشتقات، والمصادر.
أما كتب المرحلة المتقدمة التي أشرت إليها قبل قليل فلم يكن فيها إلا بابان اثنان، هما: باب الأبنية مجردة ومزيدة وباب الإعلال والإبدال. وهناك مبحث (ولا أعده أنا بابًا للسبب المذكور آنفًا) متعلق بالمجرد والمزيد هو مبحث الزيادة (حروف الزيادة، موضع زيادتها... إلخ). أما مسائل التمرين فهي مجرد تطبيقيات سيأتي الحديث عنها بعد قليل.
ما دلالة خلو الكتب المتقدمة من هذا العدد الكبير من الأبواب، واشتمال الكتب المتأخرة عليها؟ للإجابة عن هذا السؤال بصورة منطقية مقبولة ينبغي أن يقال: إن الأمر لا يخلو بالضرورة من أحد احتمالين:
1 ـ إما أنَّ هذه الأبواب ليست في حقيقة الأمر من "أبواب" العلم الحقيقية التي تشكل جزءًا من جسمه، وكتلة من قضاياه الأساسية (وذلك بالمعنى المتحدَّث عنه آ نفًا في الاشتغال والاختصاص من علم النحو مثلا). فهي على هذا مباحث تابعة لا غير، ودخولها في مرحلة متأخرة ربما كان من قبيل التحسين والإضافة، دون أن يقتضي ذلك بالضرورة تغيرًا كليًّا في وجه العلم.
2 ـ وإما أنها "أبواب" حقيقية، ويعد كل باب منها كتلةً من جسم العلم، وجزءًا لا يُستغنى عنه من قضاياه الأساسية. وهذا معناه أن قضايا العلم قد تغيرت في المرحلة المتأخرة عما كانت عليه في المرحلة المتقدمة، ولا بد إذن من أن يكون العلم قد تغير بتغير قضاياه. فإذا نظرنا إلى حجم ما أضيف من الأبواب من حيث عددُها وسعتُها قلنا أيضًا إن هذا التغير لا بد أن يكون تغيرًا جوهريًّا.
ولا يثبت عند التمحيص إلا هذا الاحتمال الأخير. أما الاحتمال الأول فلا وجه له فيما أرى، ولا مسوغ للقول به؛ وذلك لما سيتضح عند النظر إلى الوجه الذي جاءت عليه الأبواب في كلتا المرحلتين (المتقدمة والمتأخرة): ما كان مقتصَرًا عليه في الأولى، وما كان معدومًا فيها ثم ظهر في الثانية.
إذا نظرنا أولا: إلى البابين اللذين كانا في المرحلة المتقدمة، وهما: باب الأبنية (مجردة ومزيدة) وباب الإعلال والإبدال، فسنجد أن حصر الأبنية (أوزان الأسماء والأفعال) من الصحيح في الباب الأول إنما هو توطئة لما يعقبه في باب الإعلال والإبدال بما فيه مما يقابل أبنية الصحيح من الذي حصل فيه إعلال وإبدال وتغيرت بسبب الإعلال والإبدال صورته الصوتية عن مثله من الصحيح. فنجد مثلا من أبنية الأفعال الثلاثية المجردة من الصحيح:نصَر وفرِح وشرُف ويقابلها من المعتل: قال وخاف وطال. ومن الثلاثي المزيد بواحد من الصحيح: أكرم، ويقابله من المعتل أقام، ومن المزيد باثنين من الصحيح: انكسر، ويقابله: انقاد، ونحو استغفر يقابلها: استقام، وهكذا. والأمثلة كثيرة على المشدد والمبدل لا أطيل بذكرها.
ثم إذا نظرنا ثانيًا: إلى الميزان الصرفي وتأملنا فيما يمكن أن يقدمه لنا من فائدة واضحة وملموسة في التحليل فإننا سنجد أن الكلمات العربية التي نزنها بالميزان (أسماء وأفعالا، مجردة ومزيدة) لو كانت كلها من الصحيح ولم يدخلها إعلال أو إبدال (كـ نصر ودحرج وأكرم وقاتل واجتهد واستغفر وفرس وجعفر... إلخ) ما احتجنا إلى وزنها؛ إذ إنها صوتيا تدل على وزنها. وما فائدة أن أقول: نصر على وزن فعَل، واستغفر على وزن استفعل، وأكرم على وزن أفعل... إلخ. لكن حينما أجد من الكلمات نحو "استقام" في مقابل استغفر، و"أقام" في مقابل أكرم، و"انقاد" في مقابل انكسر... إلخ، فإن نحو "استقام" مثلا يكون ردها إلى مقابلها "استغفر" الواضحة الوزن لأنها دالة صوتيا عليه يبين أنها استفعل، فيعرف أنها "اسْتَقْوَمَ" المطابقة صوتيًّا للميزان، فيعرف بذلك أن هذه البنية قد حصل فيها نقل وقلب. فإذن هنا يحضر الميزان، وهنا يعمل وتتضح أهميته. ونستطيع الاطمئنان إلى القول: إن الميزان لا فائدة منه في غير الكلمات التي حصل فيها إعلال وإبدال فتغيرت صورتها صوتيا عن مثيلها من الصحيح، وأنه بالميزان يُعرف ما كانت عليه من قبل وما آلت إليه الآن، فيعرف ما حصل فيها من تغيير. فهو إذن آلة الضبط في المعتل لا غير. وبعبارة أخرى واضحة أقول: إن الميزان الصرفي لم يأت إلا لوزن المعتل، وذلك ببيان وزنه المخالف صوتيًّا بالضرورة لصورته الحالية، المطابق لما كان عليه قبل الإعلال، والمطابق أيضًا لمقابله من الصحيح.
يتضح من الملحوظتين السابقتين معًا أن اقتصار المؤلفات القديمة على ضبط أوزان الأسماء والأفعال مجردة ومزيدة من الصحيح، مع بيان وجه أصالة الحرف الأصلي وزيادة الزائد منها، ثم الانتقال إلى ضبط ما يقابلها من الأبنية المعتلة، يدل دلالة واضحة لا لبس فيها على أن قضية الصرف الأساسية في تلك المرحلة هي البنية المعتلة وضبط ما حصل فيها من تغييرات صوتية، ليس غير.
لا غرابة إذن في عدم وجود أبواب التصغير والتكسير والمشتقات... إلخ في المرحلة الأولى؛ لأن قضية الصرف كانت في تلك المرحلة مقتصرة على ضبط ما حصل في أبنية المعتل من إعلال، ومعرفة ما كانت عليه البنية قبل الإعلال وكانت به متطابقة مع مثيلها من الصحيح، وما آلت إليه بعد أن حصل فيها النقل أو القلب أو الإدغام. ولا غرابة أيضًا في أن يأتي مبحث "مسائل التمرين" بعد باب الإعلال. بل إن وجود مسائل التمرين في تلك الحقبة يؤيد ما ذهبنا إليه؛ لأنهم يقولون: ابن من كذا (من المعتل) على مثال كذا (من الصحيح)، وهو أمر معلوم عند المختصين.
هنا ـ وقبل أن أعرض لدلالة دخول الأبواب الأخرى في المرحلة التالية ـ لا بد أن نقف مع صورة العلم كما كانت عليه في المرحلة الأولى المتقدمة، ونستنتج منها بعض الأمور والحقائق على النحو التالي:
1 ـ لم يكن علم الصرف في تلك المرحلة "علم الصياغة" كما يعتقد كل متصل بعلم الصرف الآن. لأنه لا يؤدي إلى معرفة القواعد والقوانين التي تحكم الإتيان بالصيغ المختلفة كالتصغير والنسب واسم الفاعل واسم المفعول... إلخ. بل هو "علم الصيغ"، وفرق كبير بين علم الصياغة وعلم الصيغ.
2 ـ لا علاقة لعلم الصرف في تلك المرحلة بصيانة اللسان من اللحن في المفردات، كما هو واضح.
3 ـ المقارنة بين الصرف والنحو بالصورة التي أوردتها في مستهل هذه المحاضرة لا تمثل حقيقة علم الصرف، مع أنها هي الصورة القارة في الأذهان كما سبق القول.
وفي المرحلة المتأخرة حين دخل في علم الصرف أبواب جديدة كان هذا الدخول نتيجة مباشرة لتبلور صورة أخرى ومفهوم آخر للعلم، هو كونه "علم الصياغة" كما ذكرنا سلفًا. أي: أن لعلم الصرف تعريفين: أحدهما بحسب ما يقتضيه تبويبه القديم، وآخر مختلف عنه يمليه تبويبه المتأخر. وقد أورد ابن عصفور في القرن السابع، ومن قبله ابن جني في أواخر القرن الرابع، مفهومين متمايزين للتصريف. وقد اخترت هنا نص ابن عصفور في المقرب؛ لأنه أوضح وأكثر دلالة من نصٍّ له في الممتع مشابه لهذا ونصٍّ لابن جني في المنصف؛ لأنه ربط اختلاف المفهومين باختلاف التبويب. يقول:
((التصريف ينقسم قسمين، أحدهما: جعل حروف الكلمة على صيغ مختلفة لضروب من المعاني نحو ضرب وضارب وتضارب واضطرب. وهذا النوع منحصر في التصغير والتكسير والمصادر وأفعالها التي تجري عليها وسائر ما اشتُقَّ منها بقياس من اسم فاعل أو مفعول أو اسم الزمان أو المكان أو المصدر أو اسم الآلة التي اشتق اسمها منه، والمقصور والممدود المقيسين... والآخر تغير الكلمة عن أصلها من غير أن يكون ذلك التغير دالا على معنى طارئ على الكلمة نحو تغييرهم قول إلى قال... وهذا النوع منحصر في الإدغام، والنقص كعدة، والقلب وأعني بذلك صيرورة بعض حروف العلة إلى بعض كقال في قول، والإبدال... والنقل... والحروف التي تحذف، وأين يجوز نقل الحركة والحرف وأين لا يجوز ذلك)) . ثم بدأ عقب هذا النص مباشرة بذكر الأبواب وفق المفهوم الأول بادئًا بالتصغير. على أنه في الممتع ذكر كلاما مشابهًا ثم اكتفى بالتبويب وفق المنهج القديم الذي يوافق النوع الأول في النص المذكور هنا.
المفهوم الحادث للعلم، والمقتضي دخول أبواب التصغير والنسب والتكسير والمشتقات وغيرها، هو تحوله إلى تعليم الناس قوانين صياغة المفردات؛ إذ إن كل الأبواب التي طرأت إنما هي في حقيقة الأمر صيغ المفردات، وأصبح العلم معنيًّا بالتعليم وتجنب الخطأ في صياغة المفردات بعد أن كان لا علاقة له بهذا الأمر. وبعبارة أخرى يمكن القول: إن علم الصرف تحول من كونه نموذجًا علميًا إلى نموذج تعليمي على ما سيأتي في شرح مفهوم النموذج بعد قليل. وقد جاء وصف هذا التحول في المفهوم واضحًا عند ابن عصفور في نصه المستشهد به هنا.
ومع أن عددًا من الباحثين نقلوا نص ابن عصفور المتقدم، وأشار بعضهم إلى تمايز نوعين من أنواع التصريف واختلاف الأبواب التي يتضمنها كل واحد من النوعين عن الآخر كما تقتضي ذلك دلالة هذا النص الظاهرة، لم أجد من فسر ذلك التمايز بين النوعين بما ذكرته في السطور السابقة. بل إن ما وجدته بالتتبع لا يعدو الحيرة في سبب وجود هذين النوعين، ومحاولة تخريج ذلك إما على أن التصريف فيه تصريف معنوي، وهو: جعل الكلمة على ضروب مختلفة لضروب من المعاني، وفيه تصريف لفظي وهو: تغيير في الكلمة عن أصلها من غير أن يكون ذلك التغيير دالا على معنى طارئ، مثل تغيير قول وبيع إلى قال وباع ، كما فعل عبد اللطيف الخطيب مثلا، وإما كما قال عباس حسن في النحو الوافي بعد أن ذكر تعريف التصريف: ((.. فليس من التصريف عند جمهرة النحاة تحويل الكلمة إلى أبنية مختلفة لتؤدي معاني مختلفة كالتصغير والتكسير والتثنية والجمع والاشتقاق... ولا تغيير أواخرها لأغراض إعرابية؛ فإن هذا التغيير وذلك التحويل يدخلان في اختصاص النحو وبحوثه عند تلك الجمهرة)) . أما دلالة اختلاف التبويب بين مرحلتين على اختلاف في ماهية العلم أو طبيعته أو تحول في فلسفته فلا.
****
يتبع..
تعليق