اللغوي العربي هادي حسن حمودي في أطروحات جديدة
January 9, 2013439
اللغوي العربي هادي حسن حمودي في أطروحات جديدة
أمهات الكتب تحت عين لغوية
أحمد نعمة
هل يمكن أن أستغرب أن الباحث العراقي الكبير والغزير الإبداع إذ له ستون كتابا في شتى ضروب المعرفة، ومئات البحوث والمقالات المنشورة في الصحف والدوريات المحكمة، باللغة العربية والإنكليزية والفرنسية.. وبرغم هجرته من العراق منذ سنة 1973، وبثّ عديدا من القصائد لمعارضة الدكتاتورية والإرهاب، ومئات المقالات في هذا الإطار نشرتها صحف المعارضة العراقية ما بين سنة 1975 وإلى سنة 2003.. أقول هل يمكن أن أستغرب أنّه ما زال مغتربا، حتى أنّهم أغلقوا أبواب التدريس الجامعي العراقي بوجهه، بل حرموه حتى من مرتبه التقاعدي. وحين نذكر له هذا يبتسم تلك الابتسامة العراقية المكتسية بألوان المشاعر المغنية عن التصريح.
كلا، لا أستغرب ذلك، برغم عشرات البحوث كتبها باحثون وأكاديميون، أغلبهم غير عراقيين وكلها ثناء على رؤاه وعلمية منهجيته.
استنقاذ الإسلامعلى أية حال، فلا أكتب هذا المقال تعريفا به، وأظنه لا يحبّذ حتى هذه الإشارة العابرة لأنه يتجنب التعريف الشخصي، ويريد من الناقد أن ينقد النص من غير تأثر باسم صاحبه، كما عبّر عن ذلك في أكثر من مقال.لذا سأكتفي، هنا، بالحديث عن واحد من أواخر إصداراته، لأهميته، إذ يحاول استنقاذ الإسلام مِمّن يتاجر به، ومِمّن يسيء فهمه. وذلك من منطلق فهم القرآن كما فهمه المسلمون الأوائل، كتركيب لغويّ فائق الجمال إلى درجة الإعجاز.أما الكتاب فهو موسوعة معاني ألفاظ القرآن الكريم يقع في حوالي ألف ومائتي صفحة. صدر عن الإيسيسكو في أواخر سنة 2011 وقدم له الدكتور عبد العزيز التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الإيسيكو الرباط بمقدمة غنية بمعانيها. فمنذ البدء نلاحظ أن الدكتور هادي قد اتّخذ له منهجا تنويريا اجتماعيا جديدا لم يُسبَق إليه في الربط بين دلالات الألفاظ القرآنية لغويا وتوشّجها مع حاجات الناس عمليا، منطلقا، في هذا المنهج، من حقيقة واضحة ثبّتها في أكثر من مؤلّف له. تلك الحقيقة المتمثلة في ظهور فئات من الناس، قديما وحديثا، عملت وما تزال تعمل على استغلال الاسلام لِما هو بريء منه، سواء من بعض المنتسبين إليه أم من بعض غير المنتسبين إليه، لذلك صار المسلمون خاصة بحاجة ماسّة ومتجدّدة لفهم القرآن الكريم الذي هو أساس الإسلام، فهما موضوعيّا بحيث لا يفرض عليه أحدٌ رؤاه المسبقة وقناعاته الموروثة. فالقرآن هو الذي ينطق عن نفسه ويبيّن أغراضه ومراميه. وعلى ضوء ذلك علينا أن نقوّم رؤانا المسبقة وقناعاتنا الموروثة.
بعيداً عن الخرافاتويرى الدكتور هادي أنّ هذه رسالة تاريخيّة لا تتمّ إلاّ بالبحث العلميّ في ألفاظ القرآن ومعانِيها، وترابط تلك الألفاظ والمعانِي فيما بينها لتؤدي رسالةَ السماء للأرض، كي يبنِي الناسُ على مبادئها العامّة وقواعدها الكلّيّة شؤونَ حياتهم، ويُنَشِّئون علاقات بعضهم ببعض على مجموعة القِيَم الإنسانية السامية التي هي أُسّ أساسات الأديان ورسالات السماء عموما، والاسلام، على وجه الخصوص، باعتباره خاتمة تلك الأديان والرسالات.ونعتقد أنّ من شأن تنفيذ هذا المنهج أنْ يُزيل عن القرآن الأساطير والخرافات، ويبتعد به عن الصراعات والمنازعات وأطماع النّفس الأمّارة بالسوء، وهي القادرة، دائما، على أنْ تُلبس الباطل ثوب الحقّ. فمعانِي الألفاظ القرآنِية هي الحاسمة في تحديد مفاهيم العدل والاستقامة ووسطيّة الاسلام وبُعده عن التعصّب والغلوّ والتّطرّف، وما إليها.
وبذلك تقدّم هذه الموسوعة للنّاس منهجا لفهم القرآن يساعدهم على تنفيذ ما يريده منهم من تعميق معانِي الخير وطلب العلم النّافع وأداء العمل الصّالح والتّعاون والوسطيّة في الأمور كلّها، وفهم الواقع فهما علميّا موضوعيّا دقيقا، والتّعامل مع مجرياته بـ{عقليّة} اجتهاديّة تؤهّلهم لمعرفة دينهم ودنْياهم بشكل أفضل. ويبيّن لهم ذلك المنهجُ حدودَهم التي يجب أن يقفوا عندها، والامتناع عن المساس بالآخرين، وأنْ يَرْفَقُوا بأنفسهم وبغيرهم، وأنْ يوغلوا في هذا الدّين برفق، وبرحمة للذّات وللآخرين قَرُبوا أم بَعُدوا، كي يحقّقوا غايات رسالة استخلافهم في الأرض. وقد حاول المؤلف في هذه الموسوعة أنْ يؤدّي تلك الرسالة التاريخيّة الحضاريّة بالانطلاق من ألفاظ القرآن الكريم بطريقة علميّة موضوعيّة، من غير افتئات على الحقّ والحقيقة، ومن غير تحميل للنّصّ ما لا يحتمله ولا يتحمّله، أو تقويله ما لم يَقُلْه. ولذلك نراه قد نهج منهجا يعتمد على الكشف عن معانِي الألفاظ القرآنِية. فبدأ بذكر الجذر اللّغوي للّفظ القرآنِي، ثمّ المعنَى اللّغويّ العامّ للجذر، وأخيرا الاستعمال القرآنِي له، بالارتكاز على هذه الأسس التي بيّنها في مقدمة موسوعته 1 فهم الواقع الاجتماعي المعاصر وحاجاته اليوميّة. 2 مراجعة أمّهات كتب التفسير. 3 الاستئناس بالدراسات القرآنِية الحديثة بمختلف تشعّباتها.
4 الاستفادة من جهود النحويين واللّغويين والبلاغيين. 5 الارتكاز على التحليل اللّغوي للّفظ القرآنِي بموجب ما يؤدّيه هو من معانٍ ودلالات وكيفية توظيف القرآن الكريم له. وتمّ ترتيب الموسوعة بحسب الترتيب الألفبائي للألفاظ بموجب مدخَلَين رئيسيَن ومداخل فرعيّة. أمّا المدخل الرئيس الأوّل فهو إطار المعنَى اللّغويّ للّفظ. وكان منهج المؤلف في تحديد ذلك الإطار منبثقا من العودة إلى استعمالات القرآن الكريم للألفاظ ومقارنتها باستعمالات العرب، والخروج بتحديد ذلك الإطار. وهو المنهج الذي اصطلح عليه الدكتور هادي بـ{نظرية المقاييس} أو {نظرية الأصول} التي بدأها الخليل بن أحمد ثم أبو عبيد القاسم بن سلاّم الذي شاء تطبيقها في ميدان الحديث النبوي الشريف، ثم أبو بكر بن دريد وأخيرا طبّقها عمليّا أحمد بن فارس المتوفي في سنة 395 للهجرة، في كتابه مقاييس اللغة.
وعلى الرغم من هذه الأطر التي تجلت في مقدمة الموسوعة فإنّ السيد المؤلف لم يجعلها أعمدة مقدسة للبحث، إذ قرّر أنّه إذا أدّانا تحليلنا للاستعمالات القرآنية إلى ما يطابق ما وصل إليه هؤلاء الروّاد نصصنا على ذلك في الحواشي، فإنْ لم ننصّ على ذلك فهو ما أدّانا إليه استقراؤنا ذاته . وهذا يعنِي اعتماده على المعطيات اللغوية للالفاظ القرآنية التي تتجلى في المدخل الرئيس الثاني.
وأمّا المدخل الرئيس الثانِي فهو الاستعمال القرآنِيّ له. ولم يكتفٍ فيه السيد الباحث برؤيته الخاصّة، بل عاد إلى كتب التفسير المعتبرة، وأمعن النظر فيها، وقارنها باستعمالات القرآن المتنوعة. وخرج بنتائج ثبّتها، كلّ مادّة في موضعها، وأحال إلى أهم المصادر التي أخذ بما جاء فيها. وأمّا المداخل الفرعيّة فتعتمد على الاشتقاق وتغيّر الدّلالة فيما وقع فيه ذلك من ألفاظ. وقد أحوجه هذا المنهج في بعض المواد إلى مناقشة ما قرّره هذا أو ذاك من السابقين، وهي مواضع قليلة، إذ لم يشأ أن يشغل القارئ بما لا يتضمّن نفعا بيّناً للناس. حسب نصّ عبارته في المقدمة. ومن الجدير بالذكر أن السيد المؤلف اكتشف أشياء جمة نافعة ومفيدة لم أجدها في غير هذا الكتاب، كإثبات الأحادية اللغوية، وانتقالها إلى الثنائي فالثلاثي، ثم فيما وراء الثلاثي، وكبرهنته على الوحدة اللغوية الأولى، وانتقالها إلى التشعب اللغوي المعروف، إضافة إلى ما كشف عنه من الاستعمالات القرآنية المتفردة، في تثبيت المعاني الدقيقة للألفاظ تلك الدقة العلمية التي تجسّد الفوارق بين المعاني باختلاف حرف أو أكثر من الكلمة.ونلاحظ أن هذا كله كان بمثابة المهاد الذي يشيّد عليه الدكتور هادي حسن حمودي رؤيته لحاضر العرب وسائر المسلمين وما يجب أن يؤول إليه مستقبلهم.وبطبيعة الحال فإن كتابا بهذا المحتوى وهذه الغايات لا بد أن يكون مثار جدال وحوار. ولعل من المفيد أن أذكر أن مؤسسة الدراسات والبحوث القرآنية، ومركزها الرئيسي في لندن والتي تصدر سنويا تقريرا معتمدا من متخصصين في الدراسات القرآنية من عرب وغير عرب، قد أصدرت تقويما لهذا الكتاب باعتباره أفضل كتاب في بابه منذ أكثر من ألف عام.والحقيقة أنّي حاولت أن أجد فيه مؤاخذات يمكننِي الجدال فيها ومعها غير أني رميت القفاز على الحلبة بانتظار أن يحمله ناقد آخر.وليس هذا الكتاب بدعا في علمية منهجه، وموضوعية أهدافه، وسلامة أدوات البحث فيه، من بين مؤلفاته الستين الأخرى. أفلا يحق لي الاستغراب الذي بدأته في أول المقال؟