mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > الأخبار > أخبار ومناسبات لغوية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرفة

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,077
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي في مثل هذا اليوم: وفاة شيخ العربية "محمود محمد شاكر"

كُتب : [ 08-08-2019 - 02:57 PM ]


في مثل هذا اليوم: وفاة شيخ العربية "محمود محمد شاكر"











في مثل هذا اليوم: 7 أغسطس 1997م:

رحل عن الدنيا شيخ العربية وسلطان المحققين “محمود محمد شاكر”


الميلاد: 1 فبراير 1909، الأسكندرية
الوفاة: 7 أغسطس 1997، القاهرة




– محمود بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر من أسرة أبي علياء الحسينية في جرجا بصعيد مصر، وُلد في الأسكندرية في1 فبراير سنة 1909 م، وانتقل إلى القاهرة في نفس العام مع والده الذي عُيّن وكيلا للجامع الأزهر، وكان قبل ذلك شيخا لعلماء الأسكندرية.

– “أبو فهر”.. محمود محمد شاكر، واحدٌ من فرسان اللغة العربية، والمجاهد الذي وهبَ حياته كلها للغة القرآن الكريم
دافع عن العربية في مواجهة التغريب، وقرأ كتب التراث وحقق العديد منها.
أقام منهجه الخاص في الشعر وسماه منهج التذوق، وخاض الكثير من المعارك الأدبية حول أصالة الثقافة العربية، ومصادر الشعر الجاهلي.

– كانت بداية صناعة الثائر (أبو فِهر) وهو طالب بكلية الآداب، عندما استمع لمحاضرات طه حسين عن الشعر الجاهلي، وهى التي صدرت بعد ذلك في كتاب: «في الشعر الجاهلي»، وكم كانت صدمته حين ادّعى طه حسين أن الشعر الجاهلي منتحل وأنه كذب ملفق، وزادت صدمة العلّامة محمود محمد شاكر عندما وجد طه حسين يردد بالحرف تخاريف مارجليوث.. وكان أبو فِهر قد قرأ ما كتبه المستشرق الإنجليزي الحاقد “مارجليوث”.. وبدأت الحرب بين المستغرب طه حسين والعلّامة محمود محمد شاكر
– ظل محمود محمد شاكر يقاتل على جميع الجبهات، لا يترك المستغربين من أمثال لويس عوض وطه حسين وغيرهم، والمستشرقين، والعلمانيين الذين كانت مصر وما زالت هي واحتهم الآمنة!

– من أشهر أعماله:

المتنبي – القوس العذراء – أباطيل وأسمار – طبقات فحول الشعراء – نمط صعب ونمط مخيف – قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام – رسالة في الطريق إلى ثقافتنا – مداخل إعجاز القرآن – اعصفي يا رياح وقصائد أخرى

ومن أشهر تحقيقاته:

1 ـ فضل العطاء على العسر لأبي هلال العسكري
2 ـ إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع لتقي الدين المقريزي.

3 ـ المكافأة وحسن العقبى لأحمد بن يوسف بن الداية الكاتب
4 ـ طبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي
5 ـ تفسير الطبري (16 جزءا)

6 ـ جمهرة نسب قريش وأخبارها للزبير بن بكار
7 ـ تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله

8 ـ دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني
9 ـ أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني

– تقول صفحة محبي الشيخ محمود محمد شاكر على الفيسبوك، في تعريفها لأبي فهر: (أبو فهر محمود محمد شاكر، شيخ الأدباء، وإمام العربية في هذا العصر، قرأ الموروث كما لم يقرأه أحد في عصره حتى شعت على يديه من أنواره ، وانبلجت من أسراره ما جعله قبلة لكل من أراد أن ينهل من هذا التراث ويستكشف مكنوناته. نافح عن العربية في مواجهة التغريب.

أقام منهجه الخاص في الشعر وسماه منهج التذوق.

خاض الكثير من المعارك الأدبية حول أصالة الثقافة العربية، ومصادر الشعر الجاهلي، بل لقد كان من أوائل من اكتشف الخطر الرهيب الذي كان يحيق بالعرب والمسلمين حين كانت سموم التبشير تتغلغل في العقول، وحمى التفرنج تنتشر، حتى أن ” كبارا ” – كأحمد أمين – كانوا يحرصون على إرضاء نزعات المستشرقين وتعلم اللغات الأجنبية وتفسير التاريخ الإسلامي بما ينسجم مع العقل الغربي المادي،

اكتشف ذلك الخطر المحدق وهو شاب حدث لم يبلغ العشرين، واختط من يومئذ منهجه الذي لم يأت أحد من أدباء عصرنا بمثله، وما بلغ السادسة والعشرين حتى هز الأوساط الأدبية بكتابه “المتنبي” معلنا عن منهجه الجديد فحاول طه حسين وغيره احتذاء منهجه فأعجزهم ذلك. وهو أيضا مفكر عميق القكر، بعيد الغور وإن لم ينل حقه من الإنصاف في هذا الجانب حتى من قبل محبيه،

فالرجل وقف على ثغور هذه الأمة فارسا شاكي السلاح، جمع إلى شجاعته علمه وعمقه قأخرج فكرا عميقا حلل مختلف الجوانب في الحياة العربية خصوصا في الأربعينيات وبداية الخمسينيات).




الأمة


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:13 PM ]


محمود محمد شاكر .. شيخ العربية وفارس الفصحى
د. حيدر الغدير
من موقع الالوكة
محمود محمد شاكر رجل غير عادي في عصرنا، يمكن أن تصفه بأنه كان بما له وما عليه "أمة وحده" رحمه الله وغفر له.
عاش تسعين عاماً فقد ولد في الإسكندرية في شهر المحرم من عام 1327هـ الموافق لشهر شباط "فبراير" من عام 1909م ، وتوفي في القاهرة في شهر ربيع الثاني من عام 1418 هـ الموافق لشهر آب "أغسطس" 1997م.

ولد في أسرة دين وعلم فأبوه شيخ فاضل تقلب في مناصب دينية منها أنه كان وكيلاً للجامع الأزهر، وله مقال ناري في مهاجمة كمال أتاتورك يوم ألغى الخلافة الإسلامية في تركيا عام 1924م، يمكنك أن تجده في كتاب الدكتور محمد محمد حسين "الاتجاهات الوطنية". أما أخوه الشيخ أحمد فكان محدثاً عاش عمره وهو يخدم السنة المطهرة.

ولا يرمي هذا المقال إلى الكتابة عن آثاره المباركة وجهوده المبرورة في الدفاع عن أمته ودينه ولغته وحضارته، التي يمكن أن تجد حديثاً عنها في كتاب الأستاذ محمود إبراهيم الرضواني "شيخ العربية وحامل لوائها أبو فهر محمود محمد شاكر بين الدرس الأدبي والتحقيق"، أو في كتاب "دراسات عربية وإسلامية مهداة إلى أبي فهر"، وهو كتاب أعده عدد من محبيه وتلامذته بمناسبة بلوغه سن السبعين وأهدوه إليه، لكن هذا المقال يرمي إلى تقديم صورة كلية عنه تحاول أن تنصفه بما له وما عليه، وتحاول أن تفسر شخصه وعصره.



وأنا أعلم صعوبة هذه المحاولة لأن رسم الإطار العام لشخص وعصر أمر تكتنفه صعوبات كثيرة، ذلك أنك مطالب بلملمة جزئيات وأشتات كثيرة ووضعها في حيز واحد يجمع عناصرها ويفسر متناقضها، كما أنك مطالب بالنزاهة والأمانة، ثم إنك مطالب بالصراحة في تناول علم شامخ بحيث تقول ما له وما عليه، وهو علم غير عادي في عصرنا له من يحبه ومن يعاديه في كل مكان، ومع علمي هذا سأحاول ومن الله عز وجل العون والتوفيق.
كان الفقيد مجموعة شخصيات في شخصية، كان فيه صدق المسلم المؤمن الموحد المعتز بدينه أي اعتزاز، وكان فيه خلق العربي الذي أحب أمته وما يتصل بها حباً ملك عليه أقطار نفسه، وكان فيه قدر من الإباء والعناد يمتزج بقدر مماثل من طبيعة الفارس المقاتل الذي يشعر أنه ينبغي أن يكون آخذاً بعنان فرسه على الدوام ليذود عن الحمى ويصون الذمار إذا سمع الصريخ. ولقد تملكه إحساس هائل بأن مجمل الظروف العامة والخاصة جعلته مطالباً أن يكون أكثر من سواه بشير أمته ونذيرها معاً، وهو في هذا يلتقي مع أستاذه مصطفى صادق الرافعي الذي كان يمتلكه هذا الشعور إزاء أمته، وهذا أحد الأسباب المهمة في حبه للرافعي وإعجابه به منذ أن راسله عام 1921م حتى وفاته عام 1937م، وقد حزن عليه يومها حزناً شديداً، وحين ألف الأستاذ محمد سعيد العريان كتابه الشيق "حياة الرافعي" كتب له الفقيد مقدمة بديعة، رحم الله الجميع وأحسن إليهم.

وثمة جانب آخر في شخصية الفقيد وهو أنه يحمل قلب طفل فيه الطيبة والبراءة والعفوية والدهشة والانفعال، فضلاً عن سرعة الغضب وسرعة الرضا، والجهر بما عنده دون مداراة أو مجاملة.

محمود محمد شاكر مسلم خالص الإسلام، عربي خالص العروبة، عاش عمراً مديداً حافلاً بالأحداث العامة والخاصة التي تركت آثارها عليه، العامة على صعيد الأمة إذ شهد انطواء الراية العثمانية التي مثلت الخلافة الإسلامية في آخر مراحلها والتي كانت -بما لها وما عليها- دولة تتبنى الشريعة وتحفظ بلاد المسلمين في رقعة واسعة ممتدة، كما كانت سداً عسكرياً منيعاً أمام الهجمة الاستعمارية الصليبية على العالمين العربي والإسلامي ولابد أنه قرأ مقال أبيه الذي سبقت الإشارة إليه في بكائها.



وشهد كذلك سقوط العالم الإسلامي إلا قليلاً منه في قبضة الغزاة المستعمرين، وشهد حركات الجهاد والتحرير ضد هؤلاء الغزاة، وهي حركات كان وقودها الأكبر هو الحمية الدينية لدى أبناء المسلمين، ثم شهد جلاء الغزاة ومجيء الحكومات الوطنية التي قادت البلاد والعباد في مسلسل من التيه بين ثوب ديمقراطي تغريبي، أو عسكري ديكتاتوري، أو ليبرالي علماني، أو حزبي متسلط غشوم، وكان المسلسل في حقيقته مجموعة من الكوارث والنكبات، كان الفقيد يعبر عنه بمرارة فيقول لأبناء أمته: يا أبناء إسماعيل أنتم في التيه، وكأنه يراهم في تيههم يكررون تيه بني إسرائيل. وشهد الفقيد كذلك كارثة سقوط القدس وخروجها من أيدي المسلمين، ورأى تداعيات ضعف الأمة وتآكلها وانقسامها حتى باتت تلهث وراء حل سلمي مع الصهاينة لا يعيد الحقوق ولا يصون الكرامة ولا يحفظ ماء الوجه، ولابد أنه مات وفي قلبه من هذا جراحات كثيرة.



وشهد الفقيد في العقود الأخيرة وبالذات بعد نكبة 1967م انحسار موجة الشعارات القومية والاشتراكية واليسارية والعلمانية والبعثية التي كان زعماؤها ودعاتها السبب الأكبر في النكبة. كما شهد بداية الموجة التي اصطلح على تسميتها بالصحوة الإسلامية وهي موجة متداخلة عبرت عن نفسها بممارسات كثيرة يتداولها الصواب والخطأ وهي بحاجة إلى فرز وتحليل عميقين جداً للخروج بالعبر المستقاة منها خاصة بعد الدروس المرة التي لا تخفى على أحد في أفغانستان[1] وإيران وغيرهما. ولابد أن الفقيد مات وفي قلبه من هذا جراحات وأحزان.

هذا العصر الحافل بالأحداث العامة الكبيرة كانت له انعكاساته على حياته الخاصة، أولاً: لأن التداخل بين الخاص والعام أمر لابد منه، ثم لأنه شخص كان يعيش لأمته ودينه ولغته وحضارته وثقافته، وكان يدرك حجم المؤامرة عليها كما كان يدرك حجم تقصيرها في حق نفسها، وأيضاً لأنه كان رجلاً حاد الطباع، قلق النفس، متوتراً، كأن أعصابه شعلة من نار.

وجاءت مجموعة من الأحداث الخاصة لتلتقي مع المؤثرات العامة المشار إليها فتزيد من أزمة الفقيد وحدته، دخل الجامعة عام 1926م وتتلمذ على أستاذه الدكتور طه حسين في قسم اللغة العربية في جامعة الملك فؤاد "جامعة القاهرة فيما بعد"، وكان الدكتور طه حسين قد طلع على الناس بدعوى انتحال الشعر الجاهلي وهي قضية شغلت الناس كثيراً في حينها، وكان الفقيد يرى أن أستاذه مخطئ من جانبين:

الأول: أن الفكرة في ذاتها خطأ.



والثاني: أن الدكتور طه أخذ الفكرة من المستشرق مرجليوث ولم يشر إلى ذلك وهو عنده سطو يخالف الأخلاق، فضلاً عن التقاليد العلمية المقررة. وكبر الأمر عليه فغادر الجامعة وهو في السنة الثانية عام 1927م دون أن يتم دراسته، وعكف في داره على تثقيف نفسه والتبشير بأفكاره والانقطاع إلى الكتابة مرة والانقطاع عنها مراراً وظل على هذا الحال سبعين عاماً منذ ترك الجامعة حتى وفاته 1418هـ / 1997م.



وفتح الفقيد بيته وقلبه ومكتبته للناس، وبخاصة لطلبة الدراسات العليا في العلوم العربية والإسلامية الذين كانوا يؤمون الجامعات المصرية من شتى بلدان العالمين العربي والإسلامي، فاستفاد منه الكثيرون في اقتراح موضوع، أو حل معضلة، أو تحقيق قضية، فضلاً عن الانتفاع من مكتبته الزاخرة بالكتب والمخطوطات ومن نصائحه الثمينة لما يواجهونه من صعوبات، وكانت داره كأنها خلية علم لهؤلاء الطلبة ولغيرهم من أعلام الشعر والأدب والثقافة، وربما تحولت إلى ما يشبه داراً للضيافة أحياناً، ومنها تخرج أناس بلغوا أعلى المناصب وحملوا أعلى الدرجات، وقد انتهت الأمور بينه وبين بعضهم إلى الخصومة وهو ما جعله يصفهم بالعقوق.

وفي العهد الناصري دخل السجن مرتين، وهو ما ترك في نفسه جراحاً كثيرة، وفي المرة الثانية لازمه إثر خروجه من السجن نوع من الاكتئاب والسخط، تخلص منه أو من جزء منه بصعوبة بالغة.

فإذا أضفت إلى ذلك أنه ظل سبعين عاماً، منذ أن هجر الجامعة حتى وفاته بدون دخل ثابت، تبين لك أن هذا الأمر شغله، خاصة بعد أن كبر، وجاءه ولداه فهر وزلفى في خريف العمر، ولابد أنه كان يشعر بالقلق إزاءهما وهو ينظر إلى شمسه تغرب شيئاً فشيئاً رحمه الله وأحسن إليه.

من هنا يمكن القول: إن تلاقي الأحداث العامة مع الأحداث الخاصة في عمره المديد ترك آثاره على حياته بصورة حادة لا يخطئها من اتصل به أدنى اتصال.



محمود محمد شاكر مسلم صادق الإسلام أحب هذا الدين ومنحه ولاءه وأخلص له، وأحب نبيه الكريم-صلى الله عليه وسلم-، وقرآنه العظيم، وحضارته وثقافته.

وهو عربي خالص العروبة أحب العرب وأخلص لهم ودافع عنهم، وكانت نفسه ملأى بالاعتزاز بهم وبلغتهم وبشعرائهم وبرموزهم في كل ميدان.

وقد تداخل عنده هذان الحبان، حب الإسلام وحب العرب، وهذا أمر منطقي ومبرر، فالعرب مادة الإسلام وهم حاملو رايته ولوائه، ثم إن العربية لغة هذا الدين، والعرب منحوا الإسلام ولاءهم فارتفعوا به، والإسلام يرفع معتنقيه عامة، فكيف إذا كانوا أصحاب مزايا تجعلهم جديرين بأن يكونوا أول من حمله والله أعلم حيث يجعل رسالته؟

ولما كانت اللغة العربية هي لغة الإسلام، كان ينبغي أن تحظى بعناية خاصة قبل الجميع وبالذات من المشتغلين بنشر الدعوة الإسلامية، ذلك أنها المفتاح الصحيح لفهم هذا الدين فهماً سليماً، وقد لاحظ الشاعر الكبير محمد إقبال ‘ أن العقل العربي المسلم في جملته استطاع أن يفهم الإسلام أفضل من أخيه العقل المسلم غير العربي في جملته، وأرجع ذلك إلى اللغة، وقد صدق الشاعر الكبير في هذه الملاحظة التي تؤكدها شواهد كثيرة.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:14 PM ]


تتمة/

والملاحظ في حركة المد والجزر في التاريخ الإسلامي أنه كلما انتشر الإسلام مقترناً بانتشار العربية كان أدوم للإسلام وللعربية معاً، ولذلك حين كان ينحسر الإسلام في بلد عربي لسبب ما يظل هذا الانحسار أقل من مثيله حين يقع في بلد مسلم غير عربي، والمثال التركي أوضح الأمثلة على صدق هذا الرأي وقوته، فلقد كان حجم الانحسار في تركيا هائلاً لأسباب كثيرة منها أن الأتراك لم يتعربوا يوم كانوا قادرين على ذلك ولعل هذا هو أكبر أخطائهم على الإطلاق، ولو أنهم تعربوا لظلت صلتهم بالإسلام أفضل لامتلاكهم أهم أدوات فهمه وهي اللغة. والعبرة المستفادة من ذلك للمهتمين بنشر الدعوة الإسلامية هي أن يحرصوا على نشر العربية معها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فذلك أعون على صحة الفهم من ناحية، وأعون على الدوام من ناحية.



هذا الأمر وعاه الفقيد رحمه الله وأحسن إليه، وكان أحد أسباب حبه للعربية والدفاع عنها، وهو سبب يضاف إلى الأسباب الأخرى من عظمة هذه اللغة بحد ذاتها ومن عروبة الفقيد الصميمة. وحب العربية يقود بالضرورة إلى حب العرب، وحب العرب يتداخل مع حب الإسلام عند كل عربي وعند كل مسلم، وهكذا كان الفقيد.
على أن حبه لأمته المسلمة عامة والعربية منها خاصة لم يكن يخلو من السخط عليها، فقد سخط عليها كما سخط على أعدائه وأعدائها، والفارق بين السخطين أنه جهر بسخطه على العدو في شجاعة خلافاً لسخطه على أمته الذي كان يداريه ويغالبه لكنه يأبى إلا أن يظهر بين الحين والآخر. ومرد هذا السخط إلى شعوره أن الأمة لم تبوئه المكانة التي يستحقها وذلك عنده نوع من الجحود والعقوق، ولعله نسي أنه هو بطبعه ومزاجه السبب الأكبر في ذلك.
كانت حكمته أقل من علمه، وأنا أعلم أن هذا الكلام يغضب عدداً من محبيه وعارفي فضله وأنا واحد منهم، لكن هذه هي الحقيقة، وربما كان في الأمثلة ما يؤكد الفكرة وينفي عنها شبهة المبالغة.
هذا الرجل الذي عاش فترة طويلة من عمره فاتحاً قلبه وعقله وبيته ومكتبته وخبرته لطلبة الدراسات العليا، كان بوسعه أن يجعل من هؤلاء الطلبة رسل خير يتبنون أفكاره الجيدة النافعة ويعممونها حيث يكونون في مختلف المواقع الثقافية التي يحتلونها وعلى امتداد العالمين العربي والإسلامي، وهو ما يترك لا محالة أعمق الآثار وأنفعها للعرب والمسلمين، ولما كان يؤمن به ويدعو إليه ويبشر به ويقاتل من أجله ويحترق بسببه. لكننا لا نجد من هذه الآثار إلا النزر القليل، والسبب هو مزاجه الحاد الذي كان يصطلي به رواده ومحبوه، فينفر من ينفر ويسكت من يسكت، ولطالما سمع منه هؤلاء اتهاماً لهذا أو ذاك بالجهل أو السوء وما يشبه ذلك. لقد كانت لديه القدرة على كسب الناس ثم خسارتهم كلياً أو جزئياً، ولو كان حظه من الحلم والأناة والحكمة والتودد إلى الناس والصبر على أخطاء الطلبة الذين يرونه أستاذهم ومرشدهم مماثلاً لحظه من العلم لصنع خيراً كبيراً لهم ولأمته ولغته ودينه ولنفسه أيضاً.



من أروع ما مر بي من ضرورة التوازن بين العلم والحكمة جملة بديعة جداً تقول: "درهم مال يحتاج إلى درهم عقل لحسن تدبيره و القيام عليه، لكن درهم علم يحتاج إلى درهمي عقل للانتفاع منه"، وهي جملة بليغة جداً، فالعلم وحده معلومات "خام" فيها صواب وفيها خطأ، والعقل هو الذي يفرز الصواب والخطأ من ناحية، ثم هو الذي يدل صاحبه كيف يستعمل الصواب منه زماناً ومكاناً ومناسبة من ناحية. ولقد أدى الخلل بين العلم والحكمة في التاريخ الإسلامي إلى كوارث محزنة في مجالات العلم والدعوة والسياسة منذ الخوارج إلى أيامنا، وسوف تظل هذه الكوارث تطل برأسها ما ظل هذا الخلل
ولا أزال أذكر أول مرة زرت فيها الفقيد في بيته في مصر الجديدة عام 1963م، حيث اصطحبني إليه الأخ الصديق النبيل عبد العزيز السالم وكنا طالبين في السنة الرابعة من قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة القاهرة وكانت صلته به أسبق من صلتي، وكيف كان الزميل النبيل يحدثني في الطريق عن بدواته ومزاجه ويدعوني لأحتمل ما قد يسوؤني منه، ومن يومها وطنت نفسي على ذلك، فما زرته في بيته في القاهرة أو في الرياض التي كان يأتي إليها لأسباب عامة أو خاصة، إلا وأنا على أتم الاستعداد لاحتمال كل ما يقول، لاقتناعي بنصيحة الزميل العاقل، ولشعوري أن هذا الرجل نادر حقاً وله مزايا كبيرة فاحتماله مكرمة لا مهانة، ولقد سمعت منه فعلاً واحتملت.

ومن العجب أن هذا الرجل منذ خصومته مع أستاذه طه حسين اختار الصمت أكثر مما اختار الكلام مع كل الدواعي الشخصية والعامة التي تدعوه إلى الكلام. يبدو لي أنه عاقب نفسه وعاقب أمته بهذا الموقف ولم يعاقب من يراهم أهل الخطأ والزيغ من مبشرين ومستغربين وعلمانيين ومن إليهم.


هذا الموقف يذكرني بطرفة مرت بي في كتاب "الأيام" للدكتور طه حسين، يروي فيها أنه وزملاءه من طلبة الجامعة امتنعوا عن حضور درس لأستاذ إيطالي مستشرق كان يدرسهم احتجاجاً على إيطاليا لأنها قامت بغزو ليبيا، كما لو كان هذا الأستاذ الإيطالي "نلينو" هو المسؤول عن الغزو وكما لو كان الامتناع عن حضور درسه هو الرد الصحيح، يومها قال الأستاذ الإيطالي لطلبته: مثلكم مثل الذي أراد أن يعاقب زوجته فخصى نفسه.



ومن العجب أيضاً أن إنتاج هذا الرجل قليل بالقياس إلى عمره المديد وإلى العقود السبعة التي عاشها متفرغاً لما يريد بدون عمل ولا دخل، ولو أنه أحسن استثمار وقته، لكان إنتاجه أكثر بكثير، فسبعون عاماً مدة طويلة مباركة، وبخاصة لشخص في ذكاء محمود محمد شاكر وعلمه وتفرغه وسعة مكتبته والتفاف الناس حوله، ولكن المزاج الحاد أضاع عليه -وعلى الأمة من بعده- هذا العطاء المنتظر. لقد كان هناك من هو أقل منه علماً وغيرة وحرقة على الدين والأمة واللغة، ولكنه كان أكثر إنتاجا منه، ومرد ذلك، إلى حسن التعامل مع الوقت ومع الناس، فضلاً عن اعتدال المزاج والتوازن بين العلم والحكمة، ولولا أن تسمية بعض هؤلاء لها محاذيرها لفعلت.



ومن العجب أيضاً أن هذا الرجل لم يستطع تجاوز أزمته مع الدكتور طه حسين، فقد ظلت هاجساً ملحاً عليه منذ أن وقعت حتى مات، أي سبعين عاماً. حقاً لقد كانت الأزمة مهمة على مستواه الشخصي وعلى مستوى الأمة، لكن التعامل مع أزمة ما ينبغي ألا يتحول إلى عقدة دائمة بحيث تأخذ أكبر من الاهتمام المكافئ لها وبحيث تجور على اهتمام آخر ينبغي أن يوجه لأزمة أخرى قد تكون أخطر وأكبر، ولكنه -مرة أخرى- المزاج الحاد وعقابيله.



وثمة نقطة أخرى هي من العجب، بل من أعجب العجب، وهي أن الرجل الغيور على دينه ولغته وأمته وثقافته لم يشتغل بفكر البدائل كما اشتغل بفكر المكاشفة والمواجهة. إن معرفة الداء تحتاج إلى شجاعة عقلية لأن هذه المعرفة عمل فكري بالدرجة الأولى، وإن الجهر بهذه المعرفة يحتاج إلى شجاعة أدبية لأن الجهر قوة نفسية تصدم الآخرين فيما يعتقدون، ولقد امتلك الفقيد الشجاعتين العقلية والنفسية على السواء. ولكن هذا كله هو نصف المطلوب، أما النصف الآخر والأخطر أيضاً فهو تقديم البدائل، وماذا عسى ينفعك الطبيب الحاذق إذا عرف داءك وأعلمك به ولم يصف لك الدواء؟ نعم لقد كان للفقيد اجتهاده في هذا المجال لكنه كان أقل من المتوقع من رجل في حجمه، وكان أيضاً أقل مما شغل به نفسه في عمره المديد.



أبا فهر: لقد حاولت أن أكون منصفاً صريحاً وعساي وفقت. فإن كان في حديثي ما يغضب أحداً من محبيك -وأنا منهم- فلي العذر، وقد تعلمنا منك فيما تعلمنا الشجاعة في الجهر بالرأي.



رحمك الله يا أبا فهر وأجزل لك المثوبة "اللهم تقبل عمله واغفر زلته غير خال من عفوك ولا محروم من إكرامك، اللهم أسبغ عليه الواسع من فضلك والمأمول من إحسانك، اللهم أتمم عليه نعمتك بالرضا وآنس وحشته في قبره بالرحمة واجعل جودك بلالاً له من ظمأ البلى ورضوانك نوراً في ظلام الثرى"[2].



أبا فهر: للشعر فيك موعد قادم بإذن الله أرجو أن أوفق فيه لما يليق بمكانتك.


[1] في أفغانستان سقط الحكم الشيوعي، وآل الأمر إلى الذين قادوا الجهاد الأفغاني ضد الشيوعيين فاقتتلوا فيما بينهم، وقضوا على الأمل الذي تعلق به المسلمون في العالم كله ودعموه، وهو أمل الالتفاف حول جهاد خالص يقيم حكماً عادلاً ونموذجاً مشرفاً للعمل الدعوي والجهادي إذا انتصر، وظهروا خليطاً من نسب متفاوتة من العصبية القبلية الجاهلية، والرغبة الحادة في السلطة، وولاء إسلامي مشوش، فضلاً عن الجهل بحقائق السياسة والجغرافية والاقتصاد، والعجز عن إيجاد طرق حضارية لحل الخلافات تعتمد على ضوابط ومرجعيات لها احترامها، وكل ما يقال عن التدخلات الأجنبية في إيقاد الفتن فيما بينهم لا يصلح للدفاع عنهم فهم المسؤولون أولاً وقبل كل أحد عن الكارثة، لقد كانوا -في جملتهم- نموذجاً رائعاً في إزهاق الباطل لكنهم لم يكونوا كذلك في إحقاق الحق، وكانوا نموذجاً رائعاً في مرحلة القتال لكنهم لم يكونوا كذلك في مرحلة الدولة. والتمييز بين المراحل يحتاج إلى ذكاء وشجاعة نفسية، وكما ينبغي للقائد أن يشهر سيفه عند الحاجة للحرب ويحشد الناس لها، ينبغي له أيضاً أن يغمد سيفه عند الحاجة للسلم ويحشد الناس للبناء والتعمير. إن للموت صناعة، وإن للحياة صناعة، ولا بد من كل منهما في ظروفه، على أن صناعة الحياة أهم وأجدى، ودواعيها أكثر، وحساباتها أدق، والحكيم من يحسن اختيار الصناعة المطلوبة أولاً، ويعرف أدواتها ثانياً.

[2] هكذا دعا الفقيد لأخيه الشيخ أحمد رحم الله الجميع.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/culture/0/43978/#ixzz5w0jyCs5q


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:19 PM ]


هذا الموضوع منقول من منتدى فرسان الحق نقلا عن ملتقى أهل التفسير :
من ملتقى اهل الحديث
قمة من قمم العربية
(محمود شاكر)_ ابو فهر _ الاديب المحدث
هازم طه حسين و لويس


أديب و مثقف من طراز فريد ... و لولا التزامه و احساسه المفرط بأنه صاحب رسالة لكان أشهر على ألسنة الناس من طه حسين و الحكيم و العقاد.
و الرجل ظاهرة فريدة في الأدب والثقافة العربية الحديثة، فهو كاتب له طريقته الخاصة لا تبارى أو تحاكى، وشاعر مبدع حقق في الإبداع الشعري ما بلغ ذروته في قصيدته "القوس العذراء"، ومحقق بارع لكتب التراث، قادر على فك رموزها وقراءة طلاسمها، ومفكر متوهج العقل ينقض أعتى المسلمات، ومثقف واسع الاطلاع في صدره أطراف الثقافة العربية كلها فكانت عنده كتابا واحدا.
أبو فهر محمود محمد شاكر رحمه الله قمة من قمم العربية ، وعلم من أعلامها ، والحديث عنه إنما هو حديث عن تاريخ هذه الأمة العربية : عقيدة ولغة وفكراً ورجالاً . أسأل الله أن يتغمده برحمته وأن يجزيه خير جزاء المجاهدين في سبيله.
ولد الشيخ رحمه الله ليلة العاشر من المحرم عام 1327هـ في مدينة الاسكندرية.
وتوفي يوم الخميس الثالث من ربيع الآخر عام 1418هـ .
وأما كتبه فهي كلها ثمينة نفيسة ، وقد طبعتها دار الخانجي ويحضرني من كتبه المؤلفة وتحقيقاته ما يلي :
1- المتنبي . ومعه رسالة في الطريق إلى ثقافتنا. وصدر عن دار الخانجي عام 1407هـ .
2- أباطيل وأسمار.
3- نمط صعب ونمط مخيف.
4- برنامج طبقات فحول الشعراء .
5- مداخل إعجاز القرآن. وهو آخر كتبه صدوراً.
6- قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام.
7- ديوان شعر (اعصفي يا رياح).
8- (دلائل الإعجاز) لعبدالقاهر الجرجاني رحمه الله ، حققه وكتب على طرته (قرأه وعلق عليه أبو فهر محمود شاكر).
9- أسرار البلاغة لعبدالقاهر الجرجاني. قرأه وعلق عليه كذلك.
10- فضل العطاء على العسر للعسكري ، ضبطه وعلق عليه محمود شاكر.
11- إمتاع الأسماع للمقريزي ، الجزء الأول. تحقيق.
12- طبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي. حققه وهو من أفضل تحقيقاته وشروحه.
13- تحقيق تفسير الطبري بالتعاون مع أخيه أحمد محمد شاكر رحمه الله. وبلغ في تحقيقه إلى منتصف سورة إبراهيم .
14- تهذيب الآثار للطبري حقق منه 6 أجزاء.
15- الوحشيات لأبي تمام ، زاد في تعليقات الميمني عليه.
16- جمهرة نسب قريش وأخبارها حققه كذلك.
وأما مقالاته الثمينة فقد جمعت ولله الحمد قريباً بعنوان (جمهرة مقالات محمود محمد شاكر) جمعها تلميذه عادل جمال في مجلدين كبيرين وطبعتها دار الخانجي.
وقد كتبت عنه دراسات كثيرة ، طبع منها :
- شيخ العربية وحامل لوائها أبو فهر محمود محمد شاكر بين الدرس الأدبي والتحقيق لمحمود إبراهيم الرضواني.
وقد طبعته دار الخانجي في حياة الشيخ رحمه الله عام 1415هـ .
- محمود محمد شاكر الرجل والمنهج لحسن القيام .
- وهناك رسائل أخرى بعضها في جامعة اليرموك في الأردن بعنوان (محمود محمد شاكر والشعر الجاهلي) وغيرها كثير.
- وهناك كتاب طبعته دار الخانجي بعنوان (دراسات عربية وإسلامية ) مهداة للعلامة محمود شاكر بمناسبة بلوغه السبعين شارك في كتابة هذه البحوث والمقالات عدد من طلابه الشيخ ومحبيه وهو كتاب نفيس
ظل العلامة الشيخ محمود محمد شاكر سنوات طويلة في عزلة اختارها لنفسه، يقرأ ويدرس ويصدح في واحته الظليلة، لا يسمع غناءه إلا المقربون منه من تلامذته ومحبيه تاركا الدنيا ببريقها وأضوائها وراء ظهره، ولم يخرج من واحته إلا شاكي السلاح مستجيبا لدعوة الحق حين يشعر بأن ثقافة أمته يتهددها الخطر، فيقصم بقلمه الباتر زيف الباطل، ويكشف عورات الجهلاء المستترين وراء الألقاب الخادعة؛ ولذلك جاءت معظم مؤلفاته استجابة لتحديات شكلت خطرا على الثقافة العربية.

البداية والتكوين ينتمي محمود شاكر إلى أسرة أبي علياء من أشراف جرجا بصعيد مصر، وينتهي نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنه، وقد نشأ في بيت علم، فأبوه كان شيخا لعلماء الإسكندرية وتولى منصب وكيل الأزهر لمدة خمس سنوات (1909-1913م)، واشتغل بالعمل الوطني وكان من خطباء ثورة 1919م، وأخوه العلامة أحمد شاكر واحد من كبار محدثي العصر، وله مؤلفات وتحقيقات مشهورة ومتداولة.
انصرف محمود شاكر -وهو أصغر إخوته- إلى التعليم المدني، فالتحق بالمدارس الابتدائية والثانوية، وكان شغوفا بتعلم الإنجليزية والرياضيات، ثم تعلق بدراسة الأدب وقراءة عيونه، وحفظ وهو فتى صغير ديوان المتنبي كاملا، وحضر دروس الأدب التي كان يلقيها الشيخ المرصفي في جامع السلطان برقوق، وقرأ عليه في بيته: الكامل للمبرد، والحماسة لأبي تمام.

المواجهة الخافتة وربما كان في وسع شاكر أن يكون أحد علماء الرياضيات أو فروع الطبيعة بعد حصوله على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) من القسم العلمي سنة 1925 لكنه فضل أن يدرس العربية في كلية الآداب، وكاد قانون الجامعة أن يحول بينه وبين الالتحاق بقسم اللغة العربية، لولا تدخل طه حسين لدى أحمد لطفي السيد مدير الجامعة وإقناعه بأن يلتحق شاكر بكلية الآداب فأصدر قرارا بذلك.
وفي الجامعة استمع شاكر لمحاضرات طه حسين عن الشعر الجاهلي وهى التي عرفت بكتاب "في الشعر الجاهلي"، وكم كانت صدمته حين ادعى طه حسين أن الشعر الجاهلي منتحل وأنه كذب ملفق لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير، وإنما ابتدعه الرواة في العصر الإسلامي، وضاعف من شدة هذه الصدمة أن ما سمعه من المحاضر الكبير سبق له أن قرأه بحذافيره في مجلة استشراقية بقلم المستشرق الإنجليزي مرجليوث.
وتتابعت المحاضرات حول هذا الموضوع، ومحمود شاكر عاجز عن مواجهة طه حسين بما في صدره، وتمنعه الهيبة والأدب أن يقف مناقشا أستاذه، وظل على ذلك زمنا لا يستطيع أن يتكلم حتى إذا لم يعد في الصبر والتحمل بقية، وقف يرد على طه حسين في صراحة وبغير مداراة، لكنه لم يستطع أن يواجهه بأن ما يقوله إنما هو سطو على أفكار مرجليوث بلا حياء أو اكتراث.
وتولد عن شعوره بالعجز عن مواجهة التحدي خيبة أمل كبيرة فترك الجامعة غير آسف عليها وهو في السنة الثانية، ولم تفلح المحاولات التي بذلها أساتذته وأهله في إقناعه بالرجوع، وسافر إلى الحجاز سنة 1928 مهاجرا، وأنشأ هناك مدرسة ابتدائية عمل مديرا لها، حتى استدعاه والده الشيخ فعاد إلى القاهرة.

اكتشاف المتنبي وبعد عودته سنة 1929 انصرف إلى قراءة الأدب ومطالعة دواوين شعراء العربية على اختلاف عصورهم حتى صارت له ملكة في تذوق الشعر والتفرقة بين نظمه وأساليبه، وبدأ ينشر بعض قصائده الرومانسية في مجلتي "الفتح" و"الزهراء" لمحب الدين الخطيب، واتصل بأعلام عصره من أمثال أحمد تيمور وأحمد زكي باشا والخضر حسين ومصطفى صادق الرافعي الذي ارتبط بصداقة خاصة معه. ولم يكن شاكر معروفا بين الناس قبل تأليفه كتابه "المتنبي" الذي أثار ضجة كبيرة بمنهجه المبتكر وأسلوبه الجديد في البحث، وهو يعد علامة فارقة في الدرس الأدبي نقلته من الثرثرة المسترخية إلى البحث الجاد.
والعجيب أن شاكر الذي ألف هذا الكتاب سنة 1936 ولم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره لم يكن يقصد تأليف كتاب عن المتنبي، إنما كان مكلفا من قبل فؤاد صروف رئيس تحرير مجلة المقتطف بأن يكتب دراسة عن المتنبي مسهبة بعض الإسهاب ما بين عشرين إلى ثلاثين صفحة، ولكن هذا التكليف تحول على يد شاكر كتابا مستقلا عن المتنبي أنجزه في فترة زمنية قصيرة على نحو غير مسبوق ونشرته مجلة المقتطف في عددها الصادر في السادس من شوال 1354هـ الأول من يناير 1936م، وصدر فؤاد صروف مجلته بقوله: هذا العدد من المقتطف يختلف عن كل عدد صادر منذ سنتين إلى يومنا هذا، فهو في موضوع واحد ولكاتب واحد.
وقد اهتدى شاكر في كتابه إلى أشياء كثيرة لم يكتبها أحد من قبله استنتجها من خلال تذوقه لشعر المتنبي، فقال بعلوية المتنبي وأنه ليس ولد أحد السقائين بالكوفة كما قيل، بل كان علويا نشأ بالكوفة وتعلم مع الأشراف في مكاتب العلم، وقال بأن المتنبي كان يحب خولة أخت سيف الدين الحمداني واستشهد على ذلك من شعر المتنبي نفسه، وتم استقبال الكتاب بترحاب شديد وكتب عنه الرافعي مقالة رائعة أثنى عليه وعلى مؤلفه.
وكان هذا الكتاب فتحا جديدا في الدرس الأدبي وتحديا لأدباء العصر، فكتب بعده عبد الوهاب عزام كتابه "المتنبي في ألف عام"، وطه حسين "مع المتنبي"، واتهمهما شاكر بأنهما احتذيا منهجه، وسطوا على بعض آرائه، وهاجم شاكر ما كتبه طه حسين في سلسلة مقالات بلغت 12 مقالا في جريدة البلاغ تحت عنوان "بيني وبين طه حسين".

مع سيد قطب والإخوان وبعد وفاة مصطفي صادق الرافعي بعام أشعل سيد قطب معركة أدبية على صفحات الرسالة سنة 1938م، اندفع إليها بحماس الشباب دون روية، ومتأثرا بحبه الشديد وإعجابه الجامح بالعقاد، فهاجم أدب الرافعي وجرده من الإنسانية، والشاعرية واتهمه بالجمود والانغلاق، فثار محبو الرافعي على هذا الهجوم الصارخ، وقاد شاكر الدفاع عن شيخه وفند ما يزعمه سيد قطب، ودخل معه في معركة حامية لم يستطع الشهيد سيد قطب أن يصمد فيها.
ثم تجددت المعركة بينهما بعد سنوات طويلة حين كتب سيد قطب مؤلفه "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، وكان سيد قطب قد بدأ مرحلة التحول إلى الفكر الإسلامي، وحمل الكتاب ما اعتبر نقدا وتجريحا لبعض الصحابة، فانتفض شاكر وكتب مقالة شهيرة في مجلة "المسلمون" تحت عنوان " لا تسبوا أصحابي" سنة 1952م.
وهذا يجرنا إلى محاولة معرفة الموقف السلبي الذي اتخذه شاكر من جماعة الإخوان المسلمين، وكان شديد الهجوم عليهم، ولا يعرف حتى الآن الأسباب التي دعته إلى اتخاذ هذا الموقف، فهل كانت المعركة بينه وبين سيد قطب من أسباب ذلك؟! وهل الذين اتصلوا به من جماعة الإخوان كان لهم دور في توسيع الخلاف بينه وبينهم؟! ويجدر بالذكر أنه حين أنشئت داخل جماعة الإخوان المسلمين لجنة الشباب المسلم للتفرغ للدرس والبحث وبعيدا عن الانشغال بالنشاط الحركي، اتصلت بمحمود شاكر، وكان في برنامجها أن يقوم بتدريس السيرة النبوية لها بناء على اقتراح من المرشد العام حسن البنا، وعقدت عدة لقاءات، وعلى الرغم من هجوم شاكر على حسن البنا، فإن الأخير كان يصر على إتمام هذه اللقاءات للاستفادة من علم الأديب الكبير دون أن يتأثر بما يقوله عنه.

العالم الإسلامي في بيت شاكر كانت فترة الخمسينيات فترة مشهودة في حياة شاكر، فقد ترسخت مكانته العلمية وعرف الناس قدره، وبدأت أجيال من الدارسين للأدب من أماكن مختلفة من العالم الإسلامي يفدون إلى بيته، يأخذون عنه ويفيدون من علمه ومكتبته الحافلة، من أمثال: ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، وشاكر الفحام، وإبراهيم شبوح، فضلا عن كثير من أعلام الفكر الذي كانوا يحرصون على حضور ندوته الأسبوعية كل يوم جمعة عقب صلاة المغرب، مثل فتحي رضوان ويحيى حقي، ومحمود حسن إسماعيل، ومالك بن نبي، وأحمد حسن الباقوري، وعلال الفاسي، وعبد الرحمن بدوي، وعبد الله الطيب.
وشهدت هذه الندوة الدروس الأسبوعية التي كان يلقيها شاكر على الحاضرين في شرح القصائد الشعرية التي تضمنها كتاب الأصمعيات، وقد انتفع بهذه الدروس كثيرون، وكان الأديب الكبير يحيى حقي يعلن في كل مناسبة أن شاكر هو أستاذه الذي علمه العربية وأوقفه على بلاغتها، وأن ترجمات كتب مالك بن نبي خرجت من بيت شاكر، فقد قام أحد أفراد ندوته وترجمها إلى العربية وهو الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين، وكان آنذاك شابا صغيرا في بداية مشواره العلمي.
وفي ندواته الفكرية في بيته كان يعارض عبد الناصر علانية ويسخر من رجالات الثورة، ويستنكر ما يحدث للأبرياء في السجون من تعذيب وإيذاء وكان يفعل ذلك أمام زواره ومن بينهم من يشغل منصب الوزارة، كالشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف آنذاك، ونتيجة لذلك لم يسلم شاكر من بطش السلطة، فألقت القبض عليه سنة 1959م، وبقي رهن السجن 9 أشهر حتى تدخلت شخصيات عربية، فأفرج عنه وعاد لمواصلة نشاطه في تحقيق كتاب تفسير الطبري الذي بدأ في نشره من قبل، وانتظمت ندوته مرة أخرى.

أباطيل وأسمار
وظل شاكر في عزلته الاختيارية بين كتبه وتلاميذه ومحبيه، لا يشارك في الساحة الفكرية بمقالاته وآرائه حتى بدأ لويس عوض في نشر سلسلة مقالات له في جريدة الأهرام سنة 1964م، تحت عنوان "على هامش الغفران" وكان الكاتب قد لمع نجمه بعد تعيينه مستشارا ثقافيا لجريدة الأهرام، وأصبح مهيمنا على أمور الثقافة في مصر وصار له حواريون وسدنة يبشرون بآرائه.
وقد أثارت مقالات لويس عوض موجة من الشغب بين أوساط كثير من المثقفين لما فيها من تحامل على الشيخ المعري، ولم يجرؤ أحد على الرد سوى محمود شاكر الذي خرج من عزلته، وانبرى للويس عوض في سلسلة من المقالات المبهرة في مجلة الرسالة، كشفت عما في مقالات لويس عوض من الوهم والخلط التاريخي والتحريف في الاستشهاد بشعر أبي العلاء المعري، وعدم تمحيص الروايات التاريخية، والادعاء بتلقي المعري علوم اليونان على يد أحد الرهبان. وكانت مقالات شاكر التي ظهرت تباعا حدثا ثقافيا مدويا كشفت عن علم غزير ومعرفة واسعة بالشعر وغيره من الثقافة العربية، وقدرة باهرة على المحاجاة والبرهان، ولم تقف هذه المقالات التي بلغت ثلاثا وعشرين مقالة عند حدود الرد على كلام لويس عوض، بل انتقلت إلى الحديث عن الثقافة والفكر في العالم العربي والإسلامي، وما طرأ عليها من غزو فكري ولا سيما حركة التبشير التي غزت العالم الإسلامي.
وتدخل الناقد الكبير محمد مندور عند شاكر ليوقف مقالاته دون جدوى، وأصاب لويس عوض الذعر والهلع من مقالات شاكر التي فضحته بين أوساط المثقفين، وكشفت عن ضعف ثقافته حتى في تخصصه في الأدب الإنجليزي حين كشف شاكر عن فساد ترجمته العربية لمسرحية الضفادع لأرسطوفان، وراح لويس عوض يطوف على المجلات والصحف يستنصرهم ضد شاكر ويزعم أن المعركة بينهما معركة دينية، ولم يتوقف شاكر عند كتابة مقالاته حتى أغلقت مجلة الرسالة نفسها، وألقي به في غياهب السجن سنتين وأربعة أشهر من آخر شهر أغسطس سنة 1965م، حتى آخر شهر ديسمبر سنة 1967م، وقد جمعت هذه المقالات في كتابه "أباطيل وأسمار" الذي يعد من أهم الكتب التي ظهرت في المكتبة العربية في النصف الأخير من القرن العشرين.

معارك فكرية أخرى
وبعد خروجه من السجن هذه المرة عاد إلى ما كان عليه من قبل، فكتب في مجلة "المجلة" 7 مقالات إضافية تحت عنوان "نمط صعب، نمط مخيف" استجابة لصديقه الأديب يحيى حقي، حين أشاد بترجمة الشاعر الألماني "جوته" لقصيدة من قصائد الشاعر الجاهلي "تأبط شرا" وتساءل حول الترتيب الذي اقترحه الشاعر الألماني حين ترجم القصيدة إلى الألمانية، وحول الشعر القديم وروايته وافتقاد القصيدة العربية إلى الوحدة، وقد اقتضت الإجابة حول هذه الأسئلة تشعبا في الكلام، وامتدادا في أطرافه بلغ 400 صفحة حين جمع المقالات في كتاب، وقد تخلل ذلك نقد محكم للدكتور عبد الغفار مكاوي حين أعاد ترجمة قصيدة جوته إلى العربية، ودارت بينهما معركة قصيرة حول هذه الترجمة التي اتهمها شاكر بالركاكة والسقم.
ثم دارت معركة أخرى بينه وبين الباحث العراقي الدكتور علي جواد الطاهر حول تحقيقه كتاب "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام الجمحي، وتولد عن ذلك كتابه "برنامج طبقات فحول الشعراء".

تحقيق كتب التراث
يعد شاكر على رأس قائمة محققي التراث العربي، وأطلق عليه العقاد المحقق الفنان، وإنجازاته في هذا المجال كثيرة، وهي عنوان على الدقة والإتقان، ومن أشهر الكتب التي حققها: تفسير الطبري (16 جزءا)، طبقات فحول الشعراء (مجلدان)، تهذيب الآثار للطبري (6 مجلدات).. وشاكر لا يحب أن يوصف بأنه محقق لنصوص التراث العربي، وإنما يحب أن يوصف بأنه قارئ وشارح لها، وهو يكتب على أغلفة الكتب التي يقوم بتحقيقها عبارة: "قرأه وشرحه" وهذه العبارة كما يقول الدكتور محمود الربيعي "هي الحد الفاصل بين طبيعة عمله وطبيعة عمل غيره من شيوخ المحققين، إنه يوجه النص ويبين معناه بنوع من التوجيه أو القراءة التي تجعله محررا؛ لأنها قراءة ترفدها خبرة نوعية عميقة بطريقة الكتابة العربية، وهو إذا مال بالقراءة ناحية معينة أتى شرحه مقاربا، وضبطه مقنعا، وأفق فهمه واسعا، فخلع على النص بعض نفسه وأصبح كأنه صاحبه ومبدعه".


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:20 PM ]


صاحب رسالة
لم يكن شاكر في يوم من الأيام موظفا يمد يده نهاية كل شهر إلى مرتب ينتظره فتكون للحكومة كلمة نافذة في رزقه ومكانته، بل انقطع لعلمه وفكره ومكتبته وبحثه ودرسه وزملائه وتلاميذه كالراهب الذي انقطع للعبادة في صومعته.
وعاش على أقل القليل يكفيه ويسد حاجته، ومرت عليه سنوات عجاف لكنه لم ينحن أو يميل على الرغم من أن بيته كان مفتوحا لتلاميذه وأصدقائه وعارفي فضله.
ولم يكن له من مورد سوى عائده من كتبه التي كان يقوم بتحقيقها، وكان اسمه على صدرها يضمن لها النجاح والرواج، ولم يكن يأخذ شيئا على مقالاته التي يكتبها، فأعاد لمجلة العربي الكويتية سنة 1982م مائة وخمسين دولارا نظير مقالة كتبها ردا على الكاتب اليمني عبد العزيز المقالح حول طه حسين، ورفض أن يتسلم من دار الهلال مكافأته عن تأليفه كتابه المهم "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا".
ولأنه كان يشعر أنه صاحب رسالة فإنه كان ينتفض حين يرى انتهاك حرمة من حرمات اللغة العربية فيقف مدافعا عنها بكل ما يملك من أدوات علمية وفكرية، تجعل الخصم يسلم بما يقول أو يلوي هاربا. ومعاركه كلها جمعت في كتب وصارت وثائق في تاريخنا الفكري الحديث، كتبها هو من موقع المدافع والحارس لثقافة الأمة، ولولا خصومه لما ظهرت معظم مؤلفاته؛ لأنها كانت استجابة لتحديات عظيمة، وهي تظهر عظمة شاكر؛ لأنه لم يحتشد لها مثلما يحتشد المؤلفون عند تأليف كتبهم وإنما دخلها كارها مستندا إلى ثقافة واسعة وعلم غزير، وفكر ثاقب وروح وثابة، فأتى بالعجب العجاب.
وفي أخريات عمره رد له بعض الاعتبار، فنال جائزة الدولة التقديرية في الأدب سنة 1981م، ثم جائزة الملك فيصل في الأدب العربي عام 1984م، وفي أثناء ذلك اختير عضوا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ثم بالقاهرة.
وبعد رحلة حياة عريضة رحل أبو فهر شيخ العربية وإمام المحققين في الساعة الخامسة من عصر الخميس الموافق 3 من ربيع الآخر 1418هـ= 6 من أغسطس 1997م) ولبى نداء ربه.. فسلام عليك أبا فهر.
منقول من http://www.elshabab.com/docs/general...&categoryid=11
محمود محمد شاكر و تفسير الإمام الطبري
هناك في إقليم طبرستان في ناحية آمُل من بلاد المشرق الإسلامي ولد الإمام محمد بن جرير الطبري عام 224هـ وتوفي عام 310هـ عن ستة وثمانين عاماً قضاها في العلم والعمل والتصنيف ، ورزقه الله القبول فسارت تصانيفه مسير الشمس والقمر ، فقد أوتي رحمه الله قدرة وبراعة على التصنيف ، وواسطة عقد مصنفاته رحمه الله تفسيره العظيم (جامع البيان في تأويل آي القرآن) ، ذلك الكتاب الذي لو سافر مسافر إلى الصين من أجل تحصيله ما كان ذلك كثيراً في حقه كما قال أبو حامد الإسفرايني عندما طالعه.[ طبقات المفسرين للداوودي 2/106] واستعار ابن خزيمة تفسير ابن جرير من ابن بالويه ثم رده بعد سنين ، وقال : (نظرت فيه من أوله إلى آخره فما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير)[ سير أعلام النبلاء للذهبي 14/272].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : (وأما التفاسير التي في أيدي الناس ، فأصحها تفسير ابن جرير الطبري ، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة ، وليس فيه بدعة ، ولا ينقل عن المتهمين ، كمقاتل بن بكير والكلبي)[ مقدمة التفسير لابن تيمية].
هذا التفسير النفيس لقي من العناية في حياة مصنفه وبعده ما لم يلقه كتاب آخر ، وتنافس العلماء والأمراء في اقتنائه وشراءه ، ولا زال إلى يوم الناس هذا في المقدمة بدون منازع ، على كثرة المصنفات في التفسير ، فإنها – ولا أبالغ – قد زادت على الألف .
وفي العصور المتأخرة فُقِدَ كتابُ ابن جرير ولم يكد يوجد منه إلا نقول هنا وهناك حتى قال المستشرق الألماني (نيلدكه) عام 1860م بعد اطلاعه على بعض فقرات من هذا الكتاب "لو حصلنا على هذا الكتاب لاستطعنا أن نستغني عن كل كتب التفسير المتأخرة عليه ، ولكنه يبدو - للأسف - مفقوداً بالكلية)[ مذاهب التفسير الإسلامي لجولد زيهر ص 108] .وقبل ذلك لم يذكره إسماعيل البغدادي في كتابه (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون).
وبفضل من الله سبحانه وتعالى تم العثور على نسخة كاملة مخطوطة من هذا التفسير العظيم عند أمير (حائل) الأمير حمود من آل رشيد من أمر اء نجد ، وقد طبع الكتاب على هذه المخطوطة قريباً ، مع المخطوطة التي وجدت في دار الكتب المصرية بالقاهرة وإن كانت ناقصة ، والمخطوطة الناقصة كذلك التي وجدت في حلب في مكتبتها الأحمدية ، وقد ابتهجت الأوساط العلمية بطباعته في ذلك الحين ، واقرأ ذلك في كتاب جولد زيهر حيث صور الفرحة التي عمت أوساط المستشرقين بطباعته ، وقد رصدت أكاديمية الفنون الجميلة بباريس عام 1900 جائزة لمن يتصدى لدراسة التفسير وبيان منهج مؤلفه فيه!! ولك أن تعجب.
* أهم طبعات الكتاب:
- طبعة المطبعة الميمنية ، سنة 1321هـ الموافق 1901م في ثلاثين جزءاً.
- طبعة مصطفى البابي الحلبي في عشرة أجزاء عام 1321هـ الموافق 1901م.
- طبعة بولاق عام 1323هـ في ثلاثين جزءاً وبهامشه تفسير غريب القرآن للنيسابوري وانتهت هذه الطبعة عام 1330هـ.
- طبعة المطبعة الأميرية عام 1333هـ في ثلاثين جزءاً وبهامشه غريب القرآن للنيسابوري.
- طبعة أخرى لمكتبة البابي الحلبي في ثلاثين جزءاً عام 1373هـ ، وهي من أفضل طبعات تفسير الطبري ، ذلك أنها روجعت على عدة نسخ خطية ، مع ضبط النص على يد علماء أجلاء منهم مصطفى السقا رحمه الله الذي كتب خاتمة ضافية بين فيها عمل اللجنة في نشر الكتاب ، وقد شرحوا الشواهد الشعرية ، وصنعوا فهارس لكل جزء من الآيات المفسرة والموضوعات والقوافي.
- وقد أصدرت مطبعة البابي الحلبي نشرة مصورة من هذه النشرة عام 1388هـ .
- وقد اطلعت على طبعة لدار الفكر في بيروت متوافقة تماماً مع هذه الطبعة البابية السابقة ولكنها قامت بحذف المقدمة والخاتمة ولم تشر إلى أنها نشرة مطبعة البابي الحلبي.
- أما واسطة عقد طبعات تفسير الطبري ، التي لو تمت لما ساغ لأحد بعدها أن يقدم على تحقيق هذا الكتاب ، ولا ادعاء ذلك ، فهي الطبعة التي قام عليها العالم الجليل محمود محمد شاكر وأخوه العلامة المحدث أحمد محمد شاكر رحمهم الله جميعاً ابتداء من عام 1374هـ ونشرته دار المعارف بالقاهرة.
هذه هي طبعات الكتاب المشهورة التي عنيت بالكتاب عناية يطمئن إليها مع ما فيها من السقط وعدم وضوح المراد – أحياناً – لطول الفصل وعد وجود علامات ترقيم تهدي القارئ أثناء قراءته عدا الطبعة الأخيرة وهي التي سقنا الحديث من أجلها.
يقول محمود شاكر رحمه الله في مقدمة الجزء الأول من تفسير الطبري مبيناً الباعث له على القيام بتحقيقه بعد أن بين مكانة الكتاب وقيمته قال :(( بيد أني كنت أجد من المشقة في قراءته ما أجد. كان يستوقفني في القراءة كثرة الفصول في عبارته ، وتباعد أطراف الجُمَل ، فلا يسلم لي المعنى حتى أعيد قراءة الفقرة منه مرتين أو ثلاثاً. وكان سبب ذلك أننا ألفنا نهجاً من العبارة غير الذي انتهج أبو جعفر ، ولكن تبين لي أيضاً أن قليلاً من الترقيم في الكتاب ، خليق أن يجعل عبارته أبينَ ، فلما فعلت ذلك في أنحاء متفرقة من نسختي ، وعُدْتُ بَعْدُ إلى قراءتها ، وجدتها قد ذهب عنها ما كنت أجد من المشقة... فتمنيت يومئذ أن ينشر هذا الكتاب الجليل نشرة صحيحة محققة مرقمة ، حتى تسهل قراءتها على طالب العلم ، وحتى تجنبه كثيراً من الزلل في فهم مراد أبي جعفر)).(تفسير الطبري 1/11)
وهناك سبب آخر دعا إلى نشره وتحقيقه وهو ((أن ما طبع من تفسير أبي جعفر ، كان فيه خطأ كثير وتصحيف وتحريف)) . (تفسير الطبري 1/12)
وقد عقد محمود شاكر رحمه الله عزمه على نشر هذا الكتاب نشرة علمية بعد أن رأى الحاجة ماسةَ ، ورغبة في التقرب إلى الله حيث قال ((فأضمرت في نفسي أن أنشر هذا الكتاب ، حتى أؤدي بعض حق الله عليَّ ، وأشكر به نعمة أنالها – أنا لها غير مستحق – من رب لا يؤدي عبد من عباده شكر نعمة ماضية من نعمه ، إلا بنعمة منه حادثة توجب عليه أن يؤدي شكرها ، هي إقداره على شكر النعمة التي سلفت ، كما قال الشافعي رضي الله عنه)). (تفسير الطبري 1/12)
منهجه في التحقيق والنشر: 1- تم التحقيق بالمشاركة مع شقيقه الأكبر العلامة المحدث أحمد محمد شاكر رحمه الله بحيث يقوم الشيخ أحمد شاكر بدراسة الأسانيد والحكم عليها من حيث الصناعة الحديثية ، ويقوم محمود شاكر بالباقي : مقابلة النسخ ، وتحقيق النص ، وتخريج الأقوال والشواهد الشعرية ، ووضع علامات الترقيم ، وضبط النص وما يتعلق بذلك من شرح غريب ونحو ذلك.
2- مراجعة ما في تفسير الطبري من الآثار على كتاب الدر المنثور للسيوطي وفتح القدير للشوكاني ، لأنهما يكثران النقل عن الطبري.
3- الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره لم يقتصر على نقل الآثار ، بل نقل بعض كلام أبي جعفر الطبري بنصه في مواضع متفرقة ، وكذلك نقل أبو حيان في البحر المحيط ، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن في مواضع قليلة من تفسيرهما ، فقام بمقابلة المطبوع والمخطوط من تفسير الطبري على هذه الكتب. ولكن محمود شاكر رأى أن الاستمرار على هذا النهج يطيل الكتاب على غير جدوى فبدأ منذ الجزء الثاني يغفل ذكر المراجع إلا عند الاختلاف ، أو التصحيح ، أو غير ذلك مما يوجب بيان المراجع.
4- قام بمراجعة كثير مما في التفسير من الآثار ، على سائر الكتب التي هي مظنة لروايتها ، وبخاصة تاريخ الطبري نفسه ، ومن في طبقته من أصحاب الكتب التي تروي الآثار بالأسانيد. وقد استطاع المحقق أن يحرر أكثر هذه الآثار في التفسير تحريراً حسناً مقبولاً.
5- ما تكلم فيه الطبري من مسائل اللغة والنحو ، فقد راجعه على أصوله مثل (مجاز القرآن) لأبي عبيدة ، و(معاني القرآن) للفراء وغيرهما ممن يذكر أقوال أصحاب المعاني من الكوفيين والبصريين.
6- شواهد تفسير الطبري الشعرية من أبرز ما في التفسير ، وهي تزيد على ألفي شاهد (2000) شعري ، وقد قام المحقق رحمه الله بتتبع شواهده في دواوين العرب ، ونسب ما لم يكن منسوبا ، وشرحها شرحاً جيداً ، وحقق ما يحتاج إلى تحقيق من قصائدها ، ملتزماً في ذلك الاقتصار حسب الاستطاعة.
7- ظهر للمحقق رحمه الله كما قال أثناء مراجعاته أن كثيراً ممن نقل عن الطبري ، ربما أخطأ في فهم مراد الطبري ، فاعترض عليه ، لمّا استغلق عليه بعض عبارته. فقام بتقييد بعض ما بدا له خلال التعليق ، ولكنه لم يستوعب ذلك مخافة الإطالة.
8- الطبري رحمه الله في تفسيره يكثر من ترداد مصطلحات النحاة القديمة التي استقر الاصطلاح على خلافها ، فقام المحقق بتتبع هذه المصطلحات ، وقام بوضع فهرس خاص بالمصطلحات النحوية في آخر كل جزء من الأجزاء التي قام بتحقيقها.
9- كان المحقق يحب أن يبين ما انفرد به الإمام الطبري من الآراء في تأويل بعض الآيات ، ويشرح ما أغفله غيره من المفسرين ، ولكنه لم يفعل حيث خشي الإطالة مع أهمية هذا الأمر وفي هذا دعوة للباحثين الجادين للقيام على هذا الأمر الذي أراه من المباحث المهمة في حقل الدراسات القرآنية.
أما منهجه في وضع الفهارس فقد كان ينوي ترك الفهارس حتى نهاية التفسير ، ولكنه رأى الكتاب كبيراً ، وحاجة الناس إلى مراجعة بعضه على بعض ، وربط أوله بآخره فآثر أن يفرد لكل جزء فهارسه الخاصة في نهايته فكانت على هذا النحو:
- فهرس للآيات التي استدل بها الطبري في غير موضعها من التفسير. فإن الطبري ربما ذكر تفسيراً للآية في هذه المواضع لم يذكره عند تفسيره لللآية في موضعها من التفسير والذي هو مظنة ذلك القول.
- فهرساً لألفاظ اللغة ، لأن الطبري كثير الإحالة على ما مضى في كتابه ، وليكون هذا الفهرس مرجعاً لكل اللغة التي رواها الطبري ، وكثير منها مما لم يرد في المعاجم ، أو جاء بيانه عن معانيها أجود من بيان أصحاب المعاجم.
- فهرس لمباحث العربية ، لأن الطبري كثيراً ما يحيل على هذه المواضع ، ولما فيها من النفع لقارئ التفسير.
- فهرساً خاصاً بالصطلحات النحوية القديمة التي استقر الاصطلاح على غيرها، وهي كثيرة التكرار في تفسير الطبري.
- فهرس للرجال الذين تكلم عنهم العلامة أحمد شاكر في المواضع المتفرقة من التفسير.
- فهرس عام اقتصر فيه على سوى ما ذكر في الفهارس المتقدمة.
لم يقم المحقق بعمل فهارس للشواهد الشعرية في نهاية كل جزء حيث قد عزم على صنع فهرس عام للأشعار التي وردت في التفسير عند تمامه على نمط اختاره لصناعته، وكذلك فهرس أسانيد الطبري ، وفهرس الأعلام ، وفهرس الأماكن ، وفهرس المعاني ، والفهارس الجامعة لما أفرده من الفهارس في كل جزء. كل ذلك لم يتم لأنه لم يصل إلى الموعد الذي وعد بها عند بلوغه ، رحمه الله .
وقد قام المحقق بترقيم الآيات وأثبتها في رأس الصفحة فما على الباحث إلا معرفة رقم الآية من السورة المرادة ثم طلبها في أعلى الصفحة من الجزء المراد فيجد في أعلى الصفحة مثلاً(البقرة : 140) أي آية 140 من سورة البقرة وهكذا.
وقد استمر العمل في تحقيق الكتاب بداية من عام 1374هـ وتم إصدار ثلاثة عشر جزءاً حتى عام 1377هـ حيث توفي العلامة أحمد شاكر رحمه الله في نهاية شهر ذي القعدة عام 1377هـ ، وقد عبر عن ذلك محمود شاكر في مقدمة الجزء الثالث عشر فقال:((وبعد : ففي الساعة السادسة من صبيحة يوم السبت السادس والعشرين من ذي القعدة سنة 1377(14 يونية سنة 1958م) قضى الله قضاءه بالحق ، فألحق بالرفيق الأعلى أخي وشقيقي السيد أحمد محمد شاكر ، مودعاً بالدعاء ، محفوفاً بالثناء)).13/1
ثم صدر الجزء الرابع عشر سنة 1378هـ والجزء الخامس عشر سنة 1380هـ والجزء السادس عشر والأخير سنة 1388هـ وتوقف عن الآية رقم 28 من سورة إبراهيم.
وسبب توقفه عن الاستمرار في التحقيق هو خلاف نشأ بينه وبين دار المعارف التي قامت على نشر الكتاب فيما ذكر من تحدث عنه وترجم له مؤخراً[محمود محمد شاكر لعمر القيَّام ص 67] ، وقد توفي الشيخ محمود محمد شاكر رحمه الله عام 1418هـ ولم يتم تحقيق الكتاب إلى الآن ، وقد ترك رحمه الله فراغاً كبيراً في الثقافة الإسلامية بعامة فقد كان يمثل منهجاً كاملاً قل من يقوم به بعده مع أن هناك تلامذة مخلصون من تلاميذه من أمثال الدكتور إحسان عباس والدكتور محمد أبو موسى هم من خيرة من ترك من التلاميذ قدرةً على قراءة التراث الإسلامي ، وتذوقاً له ، ولكن لم يبلغوا شأوه رحمه الله ولا أظنهم يزعمون ذلك!!" انتهى النقل

رحم الله الشيخين أحمد ومحمود شاكر رحمة واسعة وأسكنهما فسيح جناته على ما بذلاه في سبيل دينه وإعزازه.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:23 PM ]


أديب العربية وشيخها أبو فهر محمود محمد شاكر
نشر بتاريخ: 2017-11-06 22:59:50


صبري بن سلامة شاهين

الرياض


محمود بن محمد شاكر بن أحمد بن عبدالقادر من أسرة أبي علياء الحسينية في جرجا بصعيد مصر، ولد في الإسكندرية 10/1/ 1327 الموافق 1/2/ 1909م، وانتقل إلى القاهرة في العام نفسه مع والده، إذ عُيّن والده وكيلاً للجامع الأزهر، وأخوه العلامة أحمد شاكر واحد من كبار محدثي العصر.

ويعد محمود شاكر ظاهرة فريدة في الأدب والثقافة العربية، فهو كاتب له أسلوبه المميز، وشاعر مبدع، بلغ إبداعه الشعري الذروة في قصيدته "القوس العذراء"، ويعد أيضًا محققًا بارعًا لكتب التراث، قادرًا على فك رموزها، ومفكرًا متوهج العقل، ومثقفًا واسع الاطلاع، حوى في صدره أطراف الثقافة العربية، كأنها لديه كتاب واحد.

وظل سنوات طويلة في عزلة اختارها لنفسه، يقرأ ويدرس ويصدح في واحته الظليلة، لا يسمع شدوه إلا المقربون منه، تاركًا الدنيا ببريقها وأضوائها وراء ظهره، ولم يخرج من واحته إلا شاكي السلاح، مستجيبًا لدعوة الحق، حين يشعر بأن ثقافة أمته يتهددها الخطر، فيقصم بقلمه الباتر زيف الباطل، ويكشف عوار الجهلاء المستخفين وراء الألقاب الخادعة؛ ولذلك جاءت معظم مؤلفاته استجابة لتحديات شكلت خطرًا على الثقافة العربية.

وبرغم هذا العطاء المبكر يقول الأستاذ محمود عن نفسه: لم أجد لنفسي خلاصًا إلا أن أرفض متخوفًا حذرًا شيئًا فشيئًا أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية، التي كانت يومئذ تطغى كالسيل الجارف، يهدم السدود، ويقوض كل قائم في نفسي، وفي طريقي، ويومئذ طويت في نفسي على عزيمة ماضية أن أبدأ وحيدًا متفردًا رحلة طويلة جدًّا، وبعيدة جدًّا، وشاقة ومثيرة جدًّا.

بدأت بإعادة قراءة الشعر العربي كله، أو ما وقع تحت يدي منه على الأصح، وقرأت ما يقع تحت يدي من كتب أسلافنا من تفسير لكتاب الله، إلى علوم القرآن الكريم مع اختلافها إلى دواوين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وشروحها، إلى ما تفرع عليه من كتب علماء الحديث وكتب الجرح والتعديل، إلى كتب أصول الفقه وأصول الدين، وما شئت بعد ذلك من أبواب العلم.

لقد انصرف محمود شاكر إلى التعليم المدني، فالتحق بالمدارس الابتدائية والثانوية، وكان شغوفًا بتعلم الإنجليزية والرياضيات، ثم تعلق بدراسة الأدب وقراءة عيونه، وحفظ وهو فتى صغير ديوان المتنبي كاملاً، وحضر دروس الأدب التي كان يلقيها الشيخ المرصفي في جامع السلطان برقوق، وقرأ عليه في بيته: "الكامل" للمبرد، و"الحماسة" لأبي تمام.

وفي الجامعة استمع محمود لمحاضرات طه حسين عن الشعر الجاهلي، وهى التي عرفت بكتاب "في الشعر الجاهلي"، وكيف صُدِمَ حين ادعى طه حسين أن الشعر الجاهلي منتحل، وأنه كذب ملفق، لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير، وإنما ابتدعه الرواة في العصر الإسلامي، وضاعف من شدة الصدمة أن ما سمعه من طه حسين سبق له أن قرأه بحذافيره في مجلة استشراقية بقلم المستشرق الإنجليزي مرجليوث.

وتتابعت المحاضرات حول هذا الموضوع، ومحمود عاجز عن مواجهة طه حسين بما في صدره، وتمنعه الهيبة والأدب أن يقف مناقشًا أستاذه، وظل على ذلك زمنًا، لا يستطيع أن يتكلم، حتى إذا نفد صبره وتحمله، وقف يرد على طه حسين في صراحة وبغير مداراة، لكنه لم يستطع أن يواجهه بأن ما يقوله إنما هو سرقة لأفكار مرجليوث بلا حياء أو اكتراث.

معركته مع طه حسين

لقد كان هذا الشاب مباركًا، حيث ملأ صوته الدنيا، وهو لا يزال في ريعان الشباب لم يبلغ العشرين، حيث كان في سن الاستعداد العلمي، ولكن عقله كان كبيرًا وناضجًا بالمعارف والعلوم، جعله ينازل أستاذه الدكتور طه حسين، ويصارعه، ومهما تكن نية طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي، فإن موضوع الكتاب كان خطيرًا للغاية.

فقد كان طه حسين يدعي أن الشعر الجاهلي لا أساس له، وهو منتحل في عصر الإسلام. وهو بهذا الادعاء ينفي عن الأمة العربية كتاب حياتها، فالشعر ديوان العرب. ومن ثم فهو ينفي النموذج الذي تحداه القرآن الكريم، وبهذا يسقط عن القرآن إعجازه، بالإضافة إلى ما في الكتاب الذي يموج بمفتريات متعددة على قصص الأنبياء، وتاريخ الأمم السابقة على الإسلام.

ولقد لقي هذا الكتاب تأييدًا واسعًا باسم الحرية التي يجب أن تتوافر للأدباء والكتاب، ولكنه وجد معارضة أوسع. ولقد وقف الأزهر الشريف وقفة قوية بأعلامها وعلمائها الكبار، الذين لهم في العلم قدم ثابتة وأصالة راسخة.

ولكن وقوف شاب في السنة الثانية من كلية الآداب ضد أستاذه في قضية كهذه، فإن هذا يثير الإعجاب جدًّا، فلقد فند مزاعم أستاذه الذى حاد عن الطريق تفنيدًا قويًّا واضحًا، ورد عليه ما قاله، وكان الدكتور طه حسين وقتها ملء السمع والبصر. بعد أن عاد من باريس وحاز أرقى الشهادات، إلا أنه جاء ليردد ما سمعه، وتلقاه في الخارج عن تراثنا العربي والإسلامي، ودخل إليه بحيلة ماكرة، جازت على الكثيرين، وضاعت حقائق كثيرة في رخامة صوته، وحسن إلقاء ما يقوله في أسماع الناس. وأهل الحقيقة الذين لا تنطلي عليهم هذه الحيل قليلون، وقد كان منهم هذا الشاب الفتى "محمود شاكر"، ولما أن وجد أن وجوده في الجامعة لن يؤدى إلى الغرض الذى يهدف إليه.

فأصبح البقاء فيها عبثًا وأي عبث، ومن ثم هجر الجامعة.

وقد وصف محمود شاكر هذه المحنة في المقدمة الجديدة لكتابه "المتنبي"، حيث قال: (كان ما كان، ودخلنا الجامعة، بدأ الدكتور "طه" يلقي محاضراته التي عرفت بكتاب "في الشعر الجاهلي" ومحاضرة بعد محاضرة، ومع كل واحدة يرتد إليَّ رجع من هذا الكلام الأعجمي الذي غاص في يمّ النسيان! وثارت نفسي، وعندي الذي عندي من المعرفة بخبيئة هذا الذي يقوله الدكتور "طه"، عندي الذي عندي من هذا الإحساس المتوهج بمذاق الشعر الجاهلي، كما وصفته آنفًا، والذي استخرجته بالتذوق، والمقارنة بينه وبين الشعر الأموي والعباسي. وأخذني ما أخذني من الغيظ، وما هو أكبر وأشنع من الغيظ، ولكني بقيت زمنًا لا أستطيع أن أتكلم.

تتابعت المحاضرات، والغيظ يفور بي، والأدب الذي أدبنا به آباؤنا وأساتذتنا يمسكني، فكان أحدنا يهاب أن يكلم الأستاذ، والهيبة معجزة، وضاقت عليَّ المذاهب، ولكن لم تخل أيامي يومئذ في الجامعة من إثارة بعض ما أجد في نفسي، في خفوت وتردد.

فالدكتور "طه" أستاذي، وله عليَّ حق الهيبة، هذا أدبنا. وللدكتور "طه" عليَّ يدٌ لا أنساها، كان مدير الجامعة يومئذ "أحمد لطفي السيد" يرى أن لاحق لحامل "بكالوريا" القسم العلمي في الالتحاق بالكليات الأدبية، ملتزمًا في ذلك بظاهر الألفاظ! فاستطاع الدكتور "طه" أن يحطم هذا العائق بشهادته لي، وبإصراره أيضًا. فدخلت يومئذ بفضله كلية الآداب، قسم اللغة العربية، وحفظ الجميل أدب لا ينبغي التهاون فيه. وأيضًا فقد كنت في السابعة عشرة من عمري، والدكتور طه في السابعة والثلاثين، فهو بمنزلة أخي الكبير، وتوقير السن أدب ارتضعناهُ مع لبان الطفولة.

وظللت أتجرع الغيظ بحتًا، وأنا أصغي إلى الدكتور "طه" في محاضراته، ولكني لا أستطيع أن أتكلم، أو أناظره كِفاحًا، وجهًا لوجه، وكل ما أقوله، فإنما أقوله في غيبته. تتابعت المحاضرات، وكل يوم يزداد وضوح هذا السطو العريان على مقالة "مرجليوث"، ويزداد في نفسي وضح الفرق بين طريقتي في الإحساس بالشعر الجاهلي، وبين هذه الطريقة التي يسلكها الدكتور "طه" في تزييف هذا الشعر. وكان هذا "السطو" خاصة مما يهز قواعد الآداب التي نشأت عليها هزًّا عنيفًا، بدأت الهيبة مع الأيام تسقط شيئًا فشيئًا، وكدت ألقي حفظ الجميل ورائي غير مُبال، ولم يبق لتوقير السن عندي معنىً.

وجاءت اللحظة الفاصلة في حياتي. فبعد المحاضرة، طلبت من الدكتور "طه" أن يأذن لي في الحديث، فأذن لي مبتهجًا، أو هكذا ظننت. وبدأت حديثي عن هذا الأسلوب الذي سماه "منهجًا" وعن تطبيقه لهذا "المنهج" في محاضراته، وعن هذا "الشك" الذي اصطنعه، ما هو، وكيف هو؟ وبدأت أدلل على أن الذي يقوله عن "المنهج" وعن "الشك" غامض، وأنه مخالف لما يقوله "ديكارت"، وأن تطبيق منهجه هذا قائم على التسليم يداخله الشك، بروايات في الكتب هي في ذاتها محفوفة بالشك! وفوجئ طلبة قسم اللغة العربية، ولما كدت أفرغ من كلامي، انتهرني الدكتور "طه" وأسكتني، وقام وقمنا لنخرج. وانصرف عني كل زملائي الذين استنكروا غضابًا ما واجهت به الدكتور "طه"، وبعد قليل أرسل الدكتور "طه" يناديني فدخلت عليه وجعل يعاتبني، يقسو حينًا ويرفق أحيانًا، وأنا صامت لا أستطيع أن أرد. لم أستطع أن أكاشفه بأن محاضراته التي نسمعها كلّها مسلوخة من مقاله "مرجليوث"، لأنها مكاشفة جارحة من صغير إلى كبير، ولكني على يقين من أنه يعلم أني أعلم، من خلال ما أسمع حديثه، ومن صوته، ومن كلماته، ومن حركاته أيضًا! وكتمان هذه الحقيقة في نفسي كان يزيدني عجزًا عن الرد، وعن الاعتذار إليه أيضًا، وهو ما كان يرمي إليه. ولم أزل صامتًا مُطرقًا حتى وجدت في نفسي كأني أبكي من ذلِّ العجز، فقمت فجأة وخرجت غير مودع ولا مبال بشيء. وقضي الأمر! ويبس الثرى بيني وبين الدكتور "طه" إلى غير رجعة!

ومن يومئذ لم أكف عن مناقشة الدكتور في المحاضرات أحيانًا بغير هيبة، ولم يكف هو عن استدعائي بعد المحاضرات، فيأخذني يمينًا وشمالاً في المحاورة، وأنا ملتزم في كل ذلك بالإعراض عن ذكر سطوه على مقالة "مرجليوث"، صارفًا همي كله إلى موضوع "المنهج" و"الشك" وإلى ضرورة قراءة الشعر الجاهلي والأموي والعباسي قراءة متذوقة مستوعبة. ولكني من يومئذ أيضًا لم أكف عن إذاعة هذه الحقيقة التي أكتمها في حديثي مع الدكتور "طه"، وهي أنه سطا سطْوًا كريهًا على مقالة "مرجليوث"، فكان بلا شك يبلغه ما أذيعه بين زملائي. وكثر كلامي عن الدكتور "طه" نفسه، وعن القدر الذي يعرفه من الشعر الجاهلي، وعن أسلوبه الدال على ما أقول. واشتد الأمر، حتى تدخل في ذلك، وفي مناقشتي، بعض الأساتذة كالأستاذ "نلّينو" والأستاذ جويدي من المستشرقين، وكنت أصارحهما بالسطو، وكانا يعرفان، ولكنهما يداوران. وطال الصراع غير المتكافئ بيني وبين الدكتور "طه" زمانًا، إلى أن جاء اليوم الذي عزمتُ فيه على أن أفارق مصر كلها، لا الجامعة وحدها غير مبال بإتمام دراستي الجامعية، طالبًا للعزلة، حتى أستبين لنفسي وجه الحق في "قضية الشعر الجاهلي" بعد أن صارت عندي قضية متشعبة كل التشعب.

وترك محمود الجامعة بعد أن سقطت هيبتها من نفسه، وعجز أن يحتمل هذا الفساد الذي رآه في أساتذته. وتولد عن شعوره بالعجز عن مواجهة التحدي خيبة أمل كبيرة، فترك الجامعة غير آسف عليها وهو في السنة الثانية، ولم تفلح المحاولات التي بذلها أساتذته وأهله في إقناعه بالرجوع، وسافر إلى الحجاز سنة 1928 مهاجرًا، وأنشأ هناك مدرسة ابتدائية عمل مديرًا لها، حتى استدعاه والده الشيخ، فعاد إلى القاهرة.

وبعد عودته سنة 1929 انصرف إلى قراءة الأدب ومطالعة دواوين شعراء العربية على اختلاف عصورهم، حتى صارت له ملكة في تذوق الشعر، والتفرقة بين نظمه وأساليبه، وبدأ ينشر بعض قصائده الرومانسية في مجلتي "الفتح" و"الزهراء" لمحب الدين الخطيب، واتصل بأعلام عصره من أمثال أحمد تيمور وأحمد زكي باشا والخضر حسين والرافعي، الذي ارتبط بصداقة خاصة معه. ولم يكن محمود معروفًا بين الناس قبل تأليفه كتابه "المتنبي" الذي أثار ضجة كبيرة بمنهجه المبتكر وأسلوبه الجديد في البحث، وهو يعد علامة فارقة في الدرس الأدبي.


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
مناقشة ماجستير: الإحالة ودورها في التماسك النصي في شعر محمود شاكر" بالقصيم مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 0 02-03-2019 01:48 PM
وفاة الشيخ الدكتور فتحي محمد جمعة صاحب "اللغة الباسلة" مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 0 08-25-2018 02:33 PM
حدث في مثل هذا اليوم (49): وفاة أبي منصور الجواليقي صاحب "المُعَرَّب" مصطفى شعبان مشاركات مفتوحة في علوم (( اللغة العربية )) 0 10-05-2017 05:40 AM
منهج تحليل القصيدة العربية القديمة عند محمود شاكر من خلال كتابه:«نمط صعب ونمط مخيف" شمس البحوث و المقالات 0 01-03-2017 08:49 PM
محمود محمد شاكر شيخ العربية وفارس الفصحى مصطفى شعبان البحوث و المقالات 2 08-31-2016 12:13 PM


الساعة الآن 07:40 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by