أسْرارُ البَيانِ في القُرآن:
البَيانُ في سُورةِ (الكَافرونَ): (بَيانُ المدود والتَّكرَار)
ذ. مصطفى بوعزة
وذلكَ في سِتّ آيَاتٍ قَصيراتٍ، تجْمَعها سُورَة (الكافرُونَ). وهيَ سورةٌ ذاتُ قَدْرٍ ومَنزلَة، أفردَها النبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ، بأحَاديث تُعظِّمُها، فقدْ أخرجَ الإمامُ (الطّبَرانيّ) في (الكَبير والأوسَط) منْ حديثِ (عَبد اللهِ بن عُمَر) رَضي اللهُ عنهُما، أنّ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآنِ، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾، تَعْدِلُ رُبُعَ القرآنِ. وكان يَقْرَأُ بهما في رَكْعَتَيِ الفَجْر». ولا غَرْوَ، فهيَ سورةٌ بَديعَة النَّظْم غَزيرَة المعَاني. والخِطابُ فيها بِـ(يَا أَيّها الكافِرُون) لمْ يقَعْ منهُ في القُرآنِ شَيءٌ إلَّا فِيها.إلَّا ما كانَ منْ خِطابِهم بِــــ(الَّذينَ كَفَرُوا)، في آيةٍ وحيدَةٍ في سورَة (التَّحْريم) في قولهِ تعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. في حِين تكرَّر الخطابُ بِـ(يَا أيُّها الَّذينَ آمنُوا)، تِسعاً وثَمانينَ مرّةً.
فإذَا تَدبّرتَها، انْكشفَ لكَ أنَّها سُورَةٌ يَطغَى عَليْها مَعنَيَان غَالبَان فيهَا: همَا مَعنَى (البُعْد)، و مَعْنَى (البَراءِ)؛ قالَ (الألُوسيّ) في (رُوح المعَاني): «وَتُسمّى الْـمُقَشْقِشَةُ، كمَا أَخرجَه (ابنُ أَبي حَاتِم) عنْ (زُرَارَة بن أَوْفَى)، وهوَ منْ (قَشْقَشَ المريضُ)، إذَا صحَّ وبَرَأَ، أيْ الْـمُبَرّئَةُ منَ الشِّرْك والنّفَاق». والبُعدُ والبَرَاء، مَعنيَان مُتلازمَان، مُتقَاربَان، فَالكافِرُ قدْ تَبرّأَ اللهُ منهُ، ونَبذهُ، فأَبعَدهُ وحَجبَهُ عنهُ. ويلُوحُ لكَ هذا المعنَى يَسرِي في السُّورَة كلِّها، وذلكَ في سِتّ آيَاتٍ، تَأخُذُكَ عنْد سَمَاعِهَا وَتدبُّرهَا مَزيَّةٌ بيَانيَّةٌ غالبَةٌ، تتَخلّلُهَا منْ بدايَتهَا إلى نهَايَتهَا.
تلكَ هيَ كثْرَةُ الْـمُدُود، حَيْث تصِلُ إلى تسْعَةَ عَشَرَ مَدّاً، في سِتَّ عشرَةَ كلمَةً، بتَكرارِ (لَا) أَربعَ مرّاتٍ، و(مَا) ثلاثَ مرّاتٍ. وهوَ عددٌ يُلامسُ نِصفَ كَلمَات السُّورَة، الَّتي تَصلُ إلَى إحدَى وثَلاثينَ كلمَةً؛ منْها عَشَرةُ مُدُودٍ طَويلة، إمّا بسَبَـب الهَمْـزَة، مِثل: (ﻵ أعْبُدُ)، حَيثُ تُمدُّ الأَلفُ مَدّاً طويلاً مُشْبَعاً، لأنَّهَا تَلتْهَا هَمْزَة. أوْ بسَبَـب السُّكُون العَارض عنْدَ الوَقْف عَلَى فَوَاصلِ الآيَاتِ، مِثل: (الكَافرُونَ)؛ حيثُ يَنشَأُ عنْ تَسْكِينِ (النُّونِ) للوقفِ مَدٌّ قدْ يَصلُ عِنْدَ إشبَاعِهِ إلَى ستِّ حَرَكاتٍ. والْـمَدُّ بُعْـدٌ في الأداءِ الصَّوْتيّ يَمْتدُّ فيهِ النَّفَسُ طويلاً في تجَاوُزٍ بَارزٍ للصَّوْت الأصْلي للحَرْف، قدْ يَمْتدُّ إلَى سِتِّ حَرَكاتٍ.
هَذهِ الاسْتِطَالَةُ في مَدِّ الصَّوْت، والبُعْدُ في الوَقْع الأدَائِيِّ، تجدُ لهُ أثـراً في الدلالَةِ عَلى بُعْدِ الكُفْر عَن الإيمَانِ، والشِّرْك عنِ التّوحِيد، بُعْداً بحَجْم تلْكَ الـمُدُودِ. فالْكافِرُونَ بشِرْكِـهمْ أسْحَقُ الخَلقِ بُعْداً عَنِ اللهِ، وأسْفَلُهم في دَرَكات النَّبْذِ والإقْصَاء. ولقدْ صرَّحَ القُرآنُ الكريم بذَلكَ تَصريحاً بعِبَارَاتٍ جَليَّة، فقالَ تعَالَى: ﴿فَسُحْقاً لأصْحَـابِ السَّعِيرِ﴾، وقَالَ عزّ وجَلّ: ﴿فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُومِنُونَ﴾، وقالَ تعالَى عنِ القَوْم الكافِرين ممَّن مَضوْا: ﴿أَلَا بُعْداً لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾، ﴿أَلَا بُعْداً لِثَمُودَ﴾، ﴿أَلَا بُعْداً لِـمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. وقالَ عزَّ وجلَّ في تَشبيهٍ لذَلكَ البُعْدِ وهَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَتَخَطَّفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. أمَّا هُنا، فقَدْ لَـمّحَ إلَى ذَلكَ تَلْميحاً بإشَارَةٍ خَفيَّة؛ تَرَى ذَلكَ جَليّاً يُطالعُكَ مِنْ مُفتَتَحِ السُّورَة، في النِّداءِ بلفْظِ ( يَآ أيُّهَا)، مَدّاً طَويلاً في يَاءِ النِّداءِ، وهُوَ ندَاءٌ لمْ يَأتِ بهَذِهِ الصُّورَة وهَذا اللَّفظِ إلَّا في هَذهِ السُّورَة، وذلكَ احتقَاراً لهُمْ وإحْلالاً لهُم في أحطِّ دَركاتِ الإذْلالِ والمهَانَة. ألَمْ يَقلْ عَنهُم: ﴿أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾؟
ثمَّ يَمْتَدُّ البُعْدُ الصَّوْتيّ مُتَوالياً في انْبعَاثٍ للمُدُودِ التي ترْتفعُ في أعْطافِ السُّورَةِ، لتَزيدهُ قوَّةً تسْري فيهَا، وَهيَ مُدُودٌ مُنْفَصِلةٌ تقْطعُهَا الهَمْزةُ في قُوَّةٍ وشِدَّةٍ، تجدُ فيها تَقويَةً للنَّفي، وكأنها تُوحِي بانْفصَال التَّوْحِيدِ عَن الشِّرْكِ انْفصَالاً شَدِيداً بَعِيدَ الغَوْر. وَتُنْبـئُ عَن البَرَاءِ منْهُ وَالقَطْع مَعَهُ قطعاً في غايَةٍ منَ الحَسْمِ وَالجَزْمِ: (لآ أعْبُدُ – ولآ أنْتُمْ عَابدُونَ – مآ أعْبُدُ – ولآ أنَا عَابِدٌ – ولآ أنْتُمْ عَابدُونَ – مَآ أَعْبُد)؛ وهكذا، فَكلُّ مدٍّ مُستَطيلٍ تعقُبُه همزةٌ في نَبْـرَتها الشَّديدَة القاطعَة، مَزيدَ إثبَاتٍ وفَضْلَ تَوكيدٍ. وَتمْضي عَلَى ذلكَ حَتَّى تُخْتَمَ السُّورةُ خَتْماً بمَدّ يَسْتلزمُ فضْلَ تأمُّلٍ؛ ذلكَ أنَّ كَلمَة (دِينِ) جَاءَت مَحْذُوفَةَ اليَاءِ رَسْماً، مِمَّا غيَّرَ حُكْمَ الوَقفِ عَليْـهَا، منَ الْـمَدّ الطَّبيعِيّ القَاصِر، إلَى الْـمَدّ العَارِض للسُّكُون المسْتَطِيل. لأنَّ النُّونَ المُتحَرّكةَ إذا وَقفْتَ عَليْهَا سَكَّنْتَهَا، فمُدَّت اليَاءُ التي قبْلَهَا كمَا تمَـدُّ الوَاوُ في (الكَافرُونَ) لنَفْسِ السَّبَب، مُشبَعةً، قدْ يصلُ مدُّها إلى ستِّ حَرَكاتٍ. وَلوْلا حَذْفُ اليَاءِ الأخِيرَةِ لـمَا حَدثَ ذلكَ. فقَولُكَ: (دِينِـي) بإظهَارِ اليَاءِ في آخِرهَا، يَسْتلزمُ أنْ تَقفَ علَيْهَا بالمدِّ الطَّبِيعيّ، مَدّاً تبرُزُ معَهُ الكسرَةُ الّتي علَى النّون، فَيَكسِر ذلكَ تَناسُقَ الفَواصِل في سُكونِ أوَاخرهَا. فانْظُرْ كيفَ نَشَأَ عنْ حذْفِ تلكَ اليَاءِ انْسِجامٌ صَوتيٌّ امتدَّ على ثَلاث فوَاصِل: (الكَافرُونَ – تَعبُدُونَ – دِينِ).
فإذَا أنتَ انصرَفتَ منْ بَلاغَة (المدُود) في السُّورَة، اسْتَقبَلتكَ بَلاغةُ (التَّكرَار)، في كمَال إشرَاقِها وبَيانِها، حَيْثُ يستوقفُك تكرّرُ الجذْرِ اللُّغَويّ: (عبد)، تَكرُّراً فريداً؛ فقدْ تَكرّر ثَمَاني مَرّاتٍ بصِيَغٍ مُختلفَةٍ علَى إيقاعٍ عَجيبٍ، في أَربَع آيَاتٍ، في كلّ آيةٍ صِيغَتانِ: (أَعْبُد- تَعْبُدُون)، (عَابِدُون – أَعْبُد)، (عَابِدٌ – عَبَدتُمْ)، (عَابدُونَ – أعْبُد).
ورُبَّمَا سَاعَدَ سَببُ نُزول السُّورَةِ، في فهْم دَلالةِ التكْرَار فيهَا، فَقَدْ ذُكرَ أنَّ جَمَاعَةً منْ رُؤُوسِ المُشركينَ اجْتمَعُوا فَعَرَضُوا عَلَى النّبيِّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يَعْبُدَ آلهَتَهُمْ سَنَةً، ويَعْبُدُوا هُمْ إلَهَهُ سَنَةً، فكانَ الجَوَابُ بهَذَا النَّفي الزَّاجِرِ الجَازم، وَهَذَا التّكْرَار التَّأكيدِيِّ الحَاسِم.
وأنْتَ إذَا أخَذْتَ تلكَ الصِّيَغ عَلى مُخْتَصَرٍ مِن القوْل، قُلْتَ: إنَّ التكْرارَ فيهَا قَائِمٌ في الأصْلِ عَلَى صيغَتَيْن اثنَتَيْن: الفعْـلُ المُضَارعُ: (أعْبُدُ – تعْبُدُونَ)، واسْمُ الفاعِل: (عَابدٌ – عَابدُونَ). أمَّا عَلى الصِّيغةِ الأولَى، فإنَّ المُضَارعَ فيها يَدُلُّ عَلَى الحَال الحَاضر؛ حَيْثُ نفَى النَّبيُّ، صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، عَنْ نفْسِهِ أنْ يَعْبُدَ آلهَتَهُمْ في الحَاضِر الحَاصِل مِنَ الزَّمَن، كَمَا يَعْبُدُونَها هُمْ في الحَاضر منَ الزَّمَن.
لكنَّ الانْتقَالَ إلى صِيغَةِ اسْم الفَاعِل، نَقَلَ الدَّلالَة مِنَ الحَاضِر إلى المُسْتَقبَل، بإضَافَةِ مَزيَّةٍ بيَانيَّةٍ في غَايَة مِنَ الدِّقّة؛ ذلكَ هُوَ التَّنْوينُ في (عَابدٌ) عَلى المُفْردِ، والنُّونِ في (عَابدُونَ ) عَلى الجمع المُذَكَّر السَّالم، وَالَّذي في الغَالبِ مِنْ أحْوَالِهِ، يُخَلِّصُ اسْمَ الفَاعِل للدَّلالَةِ عَلى المُسْتـقبَل، ويَمْنعُ دَلالتَهُ عَلى المَاضي. فإنْ خَرجَ عنْ ذلكَ فإنّمَا هوَ لِـمَزيّةٍ بَلاغيّةٍ أو مَعنىً بَديعٍ يَستَلزمُهُ السِّيَاق. فأنْتَ تقُولُ: (أنا كَاتبُ الرّسالةِ)، فَتكُونُ الكتابَةُ قدْ حَدَثتْ في الـمَاضِي، فإذَا قُلتَ بالتَّنْوين: (أنَا كَاتبٌ الرّسالةَ)، صَرَفْتَ المَعْنى خالصاً إلَى المُسْتقبَل، وَكَانَت الكتَابَةُ لمْ تحْدُثْ بَعْدُ. ويَصيرُ اسمُ الفاعِل (كَاتِبٌ)، بذلكَ عامِلاً عَملَ الفِعْل المضارعِ: (أَكْتُبُ)، فيَنصبُ الْـمَفعولَ بهِ: (الرِّسالةَ). ومِنْهُ قوْلُهُ تعَالَى ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً﴾. وقولُهُ تعَالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾. وَفــي ذَلكَ يَقُول (سِـيـبَـوَيْهِ) في (الكتاب): «هَذَا بَابٌ مِن اسْمِ الفَاعلِ الّذي جَرَى مَجرَى المضَارعِ في الـمَفْعُول في المعْنَى، فإذَا أرَدْتَ فيهِ منَ المعْنَى مَا أَرَدْتَ في (يَفْعَلُ)، كانَ نكِرَةً مُنَوّناً. وذَلك قولُكَ: (هَذا ضَارِبٌ زَيْداً غَداً)، فَمعْنَاهُ وعمَلُهُ مثلُ: (هَذَا يَضْرِبُ زَيْداً غَداً)».
أمَّا الحَالةُ الثَّانيَة، حَالةُ الإضَافةِ وقَطع التَّنْوين، فَلا يُصرفُ اسمُ الفَاعِل إلَّا إلى الماضِي. يَقُولُ (سِيبَوَيْهِ): «فإذَا أخْبَر أنَّ الفعْلَ قَدْ وَقَعَ وَانقَطعَ، فهُوَ بغَيْر تَنْوينٍ ألْبَتَّةَ». ثمَّ قالَ: «لأنَّ مَعْنى الحَدِيث في قَوْلكَ: (هَذَا ضَارِبُ زَيْدٍ)، (هَذَا ضَرَبَ زَيْداً)». وقصّةُ إمَام النّحو (عَليّ بن حَمزَة الكِسائيّ-تـــ.189هـ)، مع القاضي (أبي يوسف-تــ:182هـ) صاحِب (أَبي حَنيفَة)، في هَذا البَاب مَشهُورَة، ذكرَها (أبُو حيّان التّوحيدِيّ) في (البَصائِر والذَّخَائِر)، وأَوْرَدَها (يَاقُوت الحَمَويّ) في (مُعجَم الأُدَباء)، حيثُ قالَ: «وحَدَّثَ أيضاً عمَّنْ سَمعَ (الكِسائيّ) يقولُ: «اجْتَمعتُ أنَا و(أبُو يُوسُف القَاضي) عندَ (هَارُون الرَّشيد)، فجعَل(أبُو يُوسُف) يَذمُّ النّحوَ، ويقولُ: ومَا النّحْوُ؟ فقلتُ، وأرَدتُ أنْ أُعَلّمهُ فضْلَ النَّحو: مَا تَقولُ في رَجلٍ قالَ لرَجُلٍ : (أَنَا قَاتِلُ غُلَامِكَ)، وقالَ لهُ آخَرُ : (أَنَا قَاتِلٌ غُلَامَكَ)، أيُّهُما كنتَ تَأخُذُ بهِ؟ قالَ: آخُذُهُما جَميعاً. فقالَ لهُ (هارُون): أَخْطأتَ. وكانَ لهُ علمٌ بالعرَبيّة، فاسْتَحيا، وقالَ: كيفَ ذلكَ؟ قالَ: الَّذي يُؤْخَذُ بقَتْل الغُلامِ هوَ الّذي قالَ: (أنَا قاتِلُ غُلَامِكَ) بالإضَافَة، لأنّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وأمّا الّذي قالَ: (أَنَا قَاتِلٌ غُلَامَكَ) بالنَّصْب، فَلا يُؤْخَذُ، لأنّهُ مُسْتَقْبَلٌ لمْ يَكُنْ بَعدُ، كمَا قالَ اللهُ عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾.
وكَذلكَ النُّونُ في الجَمْع. فتَأثيرُهَا عَلى الدَّلالَةِ في الجَمْع كتَأثِير التَّنْوينِ في المفْرَد. وذلكَ في حالِ حذْفِها، وفي حالِ إثْبَاتِـها.فتُحذَف عندَ الإضافَة كمَا يُحذَف التّنوينُ في المفرَد، فتقولُ مثلاً: ( هُمْ كاتِبُو الرّسَالَةِ)، وقدْ كَتبُوهَا، وتقولُ: (هُمْ كاتِبُونَ الرِّسَالَةَ)، فسوْفَ يَكتُبُونَـها. وقَد اعْتبَر النُّحاةُ تلكَ (النُّون)، كمَا في المثنّى، عوضاً عنِ التّنوينِ في المفرَد، قال(ابنُ يَعيش) في (شَرح المفَصّل): «وإنّما حُذفت هذه (النُّون) في الإضَافَة؛ لأنَّها عِوضٌ منَ الحَركَة والتَّنوينِ اللّذَيْن كانَا في الوَاحدِ، والتنوينُ يُحذفُ مع الإضافَة، فحُذفتِ (النّون) هاهُنَا كَحَذْفهِ». وممّا وَردَ في القُرآن بحَذفِ هذهِ (النُّون) لأجْلِ الإضافَة، قولهُ تعالَى في سُورَة (العَنكبُوت): ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾. وممَّا وردَ بإثبَاتِها، فنُصِبَ المفعُولُ بهِ (رِجْزاً)، قولهُ تعالَى بَعدَها: ﴿إِنَّا مُنْـزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ﴾.
فإذا جَمَعْتَ الدَّلالتيْنِ؛ دَلالةَ الفعْل المُضارع عَلى الحَاضر الحَاصِل في الحَال، وَدَلالة اسْم الفَاعِل المُنَوَّن عَلى الاسْتقْبَال الآتي، تبَيَّنَ لك أنَّ هَذا التكْرَارَ بتنْويع الصِّيغَتَيْن، لمْ يكُنْ إلا لِـمَزيَّةٍ بَيَانيَّةٍ جَليلةٍ تنْفِي عِبَادَة الشرْكِ عَن النَّبِيِّ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، نَفياً قاطِعاً يَسْتغرقُ الزمَنَ امْتدَاداً؛ حَاضِرَهُ وَالمُسْتقبَل جَميعاً. كمَا يَنْفي عَنهُمُ الإيمَانَ حَاضراً وَاسْتِقبَالاً، لذَلكَ ماتَ كُلّ أولَئكَ الجَمع مِنْ قُرَيشٍ، عَلى الشِّركِ ولمْ يَنْجُ منهُمْ أحَدٌ. قالَ (ابْنُ عطيَّة) في تفْسيرهِ: «جَاءَ البَيانُ بقَولهِ: ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ﴾، أيْ: أبَداً ومَا حَيِيتُ. ثمّ جاءَ قولُهُ: ﴿وَلا أَنتُمْ عَـابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الثَّانِي، حَتْماً عَليهمْ أنَّهُمْ لَا يُؤمنُونَ بهِ أَبَداً، كَالّذي كَشفَ الغَيْبَ». ومثله قالهُ (ابنُ الجَوزيّ) في (زَاد المسِير) حيثُ قالَ: «المَعْنى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ في حالِي هَذِهِ ﴿وَلا أنْتُمْ﴾ في حالِكم هَذِهِ، ﴿عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾، ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ فِيما أسْتَقْبِلُ، وكَذَلِكَ أنْتُمْ، فَنَفى عَنْهُ وعَنْهم ذَلِكَ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وهَذا في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، أعْلَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ».
المصدر