عيوب المتكلمين في تراث العرب
أ.د. محمد رفعت زنجير
إذا عدنا إلى تعريف فصاحة المتكلم عند البلاغيين وجدناها: "ملكة يقتدر بها على التعبير عن المعنى المقصود، بلفظ فصيح” . وأما البلاغة فهي: "ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ” ، فالأساس في الفصاحة والبلاغة هو الاستعداد الفطري عند الإنسان وهو ما عبروا عنه بلفظ ملكة، بمعنى موهبة أو قدرة فطرية تجعله يقدر على التأليف الجميل في أي موضوع يريده، بيد أن هنالك أمور تعتري المتكلم تحول بينه وبين الفصاحة والبلاغة، من ذلك:
1- العيُّ، وهو في اللغة الحصر ، وهو أمر مذموم في البيان، يقول الجاحظ: "ومما ذموا به العي قوله:
وما بي من عِيٍّ ولا أنطق الخنا إذا جمع الأقوام في الحي محفل"
والعي مذموم، وقبحه عند الجاحظ أكثر من سلاطة اللسان، يقول: "وضرب الله مثلا لعيِّ اللسان ورداءة البيان، حين شبه أهله بالنساء والولدان، فقال تعالى: (أومن ينشأ في الحٍلية وهو في الخصام غير مبين) … وليس حفظك الله مضرة سلاطة اللسان عند المنازعة، وسقطات الخطَل، يوم إطالةِ الخُطبة،بأعظم مما يحدث عن العيِّ من اختلال الحجة، وعن الحَصر من فوت درك الحاجة" .
2- اللثغة، وهي تحول اللسان من السين إلى الثاء، أو من الراء إلى الغين، أو اللام، أو الياء، أو من حرف إلى حرف ، وقد ذكر الجاحظ الحروف التي تدخلها اللثغة: "وهي أربعة أحرف، القاف والسين واللام والراء، فأما التي هي على الشين المعجمة فذلك شيء لا يصوره الخط، لأنه ليس من الحروف المعروفة، وإنما هو مخرج من المخارج، والمخارج لا تحصى ولا يوقف عليها، وكذلك القول في حروف كثيرة من لغات العجم " .
وقد ضرب الجاحظ أمثلة متعددة للثغة، فقال: "فاللثغة التي تعرض للسين تكون ثاء، كقولهم لأبي يكسوم: أبي يكثوم، وكما يقولون: يثرة إذا أرادوا يسرة، وبثم الله إذا أرادوا بسم الله.
والثانية: اللثغة التي تعرض للقاف، فإن صاحبها يجعل القاف طاء، فإذا أراد أن يقول: قلت له، قال: طلت له. وإذا أراد أن يقول: قال لي، قال: طال لي.
وأما اللثغة التي تقع في اللام، فإن من أهلها من يجعل اللام ياء، فيقول بدل قوله: اعتلت: اعتييت. وبدل جمل: جَمَي، وآخرون يجعلون اللام كافا، كالذي عرض لعمر أخي هلال، فإنه كان إذا أراد أن يقول ما العلة في هذا؟ قال: مَكْعِكَّة في هذا؟
وأما اللثغة التي تقع في الراء، فإن عددها يضعف على عدد لثغة اللام، لأن الذي يعرض لها أربعة أحرف، فمنهم من إذا أراد أن يقول عمرو قال: عمي، فيجعل الراء ياء، ومنهم من إذا أراد أن يقول عمرو قال: عمغ، فيجعل الراء غينا، ومنهم من إذا أراد أن يقول عمرو قال: عمذ، فيجعل الراء ذالا، وإذا أنشد قول الشاعر:
واستبدت مرة واحدة إنما العاجز من لا يستبد
قال:
واستبدت مية واحدة إنما العاجز من لا يستبد
ومنهم من يجعل الراء ظاء معجمة، فإذا أراد أن يقول:
واستبدت مرة واحدة إنما العاجز من لا يستبد
يقول:
واستبدت مظة واحدة إنما العاجز من لا يستبد
ومنهم من يجعل الراء غينا معجمة، فإذا أراد أن ينشد هذا البيت قال:
واستبدت مغَّة واحدة إنما العاجز من لا يستبد
كما أن الذي لثغته بالياء إذا أراد أن يقول: (واستبدت مرة واحدة): يقول: (واستبدت مية واحدة"
3- التمتمة، وهي في اللغة رد الكلام إلى التاء والميم، أو أن تسبق كلمته إلى حنكه الأعلى .
4- الفأفأة: وهي ترديد وكثرتها في الكلام .
وقد "ونقل الجاحظ عن الأصمعي قوله: "إذا تعتع اللسان في التاء فهو تمتام، وإذا تعتع بالفاء فهو فأفاء، وأنشد لرؤبة بن العجاج:
يا حمْدُ ذاتَ المنطق التمتامِ كأن وسواسك في اللِّمام
حديث شيطان بني هِنّامِ"
5- اللَّفَف، وهو العي وبطء الكلام، وقال أبو عبيدة: "إذا أدخل الرجل بعض كلامه في بعض فهو أَلّف،وقيل: بلسنه لَفَف، وأنشدني لأبي زحف الراجز:
كأن فيه لففا إذا نطق من طول تحبيس وهم وأرق
كأنه لما جلس وحده ولم يكن له من يكلمه، طال عليه ذلك، أصابه لفف في لسانه.
وكان يزيد بن جابر قاضي الأزارقة بعد المُقَعْطِل، يقال له: الصموت، لأنه لما طال صمته ثقل عليه الكلام، فكان لسانه يلتوي ولا يكاد يبين" .
6- الحبسة، وهي تعذر الكلام عند إرادته.
7- العقلة، وهي مأخوذة من اُعتقل لسانه: لم يقدر على الكلام.
8- الحنكلة، مأخوذة مالحُكْل، وهو ما لا يسمع صوته.
وقد أشار إلى هذه العيوب جميعا الجاحظ بقوله: "ويقال في لسانه حُبسة، إذا كان الكلام يثقل عليه، ولم يبلغ حد الفأفاء والتمتام، ويقال في لسانه عُقلة، إذا تعقل عليه الكلام. ويقال في لسانه لكنة، إذا أدخل بعض حروف العجم في حروف العرب، وجذبت لسانَه العادة الأولى إلى المخرج الأول، فإذا قالوا في لسانه حُنكْلة، فإنما يذهبون إلى نقصان آلة المنطق، وعجز أداة اللفظ، حتى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال" .
9- النحنحة، وهي تردد الصوت الصوت في الجوف، وهو أسهل من السعال
10 السُّعلة، وهي حركة تدفع بها الطبيعة أذى عن الرئة والأعضاء التي تتصل بها.
وهما من عيوب المنطق، قال محمد بن ذؤيب: "وأنشدني سحيم بن حفص، في الخطيب الذي تعرض له النحنحة والسُّعلة، وذلك إذا انتفخ سحْرُه، وكبا زَنده، ونبا حدُّه، فقال:
نعوذ بالله من الإهمال ومن كلال الغرْب في المقال
ومن خطيب دائم السعالِِ
11- اللجلجة، وهي التردد في الكلام ، "كان عمر بن الخطاب إذا رأى رجلا يتلجلج في كلامه قال: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد"
12- الضجَم، وهو عوج في الفم والشدق والشفة والذقن والعنق.
13- الفقْم: وهو تقدم الثنايا العليا فلا تقع على السفلى.
14- الأروق: وهو من أشرفت ثناياه العليا على السفلى
15- الشغا، وهو اختلاف بنية الأسنان بالطول والقصر، والدخول والخروج.
وقد مثل لهذه الأنواع الجاحظ، وقال: "والضَّجَم: اعوجاج في الفم، والفَقَم مثله، والرّوق:ركوب السِّن الشفةَ، وفي الخطباء من كان أشغى، ومن كان أشدق ، ومن كان أرْوق، ومن كان أضْجم، ومن كان أفقم، وفي كل ذلك قد روينا الشاهد والمثل"
16- الأهتم، وهو من انكسرت ثناياه من أصولها . وعنه يقول الجاحظ: "وليس شيء من الحروف أدخلَ في باب النقص والعجز من فم الأهتم، من الفاء والسين إذا كانا في وسط الكلمة، فأما الضاد فليست تخرج إلا من الشدق الأيمن، إلا أن يكون المتكلم أعسر يسرا [أي يعمل بيديه جميعا] مثل عمر بن الخطاب رحمه الله، فإنه كان يخرج الضاد من أي شدقيه شاء، فأما الأيمن والأعسر والأضبط [الأعسر الأيسر] فليس يمكنهم ذلك إلا بالاستكراه الشديد.
وكذلك الأنفاس مقسومة على المنخرين، فحالا يكونا في الاسترواح ودفع البخار من الجوف من الشق الأيمن، وحالا يكونا من الشق الأيسر، ولا يجتمعان في ذلك على وقت إلا أن يستكره ذلك مستكره، أو يتكلفه متكلف، فأما إذا ترك أنفاسه على سجيتها لم تكن إلا كما قالوا" .
17- اللُكْنة، وهي: عدم إقامة العربية لعجمة في اللسان ، وقد ضرب لها الجاحظ أمثلة ثم قال: "هذا ما حضرنا من لُكنة البلغاء والخطباء والشعراء والرؤساء، فأما لكنة العامة ومن لم يكن له حظ في المنطق فمثل فيل مولى زياد، فإنه قال مرة لزياد: (أهدوا لنا همار وهش). يريد حمار وحش. فقال زياد: ما تقول ويلك! قال: (أهدوا لنا أيرا). يريد عيرا. فقال زياد الأول أهون، وفهم ما أراد" .
وكانوا يستدلون باللكنة على حقيقة الجواري، فهي أداة اختبار لدى النخاسين، والنخاس يمتحن لسان الجارية إذا ظن أنها رومية، وأهلها يزعمون أنها مولدة، بأن تقول: ناعمة، وتقول شمس، ثلاث مرات متواليات"
18 : اللنة، وهي مأخوذة من اللان وتعني لحن العامة .
19- الرُتَّة: وهي: "حُبسة في لسان الرجل وعجلة في كلامه".
20- الهتْهَتْهتَةُ والهثْهَثة: "بالتاء والثاء أيضا: حكاية صوت العيي والألكن".
21- اللَّيغُ: "أن لا يبين الكلام".
22- الخنخَنة: وهي "أن يتكلم من لدن أنفه، ويقال: هي ألا يبين الرجل في كلامه، فيخنخن في خياشيمه".
23- المَقْمقَة: وهي: "أن يتكلم من أقصى حلقه، عن الفراء"
وهناك بعض العيوب الخاصة بالأسنان ذكرها الثعالبي، منها:
24- الثَعَل: تراكبها وزيادة سن فيها.
25- اللَّصَص: شدة تقاربها وانضمامها.
26- اليَللُ: إقبالها على باطن الفم
27- الدَّفَق: انصبابها إلى قدام.
28- الدَرَد: ذهاب الأسنان
29- اللّطَط: سقوط الأسنان.
30- الكَسَس: صغر الأسنان.
كما تحدث الثعالبي عن عيوب الفم، فذكر من ذلك:
31- الشّدق: سعة الشدقين
32- الضَّزَز: وهو لصوق الحنك الأعلى بالأسفل.
33- الهدَل: استرخاء الشفتين، وغلظهما.
34- القَلب: انقلابهما.
35- الجَلعُ: قصورهما في الانضمام.
36- البرطمة: ضخمهما.
وتحدث الثعالبي عن ترتيب أوجاع الحلق، فقال: "عن ابن الأعرابي: الحرَّة: حرارة في الحلق، فإذا زادت فهي الحَرْوة، ثم الثحْثَجة [صوت فيه بحة عند اللهاة]، ثم الجأز [الغصص في الصدر]، ثم الشَّرَق، ثم الفُواق [حركة في المعدة لدفع ما يؤذيه إما لبروده الشديد أو لحره في الحميات المحرقة]، ثم الجرضُ [الجريض: لبتلاع الريق بالجهد]، ثم العسْفُ وهو عند خروج الروح"
وتحدث الثعالبي عن الأنوف وأصنافها المحمودة والمذمومة ، وعن الأصوات وأنواعها في باب من ثلاثة وعشرين فصلا، تناول فيها عن مختلف أنواع الأصوات من أصوات خفية، وشديدة، وأصوات الحركات، والأصوات التي لا تفهم . وتحدث عن الصمم، وأقسامه المختلفة، فقال: "يقال بأذنه وقر، فإذا زاد فهو صمم [انسداد في الأذن وثقل في السمع]، فإذا زاد فهو طرش، فإذا زاد حتى لا يسمع الرعد فهو صَلخ"
وقد كانت العرب الأوائل حريصة على تجنب مثل هذه العيوب في لسانها، فربما طلق أحدهم زوجته خشية أن تنتقل بعض هذه العيوب إلى أولاده بالوراثة، "قال ابن الأعرابي: طلق أبو رمادة امرأته حين وجدها لثغاء، وخاف أن تجيئه بولد ألثغ" . وترى كبراءهم يصلحون ما تساقط من أسنانهم ابتغاء البيان، "قال أبو الحسن المدائني: ولما شد عبد الملك أسنانه بالذهب، قال: لولا المنابر والنساء، ما باليت متى سقطت" .
وربما امتنع بعضهم عن الخطبة بسبب تساقط أسنانه، "قالوا: ولم يتكلم معاوية على منبر جماعة منذ سقطت ثناياه في الطست" .
كما أن بعضهم امتنع عن نطق حروف بعينها بسبب لثغة في لسانه، فمثلا "كان واصل بن عطاء قبيحَ اللُّثغةِ شنيعَها… وكان إذا أراد أن يذكر البُرَّ قال: القمح، أو الحنطة، والحنطة لغة كوفية، والقمح لغة شامية، هذا وهو يعلم أن لغة من قال بُر، أفصح من لغة من قال قمح، أو حنطة" .
وكانت العرب تعرف أسباب تساقط الأسنان، فقد "كان سفيان بن الأبرد كثيرا ما يجمع بين الحار والقار، فتساقطت أسنانه جُمَعٌ، وكان في ذلك كله خطيبا بينا" . ويرون أن سقوط بعضها أشنع في البيان من سقوطها جميعا، "قال محمد بن عمرو الرومي، مولى أمير المؤمنين: قد صحت التجربة، وقامت العبرة، على أن سقوط جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف، منه إذا سقط أكثرها، وخالف أحد شطريها الشطر الآخر" .
وتحدث الثعالبي عن ترتيب العِيِّ، فقال: "رجل عيٌّ وعَيي، ثم حصر، ثم فَهٌ [العيي الكليل اللسان]، ثم مفحَم [الذي لا ينطق]، ثم لجْلاج، ثم أبكم".
ومثل هذه العيوب ربما تكون طبيعية لدى الأطفال، وتقوَّم مع مرور العمر،بخلاف الشيوخ الذين لا أمل في تقويم أسنانهم في ذلك الزمان، والأمر نفسه لدى العرب الذين نشأوا مع العجم فانحرفت ألسنتهم، يقول الجاحظ: "والذي يعتري اللسان مما يمنع البيان أمور، منها اللثغة التي تعتري الصبيان إلى أن ينشئوا، وهو خلاف ما يعتري الشيخ الهرم الماج [الذي يمج ريقه ولا يحبسه] المسترخي الحنك، المرتفع اللثة، وخلاف ما يعتري أصحاب اللكَن من العجم، ومن ينشأ من العرب مع العجم" ، ولفت الجاحظ الأنظار إلى ضرورة تدريب الألسن وشحذها بالكلام، فهو مما يسبب الفصاحة، يقول: "وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، وتبلدت نفسه، وفسد حسه، وكانوا يروّون صبيانهم الأرجاز، ويعلمونم المُناقلات، ويأمرونهم برفع الصوت، وتحقيق الإعراب، لأن ذلك يفتق اللهاة، ويفتح الجِرْم [الحلق]، واللسان إذا أكثرت تقليبه رق ولان، وإذا أقللت تقليبه وأطلت إسكاته جسأ [يبس] وغلظ، وقال عَباية الجُعْفي: (لولا الدربة وسوء العادة، لأمرت فتياننا أن يماريَ بعضهم بعضا). وأية جارحة منعتها الحركة، ولم تمرنها على الاعتمال، أصابها من التعقد على حسب ذلك المنع" .