التحديات التي تواجه اللغة العربية في العصر الحديث
أ.د. محمد رفعت زنجير
مقدمـــــة
اللغات هي وعاء للفكر الإنساني والتجارب والأحلام الإنسانية عبر التاريخ، وقد سجلت هموم الإنسان وتطلعاته في رحلة وجوده على هذا الكوكب من بدايتها إلى نهايتها، وهي من أجلِّ نعم الله على عباده، قال تعالى: (الرحمن، عم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان) .. وبدونها لم تكن لتتحقق النبوات، ولا تقوم الحضارات، ولكان شأن الإنسان كما قال خالد بن صفوان: "ما الإنسانُ لولا اللسانُ إلا صورة مُمثلة، أو بهيمة مهملة" .
وهذه اللغات تمثل فكر الأمم، وعقول الرجال، وقد قيل: (عقل الرجل مدفون تحت لسانه) ، فالعقل مخزون وراء البيان، والعقل كما هو معلوم هو شرف الإنسان وجاهه، وزينته ومفخرته، وبه يتميز عما سواه من الكائنات، ولذلك يقول أبو الطيب المتنبي:
لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان
والأمة العربية هي الأكثر حظا بين الأمم في هذا الصدد، لأن لغتها هي لغة الكتاب الخالد المنزل من السماء وهو القرآن الكريم، وهو كتاب معجز ببيانه وأسلوبه في الدرجة الأولى، ناهيك عن إعجازه في تشريعه، وإخباره بالغيوب، وذكره للحقائق العلمية ونحو ذلك، مما جعل هذه اللغة لا تنفك عن الدين الحنيف، تنتشر حيثما وجد الدين، فتجاوزت بذلك صفة الإقليمية المحدودة، وصارت لغة عالمية، يعبر بواسطتها العربي والمسلم في أي بقعة من العالم عن ما يريد.
وقد شعر المسلمون جميعا بأهمية هذه اللغة، ونهض العرب والأعاجم معا لخدمتها بعد الإسلام، ولقد برع الكثير من الأعاجم في التقعيد لعلوم هذه اللغة النحوية والصرفية والبلاغية إلى جانب إخوانهم العرب، وذلك من أمثال: ابن المقفع (ت 143هـ) وسيبويه (ت 180هـ )، وأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت 208هـ)، والجاحظ (ت255 هـ)، وابن قتيبة (ت 276هـ) وابن جني (ت 392هـ)، وعبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ)، والزمخشري (ت 537هـ)، والسكاكي (ت 606هـ)، وغيرهم من العباقرة الأفذاذ.
وقد حظيت هذه اللغة العربية الشريفة وآدابها منذ الجاهلية وبعد الإسلام بجهود جبارة لم تحظ بها أي لغة أخرى في زمانها، فتم جمع مادتها المعجمية وتدوينها، وتم تأسيس علم النحو ومدارسه المتعددة: الكوفية والبصرية والشامية والمصرية والأندلسية، وحظيت بقية علومها بالتدوين والتقعيد كالصرف والعروض، وتم جمع الأدب ودواوينه، ثم جاء دور البلاغة بعد ذلك، فتم تدوين علومها والتقعيد لتلك العلوم، وبهذا اكتمل صرح البناء اللغوي العظيم، وإنه لإنجاز تفخر به هذه الأمة، ولا سيما أنه جاء في عصر لم تكن وسائل البحث العلمي فيه ميسرة ولا منشرة، ولكن الإرادة الصلبة لدى أولئك الأفذاذ من العلماء سيرت أمامهم الجبال، ونشير هنا إلى خبر يؤكد همة أولئك الرجال، وكان قد ذكره النضر بن شميل وهو يبين طرفا من زهد الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ) وصبره، وهو صاحب معجم العين أول معجم بالعربية، ومؤسس علم العروض والقافية كما هو معلوم، قال النضر: (أقام الخليل في خُصٍّ ـ بيت من شجر أو قصب ـ له بالبصرة، لا يقدر على فلسين، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال، وكان يقول: إني لأغلق عليَّ بابي، فما يجاوزه همي) .
بل لقد قدموا العلم على كل حظوظ الدنيا وشهواتها، ولعل في شعر جار الله الزمخشري (ت 537هـ) الإمام في العربية وعلومها خير شاهد على هذا، يقول:
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي من وصل غانية وطيب عناق
وتمايلي طربا لحل عويصة أشهى وأحلى من مدامة ساق
وصرير أقلامي على أوراقها أحلى من الدوكاء والعشـــاق
وألذ من نقر الفتاة لدفهـــــــا نقري لألقي الرمل عن أوراقي
أأبيت سهران الدجى وتبيتـه نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي
ومما عني به السابقون: صفاء هذه اللغة، ونفي الغش والزغل عن مفرداتها، فهي لآلئ لا ينبغي أن تختلط بالحصا والتراب، يقول أبو العلاء المعري في هذا السياق:
من الناس من لفظه لؤلؤ يبادره اللقط إذ يلــفظ
وبعضهم قولــه كالحصى يقال فيلغى ولا يحفظ
ويقول حافظ إبراهيم متحدثا على لسان اللغة العربية:
أنا البحر في أرجائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
كما تم نفي الهجنة والعيوب عن أساليبها وتراكيبها، وأنجزت في ذلك دراسات متعمقة لأئمة اللغة والنحو والبيان، فكان هذا من أعظم الإنجازات في تاريخنا، لأن اللغة هي الوعاء الحضاري لفكر الأمة ونتاجها العلمي والأدبي.
أهمية البحث في التحديات التي تواجهها اللغة العربية
إن البحث في التحديات التي تواجه اللغة العربية في عصرنا الحاضر أمر في غاية الأهمية، وذلك للأسباب التالية:
السبب الأول: ويعود إلى الدين الحنيف، فهذه اللغة وعاء للفكر الإسلامي عبر خمسة عشر قرنا من الزمان، وهي الوسيلة لأداء العبادات وبخاصة الصلوات الخمس وتلاوة القرآن الكريم.
السبب الثاني: لأن اللغة العربية لها وظيفة اجتماعية، فهي التي نتواصل بواسطتها من المحيط إلى الخليج، والحفاظ عليها هو السبيل لبقاء التلاحم القومي بين الناطقين بها.
السبب الثالث: ويعود إلى تراثنا الأدبي المتنوع الذي هو مفخرة لنا، ولا نستطيع التواصل معه إلا من خلال اللغة العربية.
السبب الرابع: وهو سبب إنساني، فاللغة العربية ثروة ثقافية للإنسانية قاطبة، وقد استفادت منها اللغات الأخرى كالعبرية والفرنسية والإنكليزية، واندثار هذه اللغة أو اضمحلالها معناه ذهاب أحد أهم الموارد المغذية للغات الإنسانية.
أبرز التحديات التي تواجهها اللغة العربية
والتحديات الجمة التي تواجهها اللغة العربية ترجع في مجملها إلى نوعين:
النوع الأول: تحديات داخلية وتتمثل في الأزمة الحضارية التي تعيشها الأمة العربية، حيث وجدنا من يدعو إلى هجر هذه اللغة الفصحى واستبدال العاميات المحكية بها، أو مزجها بالعاميات بدعوى التسهيل والتيسير، أو الاعتماد على اللغات الأجنبية بديلا عنها، وكأن التطور لا يكون إلا بالانسلاخ من اللغة العربية، علما أن هنالك أمما كثيرة قد تطورت مع حفاظها على لغتها القومية كاليابان والصين وروسيا وسائر الدول الأوروبية. فليست اللغة إلا وسيلة للبيان، ولا يمكن أن نحملها مسئولية الفوضى والتقهقر الحضاري الذي تعيشه الأمة على مختلف الأصعدة.
والنوع الثاني: تحديات خارجية وتتمثل في مزاحمة اللغات الأخرى لها، والغزو الفكري الوافد من الأمم الأخرى، والمتمثل أخيرا بالعولمة التي تريد ابتلاع ثقافات المم والشعوب، والقضاء على هذا التنوع اللساني في العالم، حتى وجدنا دولة عظمى كفرنسا تضج من زحف العولمة، ويقرر زعماؤها بأن التنوع ضرورة، وذلك حفاظا على لغتهم من الانحسار والضياع بعد ذلك، فما بالك باللغة العربية التي لا يروج لها أحد، بل صرت تمشي في مدن العرب وأسواقها فلا تجد إلا إعلانات ملحونة بالعربية، وربما لا تجد العربية أصلا فوق بعض الحوانيت، وكأن اللغة العربية قد انقرضت من واقعنا الاجتماعي!.
والتحديات الخارجية يمكن التغلب عليها إذا تمسكنا بثوابتنا الثقافية وقيمنا الدينية وشخصيتنا القومية، وخصائصنا النفسية والاجتماعية، ونحن لسنا ضد تعلم لغات الآخرين والاطلاع على ثقافاتهم، بل هذا عنصر أساسي من أي مشروع حضاري لنهضة هذه الأمة، ولكننا نرى أن الأولوية في التعليم ينبغي أن تكون للغة الأم وهي اللغة العربية، هذه اللغة التي كانت لغة العلم والحضارة في العالم ذات يوم، والتي يمكن لها أن تكون ذات مستقبل باهر، وذلك لأن أكثر من ربع سكان العالم يدينون بالإسلام الذي جاء كتابه بلسان عربي مبين، وقد وجدنا من الفقهاء من يأمر المسلمين بتعلمها حتى يفقهوا كتاب ربهم عز وجل.
ولكن الخطورة الأكبر على هذه اللغة هي في التحديات الداخلية، وهي تأتي من أناس يعيشون بيننا، وينطقون بلساننا، ولكنهم يدعون إلى نبذ هذه اللغة، أو استبدالها بالعاميات تحت شعار الواقعية، أو باللغات الأوروبية الحديثة تحت شعار الدعوة إلى التقدم والتطور.
الغرض من هذا البحث
يأتي هذا البحث لمناقشة بعض التحديات التي تواجهها اللغة العربية في العصر الحديث وفي مقدمتها: التحديات الداخلية، والتي تتخذ من شعار تطوير اللغة العربية ستارا لها، وقد عرض الدكتور محمد محمد حسين أبرز هذه التحديات، وهي عنده ثلاثة:
1- منها ما يتعلق بإصلاح النحو والقواعد
2- ومنها ما يتعلق بالخط العربي
3- ومنها ما يتعلق بالأدب العربي.
يقول طيب الله ثراه: "فلنعد إلى عرض هذه الدعوات الهدامة التي تستهدف قتل العربية الفصيحة في شيء من التفصيل. نستطيع أن نحصر هذه الدعوات في شعب ثلاث: تتناول أولاها اللغة، فيطالب بعضها بإصلاحها، ويطالب بعضها الآخر بالتحول عنها إلى العامية. وتتناول ثانيتها الكتابة، فيدعو بعضها إلى إصلاح قواعدها، ويدعو بعضها الآخر للتحول عنها إلى الحروف اللاتينية. وتتناول الشعبة الثالثة: الأدب، فيدعو بعضها إلى العناية بالآداب الحديثة، وما يتصل منها بالقومية خاصة، ويدعو بعضها الآخر إلى العناية بما يسمونه (الأدب الشعبي) ويقصدون به كل ما هو متداول بغير العربية الفصيحة، مما يختلف في البلد الواحد باختلاف القرى وبتعدد البيئات".
لمحة تاريخية عن جذور الدعوة إلى تطوير اللغة العربية.
وفيما يلي موجز لتاريخ الدعوة إلى تطوير اللغة العربية أو هدمها واستبدالها:
1- بدأت الدعوة في أواخر سنة 1881م، حين اقترح (المقتطف) كتابة العلوم باللغة التي يتكلمها الناس في حياتهم العامة.
2- هاجت المسألة في أوائل سنة 1902م، حين ألف أحد قضاة محكمة الاستئناف الأهلية في مصر من الإنجليز وهو القاضي وِلْمور كتابا عما سماه لغة القاهرة، وضع لها فيه قواعد، واقترح اتخاذها للعلم والأدب، كما اقترح كتابتها بالحروف اللاتينية، وتنبه الناس للكتاب حين أشاد به المقتطف، وفي ذلك الوقت كتب حافظ قصيدته المشهورة:
رجعت لنفسي فاتهمتُ حَصاتي وناديتُ قومي فاحتبستُ حياتي
3- ثارت المسألة من جديد، حين دعا إنجليزي آخر، كان مهندسا للري في مصر، وهو السير وِلْيَم وِلْكوكس سنة 1926م إلى هجر اللغة العربية، وترجم أجزاء من الإنجيل إلى ما سماه : اللغة المصرية، ونوه سلامة موسى بالسير وليم ولكوكس وأيده.
4- انتشرت الدعوة حين اتُخذت اللهجة السوقية في المسرح الهزلي، ثم انتقلت إلى المسرح الجِدّي، حين تجرأت عليه فرقة تمثيلية تتخذ اسما فرعونيا، وهي فرقة رمسيس، وظهرت الخيالة (السينما) من بعدُ، فاتخذت هذه اللهجة، ولم يعد للعربية الفصحى وجود في هذا الميدان.
5- تسللت الدعوة إلى مجمع اللغة العربية، فظهرت سلسلة من المقالات عن اللهجة العربية العامية كتبها أحد أعضائه وهو عيسى اسكندر المعلوف، وكان يتبنى قبل فكرة الدفاع عن اللهجات السوقية، وقال إنه يشتغل بضبطها وتقييد شواردها لكتابة العلوم.
6- تقدم أحد أعضاء المجمع وهو عبد العزيز فهمي ثالث الثلاثة الذين بني عليهم الوفد المصري سنة 1943م باقتراح كتابة العربية بالحروف اللاتينية، وشُغل المجمع ببحث اقتراحه عدة جلسات، امتدت خلال ثلاث سنوات، ونشر في الصحف، وخصصت الحكومة جائزة مقدارها ألف جنيه لأحسن اقتراح في تيسير العربية.
7- وكان مصطفى كمال الذي أنهى السلطنة العثمانية هو الذي استبدل الحروف اللاتينية بالحروف العربية التي كانت مستخدمة في اللغة التركية قبل ذلك ، يدفعه بذلك عنصرية بغيضة وكره للعرب ودينهم، ثم جاء المقلدة في بلاد العرب يريدون أن يحذوا حذوه فيما فعل!
شعارات براقة لهدم علوم اللغة وتراث العرب
يتخذ دعاة التغريب والمهزومون فكريا وحضاريا وفي مقدمتهم دعاة هدم اللغة الفصحى سيلا من الشعارات البراقة، والكلمات الخلابة، بقصد لفت النظار نحوهم، ويوزعون اتهامهم في كل اتجاه، وقد حذر من هؤلاء كثير من الأدباء والشعراء ومنهم: الشاعر القروي رشيد سليم الخوري، فقد قال في مقدمة ديوانه محذرا من دعاة العامية الذين يريدون قتل العروبة والعرب ما يلي: (لغة العروبة هي هذه اللغة الخلاقة المطواع، لغة أهل الجنة، اللغة التي اتسعت لرسالة الرحمن، اللغة التي ملكت فصحاها ألسنة أفذاذ الأدب العربي، وألفت بين قلوبهم في كل قطر سحيق… كل عادل إلى العامية عنها،مبشر بها دونها، إنما هو كافر بها وبكم أيها العرب، دساس عليها وعليكم، كائد لها ولكم، عامل على قتلها وقتلكم) .
ويظن دعاة التغريب والعامية أنهم سيهدمون بادعاءاتهم صرح الدين، وهرم اللغة، وتراث الأمة العلمي والأدبي الذي تحدى عوامل الفناء، وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمود الطناحي كاشفا زيوفهم وأغراضهم: (لقد تعرض أبناء هذا الجيل لسيل طاغ وموجات متلاحقة، من التشكيك في تراثهم وأيامهم، فالشعر الجاهلي غموض وانتحال، وتفسير القرآن مشحون بالإسرائليات، والحديث مليء بالوضع والضعف، والنحو تعقيد وتأويلات، والصرف فروض ومتاهات، والبلاغة تكلف وأصباغ، والعروض قيود ودوائر تدير الرأس، والتاريخ صنع للحكام والملوك، ولم يرصد نبض الشعوب وأشواقها… يسمع أبناؤنا هذا كله مدويا عاليا، وتتجاوب أصداؤه المترنحة من أحلاس المقاهي، إلى قاعات الدرس الجامعي، ولا يستطيع الشباب لذلك دفعا ولا ردا، لغرارتهم وجهلهم وقلة حيلتهم، ولأن كل هذه السموم إنما تساق في ثياب مزركشة، من المنهجية، والموضوعية، والتفكير العلمي، وحركة التاريخ، والموقف الحضاري، والشمولية، ولا يعرف أثر هذه الألفاظ الغامضة إلا من ابتلي بشرها، وصلي جمرتها، ووجد مسها، وكل ذلك عرفت) .
مناقشة موضوعية للدعوة إلى تطوير اللغة العربية
إننا يجب أن نفرق بين تطوير اللغة وبين تطوير طرق تعليم اللغة بإعداد المدرس الجيد، والمنهج الصالح، فالثاني أمر لا غبار عليه، والخلاف هو حول تطوير اللغة، سواء كان بالخروج على قواعدها ونبذ القواعد القديمة، أو بإعادة التقعيد من جديد، فنحن نرى أن اللغة العربية بوضعها الحالي قادرة على استيعاب العصر، وليست بحاجة إلى صياغة جديدة لقواعدها، وليس أدل على قدرة العربية من وجود أدباء كبار نبغوا في هذا العصر، ومن بينهم شعراء المهجر، وقد عبر هؤلاء عن موضوعات عصرنا قاطبة، مستخدمين الفصحى، ولم نعرف واحدا منهم اشتكى من ضعف الفصحى، أو عدم قدرتها على التعبير، أو ثقلها على النفوس، فلا يشتكي من هذه الفصحى إلا ضعيف العقل والثقافة، لأنها تمثل روح هذه الأمة وفكرها، والأمم تعتز دائما بتراثها وماضيها، ومن المفارقة العجيبة أنه "بينما نجح اليهود في إحياء لغتهم العبرية الميتة، واتخاذها لغة للأدب والحياة، كان بعض المفتونين من العرب ينادون ولا يزالون بأن اللغة العربية الفصيحة لغة ميتة، وينشرون في ذلك المقالات الطوال، المكتوبة بالعربية الفصيحة التي يزعمون موتها".
إنهم " يزعمون أن قواعدها صعبة معقدة، وفي اللغات الأوروبية الحية ما هو أشد منها صعوبة وتعقيدا كالألمانية، ويقولون إن الشاذ فيها من غير القياسي كثير، والشذوذ في صيغ الأفعال وفي صيغ الجمع، والتأنيث وفي المصادر يملأ اللغات الأوروبية كلها، والشواهد عليه لا تحصى، وقالوا إن الكتابة فيها غير ميسرة، مع أن مطابقة الصوت المسموع للصورة المقروءة هي في العربية أوضح منها في الإنجليزية والفرنسية"
وينادي المستغربون "ويقولون إن اللغات الأوروبية قد تطورت، فيجب أن تتطور لغتنا كما تطورت لغاتهم، وهناك فرق بين التطور والتطوير، تتطور اللغة بأن تفرض عليها قوانينٌ قاهرةٌ هذا التطور، أما التطوير فهو سعي مفتعَل إلى التطور، وهو إرادة إحداث التطور دون أن تكون له مبررات تستدعيه، والتطور لا يُسعى إليه، ولا يُصطنع، ولكنه يفرض نفسه، فلا نجد بدا من الخضوع له. وأي نعمة وأي مزية في تطور اللغات الأوروبية حتى نسعى إلى افتعال نظيره في لغتنا؟ إن هذا التطور كان نكبة على أصحابه، قطعهم أمما بعدما كانوا أمة واحدة، ثم إنه لم يحكم على تراثهم القديم المشترك بالموت، بل هو لا يزال يقضي بين الحين على التراث القومي لكل شعب من هذه الشعوب بالموت" .