الضاد تصرخ: لم تلحنون؟!
عراقي محمود حامد
لما ظهرت الأشرطة وانتشرت قال فيها أحد العلماء:
لكل زمانٍ مضى آيةٌ
وآيةُ هذا الزمان الشريط
فإذا كان لكل زمان آية، فآية هذا الزمان القنوات الفضائية والشبكة العنكبوتية (الإنترنت) وهذه التقنية الهائلة في الاتصالات.
وقد انتشرت هذه الوسائل الحديثة وسرت في جميع ربوع العالم سريان النار في الهشيم، وعمل المفسدون والمرجفون والمنافقون وأهل الكفر منذ اللحظة الأولى على استغلالها لحرب دين الله وإطفاء نوره جل وعلا.
ولكن مع كل هذا المكر الشيطاني بالليل والنهار تعامل المخلصون لدين الله تبارك وتعالى مع هذه المعطيات للعصر الحديث، وضربوا فيها بأسهم لا بأس بها، ولو علم من عمل على نشر هذه التقنية وتيسيرها من أعداء الدين أنها ستسخر لخدمة دين الله وللعمل على أن يبلغ ما بلغ الليل والنهار ما أقدموا على هذه الاختراعات وتطويرها وتذليلها للجميع.
وهذا من تأييد الله ونصرته لدينه؛ ففي الحديث: «إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ»[1].
وهذا من فتح الله تبارك وتعالى ونصره لدينه: قال جل في علاه: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [الصف: 8-9]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ؛ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ»[2].
فحمل المخلصون العاملون لدين الله تبارك وتعالى الباذلون لنصرته على عواتقهم أن يضربوا بنصيب في هذا المضمار لتتكافأ الفرص؛ ولئلا يكون لأحد حجة بعد البلاغ والبيان، فيعتذر ويتذرع بأنه لا يعرض إلا الأفلام والعري، ولا نسمع من يتكلم في الدين إلا الروبيضات والمأجورون الذين يلبِّسون على الناس أمر دينهم.
وقد قال ابن المبارك رحمه الله تعالى:
وهل أفسد الدينَ إلا الملوك
وأحبارُ سوء ورهبانها
لما كان الأمر كذلك انبرى أولئك الصادقون -نحسبهم كذلك والله حسيبهم- وأطلقوا الفضائيات الإسلامية ودشنوا المواقع الهادفة الهادية، وأصبح لكل وجهة هو موليها؛ ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ [الأنفال: 42].
لكنَّ لي عتابًا أراه واجبًا من باب التواصي الذي أثنى الله تعالى على القائمين به إذ قال جل في علاه: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾ [العصر: 3]، ومن باب التناصح الذي أمرنا به صلى الله عليه وسلم إذ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»[3]، وقوله: «المُؤْمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ إِذَا رَأَى فِيهِ عَيْبًا أَصْلَحَهُ»[4]- ألا وهو وجوب تعلُّم العربية على كل من تصدى للدعوة والنصح فضلًا عن التدريس والإفتاء.
فإن مما يكلم القلب ويُدمع العين تلك العُجمة في ألسنة كثير من المتصدرين المشهورين ومَن هم في طريقهم إلى الشهرة بفعل هذه الفضائيات وتلك المواقع، فلا تكاد تجد -إلا من رحم ربُّك وقليل مَا هم- من يُحسن العربية إلقاءً وكتابة وتحدُّثًا مع المشاهدين، وتضرب أذنيك اللحنةُ تلو اللحنة من الأخطاء الجليَّة- لا أقول: إنها من المسائل المختلف فيها، أو من المسائل المُشكِلة، بل من الواضحات الجليَّات، فقد يكون اللحن في كتاب الله تعالى ولا أبالغ، وكثيرًا ما يكون في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الكلام، وهذا قد يؤدِّي إلى تحريف كلام الله عن مواضعه، والكذبِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث لا يدري.
وأجزمُ بأنك لن تستطيع أن تصغي بإنصات ولا أن تحصل فائدة مرجوَّة إذا سمعت الفاعل منصوبًا والمفعول به مجرورًا مثلًا.
وصارت العجمةُ للأسف هي الشّعار، واللحن في العربية هو الأساس، وإذا وقعت على من يُقيم قواعد اللغة الشريفة فأنت محظوظ، فعُدَّهم عدًّا، واحرص على عدم السماع إلا منهم حتى لا تتأذى باللحن إن كنتَ ممن تذوَّق حلاوة العربية وأَنِس بجمالها ووقف على بعض أسرارها.
وهذا في نظري القاصر راجع إلى تقسيم المتصدرين للدعوة إلى علماء ووعاظ ودعاة، فإن أنكرتَ على أحدهم قيل لك: هذا داعيةٌ يخاطب العَوَام، أو واعظ يقرِّب النصيحة للناس!
وأنا على يقين أن اللحن لا يقرب المعنى بل يزيده غموضًا، وهذا المتحدث لو علم لقال بما علم.
هذا وقد انتشرت للأسف في هذا العصر الفوضوية في العلم، وتوجهت همم المبتدئين للتصنيف والنقد، وتزببوا قبل أن يتحصرموا، وتصدَّروا للتدريس والفتوى قبل أن يتأهلوا، وقد قال أبو الحسن علي بن أحمد المعروف بالفالي[5]:
تَصَدَّرَ للتَّدريسِ كُلُّ مُهَوّس
بَليدٍ تَسَمَّى بِالفَقيهِ الْمُدَرِّسِ
فَحُقَّ لأهلِ العِلمِ أنْ يَتَمَثَّلُوا
بِبَيْتٍ قَديمٍ شاعَ في كُلِّ مَجْلِسٍ
لَقَدْ هُزِلَتْ حتى بَدا مِنْ هُزَالِها
كُلاها وحتى سامَها كُلُّ مُفْلِسِ
وقديمًا قال الشافعي رحمه الله: «إذا تصدَّر الحَدَثُ فاتَه علمٌ كثيرٌ»[6]. هذا مع حسن الظن بالجميع في أنهم يريدون نفع الأمة والعمل لهداية الخلق إلى طريق الحق.
لكني أتعجب لداعية يدعو إلى الكتاب والسنة ولا يستطيع أن يقيم عربيته، والقرآن والسنة عربيان فكيف يُفهمان ممن لا يُحسن العربية، ولم يَدرسها على شيوخها، ولم يصقل لسانه بمفرداتها، ولم يهذِّب وجدانه بآدابها.
ولي أن أتساءل:
♦ أليست اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم ولسان نبينا الأمين صلى الله عليه وسلم؟!
♦ أليست لغتنا العربية هي التي نقلت الإسلام إلى أمم العالم؛ لينقذهم بإذن الله تعالى من عذاب الدنيا والآخرة؟!
♦ أليست لغتنا العربية هي لغة الحضارة وهي سفينة نوح التي نقلت لأمم كثيرة المعاني الحقيقية للتقدم والتمدن؟!
♦ ألم تكن العلوم التي خُطَّت باللغة العربية هي السبيل والمرجع لعلوم أوربا ونهضتها بعدما كادت تغرق في ظلام جهلها وتخلفها؟
♦ ألا تمثِّل لغتنا جزءًا لا يتجزَّأُ من هويتنا الثقافية؟!
فكان لزامًا علينا –ولا بد- أن نعالج الداء قبل أن يستفحل، فكيف إذا صار طاعونًا عامًّا، واتسع الخرق على الراقع؛ وهذا يقينًا من مخططات الأعداء الذين عملوا على تبغيض لغة القرآن إلى أهلها، وإشاعة القول بصعوبتها وثقلها على الألسنة، والسخرية ممن يتعاطاها أو يتعامل بها، وإطلاق الضحكات على مُدرِّسيها، ووصفهم بأشنع الأوصاف في الإعلام وجعله ضُحْكة في مسلسل أو فلم أو مسرحية، وإثارة الدعوات من المثقفين المستنيرين -زعموا- للتحرر من قيود اللغة وآدابها، وإطلاق العنان للسان يقول كيفما شاء بلا ضابط ولا رابط، والحَكَم هو الذوق والمعنى، والتركيب المتناسق. فهذا هو الإبداع عندهم، أما علم البيان والمعاني والبديع (علوم البلاغة) فعلوم عفا عليها الزمن، والدعوة إلى الشعر الحر، وهو بمعناه الحقيقي، أي: الشعر المتحرر من قيدي الوزن والقافية الذي أدار ظهره للشكل المتوارث.
يقول الأستاذ سالم مبارك الفلق: «تلك الدعاوى الرامية إلى تفجير العربية وتحويلها إلى ركام من التراكيب والدلالات التي يعجز اللبيب عن إدراك مراميها فضلًا عن المثقف العادي. وقد بلغ مداه وأقصاه عند من يسمون أنفسهم (أهل الحداثة)، والحداثة أمرها محدَث، وشر الأمور المحدثات، لم يفكروا في حداثة تحافظ على خصوصيتنا وهويتنا وشريعتنا، وتوقف نزيف الكلمة الطيبة التي نحروها على نصب الغموض والرمز وعبث القول، والحداثة العربية في جميع صورها إنما راجت لسببين أساسين هما:
1- جنوح الناس إلى الخروج عن المألوف، ولهاثهم خلف «العصرنة»!
2- الخلط بين الحَدَاثة -وإن شئت فقل: بين الهدم- والتجديد[7].
ولبيان أهمية الضبط يقول: «علامات الإعراب التي تتميز بها العربية دون غيرها من اللغات الأخرى والتي يحاول أعداء الإسلام أن يطمسوها بدعوى (تبسيط النحو/ صعوبة النحو... إلخ)، ولا تعدو أن تكون معولًا يحاول أن يصيب مقتلًا في كيان هذه الأمة، وهي محاولات هدَّامة تحاول إضعاف العربية. كما قال ذلك الشيخ ابن باز.
بينما تُلزم الكثيرات من اللغات متكلميها بترتيب معين للكلمات يميز الوظائف النحوية فيها، ويضيع هذا التمييز إذا اختل هذا، فالإنجليزية مثلًا تتبع ترتيب فاعل + فعل + مفعول، فإذا أردت أن تقول: أكل زيدٌ طعامًا، يجب أن تقول: زيدٌ أكل طعامًا. ولا يجوز أن تقول: أكل زيدٌ طعامًا، أما في اللغة العربية فأنت تقول: أكل زيدٌ طعامًا/ وزيدٌ أكل طعامًا/ وأكل طعامًا زيدٌ/ وطعامًا أكل زيدٌ/ وطعامًا زيدٌ أكلَ، فتأمل هذا وتدبَّره. وفي معرض الحركات فإن جملةَ (ما أحسن زيد) يمكن أن تكون استفهامًا وتعجبًا وذمًّا؛ وذلك لوجود علامات الإعراب التي تلحق بأواخر الكلمات وتميز الفعل من الفاعل من المفعول، ونظام الإعراب هذا يدل على المرونة التي تتميز بها اللغة العربية»[8].
عيبٌ علينا وعار ألا نحسن العربية على وجهها، ونتكلم الإنكليزية كأننا أحد أبنائها، أو كأننا ولدنا في أرضها، ونترك لغة القرآن.
وهذا ليس تزهيدًا في تعلُّم اللغات الأجنبية، لكن أن يصل بنا الحال إلى أن تجد الكثير ممن يريد أن يُظهر أنه متحضِّر مُستنير يأتي في كلامه بمصطلحات أجنبية أعجمية، ليُري محدَّثه طَلَاقته في الحوار ومدى ثقافته، وإن تحدَّثت أمامه بالفُصحى ازدراك ونظر إليك شزرًا، كأنما تُعيده إلى العصور المُظلمة.
وبكل يقين أقول: إننا لن نستطيع أن نُقيم صحوة حقيقية إلا بالرجوع إلى مصدر عزِّنا وفهمه فهمًا سليمًا مستقيمًا، ولن يتم لنا هذا إلا بالرجوع إلى علوم الآلة وأهمها العربية التي بدونها لن نفهم ديننا القائم على كلام الله وكلام رسوله وكلام علمائنا الأفذاذ عليهم الرحمة.
فقد كان الواحد من علمائنا موسوعيًّا يأخذ من كل علم بنصيب، ثم قد يتخصص ويبدع في فنٍّ ما، لكنهم لم يكونوا يلحنون ويضيعون عربيتهم الأصيلة التي أتقنوها مع طلبهم للعلم، حتى ولو نشأوا في بلاد غير عربية أو كانوا هم أنفسهم غيرَ عرب أصلًا.
بل كان الخلفاء والأمراء يحذرون اللحن ويخافون أن يتهموا به لشناعته:
فقد دخل النضر بن شميل على المأمون ليلة فتفاوضا الحديث، فروى المأمون عن هشيم بسنده إلى ابن عباس قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سَداد من عوز» بفتح السين. فقال النضر: يا أميرَ المؤمنين صدق هشيم، حدثنا فلان ابن فلان... إلى علي بن أبي طالب، فذكر الحديث، فقال فيه: «سِداد من عوز» وكسر السين، وكان المأمون متكئًا فاستوى جالسًا وقال: كيف قلت، «سِداد» بكسر السين؟ قلت: لأن السَّداد بالفتح هاهنا لحن، فقال: أتلحنني؟ قلت: إنما لحن هشيم فتبعه أمير المؤمنين، فقال: ما الفرق بينهما. قلت: السداد، بالفتح: القصد في الدين والسبيل، وبالكسر: البلغة، وكل ما سددت به شيئًا فهو سداد. فقال المأمون: أَوَتعرفُ العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول:
أَضَاعُونِي وَأي فَتًى أَضَاعُوا
لِيَومِ كَرِيهَةِ وَسِدَادِ ثَغْرِ
فاستوى جالسًا وقال: قبَّح اللهُ مَن لا أدبَ له. ثم أخذ يسأله عن أخلب بيت قالته العرب، ثم عن أنصف بيت قالته العرب، ثم عن فعل الأمر من الإتراب، ثم عن فعل الأمر من الطين، ثم دعا بالدواة والنضر لا يدري ما يكتب، ثم دفَع ما كتب إلى خادم ووجَّهه معه إلى الحسن بن سهل. فلما قرأ الرقعة قال: يا نضرُ، قد أمر لك بخمسين ألف درهم، فما كان السبب؟ فأخبره، فأمر له بثلاثين ألف درهم أخرى، فأخذ ثمانين ألف درهم بحرف واحدٍ استفيد منه[9].
أقول: بل بشَكْلةٍ استُفِيدت منه!
وحكى المبرد أن يهوديًّا بذل للمازني مائة دينار ليقرئه كتاب سيبويه، فامتنع من ذلك؛ فقيل له: لم امتنعت مع حاجتك وعائلتك؟ فقال: إن في كتاب سيبويه كذا وكذا آية من القرآن، فكرهت أن أقرأ القرآن لأهل الذمة، فلم يمض من ذلك إلا مُدَيدة، حتى طلبه الواثق ، وأخلف الله عليه أضعاف ما تركه لله، وذلك أن جارية غنت بحضرته:
أظلومُ إن مُصابَكم رجلًا
أهدى السلام تحية ظلمُ
فرد التوّزي عليها نصبَ «رجل» ظانًّا أنه خبر «إن» فقالت: لا أقبل هذا ولا غيره، وقد قرأته كذا على أعلم الناس بالبصرة أبي عثمان المازني؛ فأُحضر من سُرَّ مَن رأى، وسأله الخليفة عن البيت، فقال: صوابه: «رجلًا»، فقال له الخليفة: ولم؟ فقال: إنَّ «مصابكم» مصدر بمعنى: «إصابتكم». فأخذ التوزي في معارضته، فقال: هو بمنزلة قولك: إن ضربَك زيدًا ظلمٌ، فالرجل مفعول «مصابكم» و«ظلم» الخبر، والدليل عليه أن الكلام معلَّق إلى أن تقول «ظلم» فيتم، فقال التوزي: حسبي، وفهم. واستحسنه الواثق. وأمر له بثلاثين ألف درهم[10].
فمن ترك شيئًا لله عوّضه، ورحمةُ الله على علمائنا الذين صانوا العلم فصانهم، وأعزوا العلم فأعزهم الله!
فاللحنُ كان عندهم معيبًا جدًّا؛ لذلك قال أبو الأسود الدؤلي، وهو واضع علم النحو على المشهور بأمر علي رضي الله عنه: «إني لأجد لِلَّحن غَمرًًا كغمر اللحم».
ويقال: إن ابنته قالت له يومًا: يا أبتِ، ما أحسنُ السماء؟ قال: أي بنية نجومها، قالت: إني لم أُرِد أي شيء منها أحسن، إنما تعجبت من حسنها، قال: إذًا فقولي: ما أحسنَ السماءَ، فحينئذ وضع النحو [11].
وقد كانوا يتحاشون أن يُنسبوا إلى اللحن؛ فهذا الحجاج بن يوسف -وهو مَن هو شدةً وبطشًا- قال ليحيى بن يعمر: أتجدني ألحنُ؟ قال: الأمير أفصحُ من ذاك. قال: عزمتُ عليك لتخبرني، وكانوا يعظِّمون عزائم الأمر، فقال يحيى بن يعمر: نعم، في كتاب الله، قال: ذاك أشنع له! ففي أي شيء من كتاب الله؟ قال: قرأت: «قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها (أحبُّ) إليكم من الله ورسوله» فترفع أحب وهو منصوب. قال: إذًا لا تسمعني ألحن بعدها. فنفاه إلى خراسان[12].