كفاءة الأداء العلمي للغة العربية في صناعة المصطلح
د. عبدالناصر بوعلي
الملخص:
حاولت في هذا البحث إبراز القدرات العلمية التي تملكها اللغة العربية من أجل إيجاد مسميات لكل المصطلحات العلمية التي تجدّ في مختلف العلوم واستيعاب المصطلحات الأجنبية بما يتوفر لديها من علاقات دلالية داخلية وخارجية.
الكلمات المفتاحية:
الاشتقاق – النحت – التعريب – الاقتراض اللغوي – الترجمة.
Abstract:
I tried in this reseach to demonstrate the scientific possibilities that arabic ******** possesses in order to find definition to all the scientific terminology which oppears in the different sciences , and to assimilate the foreigner terminilogy , with the inside and outside significant relations that it has
Key words: derivation-sculpture-arabisation-linguistic-emprunt-traductions
مقدمة
تتميز اللغة العربية بخصائص عدة تكفل لها مرونة ومطواعية فائقتين في توليد الصّيغ والأوزان العديدة وإنشاء الكلمات الجديدة، واِستحداث مصطلحات للتعبير عن مختلف المعاني، والأغراض الدلالية في اِختصار بليغ وتلون بديع؛ يتماشى مع التطور والتقدم الحاصلين في جميع مناحي الحياة، ولم تعجز العربية عبر تاريخها الطويل عن إيجاد مسميات لما جدَّ في عالم الإبداع والاختراع في شتى مجالات العلوم والفنون على حد سواء، وكانت دومًا تجد الحل دون أدنى تردد أو تقاعس، فقد وسعت كتاب الله فكيف تعجز عن إيجاد مسميات لمخترعات.
وقد بهرت إمكانياتها المستشرقين منذ زمن بعيد فاكتشفوا فيما حملت من علوم وفنون جمة عبقرية كبيرة وسلاسة في التكيف مع المعطيات الجديدة وقدرة على النمو والتطور، فراحوا يحققون تراثها ويؤلفون بها عن حضارتها ويترجمون ذخائرها ويبدعون بها في العديد من الأغراض ومجالات الحياة.
وجدير بالعرب وبكل المشتغلين بالعربية اليوم أن يحملوا على عاتقهم قضية تطوير العربية، وأن يلموا بإمكاناتها وقدراتها العلمية ويتدربوا على الإفادة منها بُغية إشاعة لغة علمية موحدة قادرة على حمل متطلبات العصر.إن الذين يتهمون اللّغة العربية بالقصور العلمي ليس لهم سابق اطلاع بما أنتجته هذه اللغة في عصور زهوها عندما شمّر أبناؤها على سواعدهم وخاضوا غمار البحث والدراسة في جميع مجالات المعرفة، وأجمل ما أثر في الإشادة بقيمة اللغة العربية ما تحدث به الشاعر حافظ إبراهيم رحمه الله حيث قال:
وسعتُ كتاب الله لفظًا وغايةً
وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
وتنسيق أسماء لمخترعات
أنا البحر في أحشائه الدرُّ كامِنٌ
فهل سَألوا الغواص عن صدفاتي[1]
وإن كان البعض يرى بأن هذا شعر فقط ﴿ والشُعَرَاءُ يَتْبَعُهُم الغَاوونَ ﴾[2] ويجهلون أن هذا قول حق له دور كبير في إثارة الحماس وشحذ الهمم لتحقيق الآمال والطموحات.
وسأتناول في هذا البحث الوسائل التي تسلكها العربية في صناعة المصطلح وهي عديدة ومتنوعة لطالما استغلت قديمًا في فترة زهو الحضارة العربية وقد حفلت بها كتب المتقدمين والمتأخرين، وإنما عمدت إلى ذلك بغية إخراجها في منهج حديث يسمح بالاطلاع عليها في يسر عسى أن يلجأ إليها المشتغلون في ميدان الصناعة المصطلحية الحديثة.
وسأعالج هذه الوسائل على الترتيب بدءً بتعريف مفيد ثم تبيان السبل اللازم سلكها في صناعة المصطلح مع تقديم أمثلة:
1- الترادف:
خاض الدارسون القدامى منهم والمحدثون في أمر وجود الترادف من عدمه وشكلوا بذلك فريقين، فريق يؤمن بالترادف ويراه من أكرم صفات العربية يدل على عبقريتها وغزارة متنها وسَعَةِ أفقها، وفريق آخر ينكر هذه الظاهرة ويَعَدُّ الاعتماد فيها من مظاهر الخلط والابتعاد على الدقة.
والغالب عند الناس هو الرأي الأول الذي يؤمن بوجوده، وليست العربية بدعًا في ذلك فالعديد من لغات البشر يسودها الترادف.
ومصطلح الترادف هو التماثل وهو وجود كلمتين أو أكثر في اللغة الواحدة متماثلتين في المعنى، أي تعدد الدوال التي تشير إلى مدلول واحدٍ، وهو الترادف الكامل، ويرجع بحثه إلى الفلاسفة اليونان ثم الى المفكرين العرب من لغويين وغير لغويين، كما أنَّ للدرس الدلالي الحديث تفسيرًا لكثير من ظواهره، وشرطًا لعديد من أسبابه.
2-1 الترادف عند القدماء:
ذكره سيبويه[3] وأشار إليه ابن جنّي تحت اسم: "تعادي الكلمات وتلاقي المعاني" وخصه بأمثلة متعددة منها: الخليقة والسجية والطبيعة والغزيرة والسليق[4]، ومن الذين تناولوه بالدراسة أيضًا الرّماني (ت384هـ) في كتابه: الألفاظ المترادفة والمتقاربة في المعنى وابن فارس (ت 395 هـ) في كتابه الصّاحبي، والسيوطي (ت 911هـ) في المزهر الذي ذكر تعريف فخر الدين له فقال: هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحدٍ باعتبار واحدٍ[5].
ونشير بأن القدماء اِنقسموا فريقين بشأن هذه العلاقة فريق يثبتها وفريق ينكرها:
• المؤيدون للترادف: يقر هؤلاء بالترادف، ويرون أن أهل اللُّغة إذا أرادو أن يفسروا كلمة ذكروا كلمة أخرى مماثلة لها في المعنى، نحو تفسيرهم العقلَ باللُّب، ويقولون: لو كان لكل لفظة معنى غير الأخرى لما أمكن أن يعبر عن شيء بغير عبارته، ويحتج هؤلاء بما استخدمه الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن أبي هريرة أن يناوله السِّكين التي سقطت من يده فسأل أبو هريرة: المُديَه تريد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم[6].
• المنكرون للترادف: اِلتمس المنكرون للترادف فروقًا بين الكلمات التي رأى الفريق الأول بأنها مترادفة وقالوا: هناك فرق بين السّيف والصّارم وبين المدح والثناء، فالثناء مدح مكرر، وبين الجلوس والقعود وغيرها...
وهذا ما ذهب إليه مجموعة من العلماء نذكر منهم ابن فارس، وثعلب، وأبوعلي الفارسي، وأبوهلال العسكري، يقول ابن فارس: "يسمَّى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة، نحو السَّيف والمهنَّد والحسام، والذي في هذا أن الاسم واحد وهو السَّيف، وما بعده من الألقاب صفات، ومذهبنا أن كل صفة منها فمعناها غير معنى الأخرى، وكذلك الأفعال نحو مضى، وذهب، وانطلق، وقعد، وجلس، ورقد ونام وهجع، قالوا ففي قعد معنى ليس في جلس، وكذلك القول فيما سواه، وبهذا نقول، وهو مذهب شيخنا أبي العباس أحمد بن يحي ثعلب"[7].
الترادف عند المحدثين:
سار المحدثون على أثر القدماء فشاع بينهم فريقان فريق يثبت وفريق ينكره، يذكر أولمان ULLMAN وهو من المنكرين أن الترادف التام نادر الوقوع، لأنَّ ذلك يفترض التماثل التام في جميع السياقات، وهو أمر غير وارد فعلاً، وإذا ما حدث هذا فإنه تظهر بالتدريج فروق معنوية دقيقة تجعل كل لفظ يستقل بجانب من الجوانب المختلفة للمدلول الواحد[8]، ويقول بلومفيد BLOOMFIED: في إطار اللغة الواحدة لا يوجد ترادف، فالاختلاف الصوتي لابد أن يصاحبه اختلاف في المعنى[9]، وأما المثبتون للترادف فيميزون بين أنواع مختلفة منه فيذكرون الترادف الكامل وذلك حين يتطابق اللفظان تمام المطابقة والترادف المتقارب وذلك حين يتقارب اللفظان تقاربا شديدًا إلى درجة صعوبة التفريق بينهما عند غير المختصِّين مثل: عام وسنة وحول وحلم ورؤيا[10].
2-2 أسباب حدوث الترادف:
من الأسباب التي أدّت إلى وقوع التّرادف نجد: السبب الصّوتي فقد يكون بين الكلمتين أصوات متقاربة فيحدث تغيير، أو إبدال صوت مكان صوت، فتصبح الكلمات مترادفة نحو: الصّقر، والزّقر، والسّقر وقد يكون السبب معجميًا، فالمعاجم تشرح كلمة بأخرى على أنها تساويها في الدلالة، وقد يكون بسبب الاقتراض الذي حدث بفعل تداخل اللهجات واللغات فحدث ما يعرف اليوم بالتنوع اللساني تبعًا للتنوع الجغرافي.
• وظيفة الترادف في صناعة المصطلح:
إن الحديث الذي أسلفناه في الجدل القائم حول طبيعة الترادف في العربية لا يعنينا بالدرجة الأولى بقدر ما يهمنا الاستفادة من هذه العلاقة اللغوية في تكوين المصطلحات العلمية، "فاللغة العربية تكاد تنفردُ في مجال الترادف بظاهرة تسمى خاصية التلوين الداخلي، فكأنما هي ترسم للماهية الواحدة صورًا ذهنية متعددة تغني باللفظ عن عبارات مطولة تحدد بها المعنى المقصود، وإن هذه الميزة تظهر من الألفاظ الدالة على الشيء منظورًا إليه في مختلف درجاته وأحواله، فمعنى العطش الظمأ والصَّدى، والأوام، والهيام وكلُّها تدلُّ على العطش، إلاّ أن كلاّ منها يصور درجة من درجاته فالعطش إذا أحس بحاجته إلى الماء، ثم يشتدُّ به العطش فيظمأ، ويشتد به الظمأ فيصدى وهكذا إلى آخر السلسلة"[11].
وبالرجوع إلى المعاجم العربية وخاصة المتخصصة منها فإن حاجة الباحثين والعلماء في إيجاد المصطلحات المقابلة لما يُتَداول عند العلماء الغربيين متوفرة جدًا ويجدها كل باحث حاضرة، فلدى العربية حشدٌ هائل من المترادفات لتحقيق المطلوب حتى التخصّصات العلمية التي يعتقد الكثير أن العربية لم تتناولها ومن هذه الألفاظ نذكر في مجال النور والاستضاءة المصطلحات الآتية:
الظُّلمة – الغلَسُ – الدغش – الغبش – الدُّجْنَةُ – العُتْمَةُ – الحندسُ – الطَّرمساءُ – الرُّجس[12]... وغيرها.
وفي متن اللغة العربية من المصطلحات التي تحدد حقل الزمان واِتساعاته الكثير من ذلك:
الأوانُ – الحين – الحقبة – الدهر – الزمن – الملاوة – البرهة – اللحظة....
"وقد أحصيت من المعاجم لاختلاف درجات الحرارة عشرة ألفاظ هي: البرد- الشيم- الأريز- الزّمهرير- الخصر- القريس- الدفئ- الحار- الوَمْد- الرَّمض. ولاختلاف درجات العمق المائي خمسة ألفاظ هي: الوشل- الضّحضاح- الغور- العميق- السّحيق، ودرجات حركة الريح سبعة ألفاظ هي: النّسيم- الخفق -السرى -الهبوب- العصف- القصف-الهزم، وفي درجات سقوط المطر: الّرهم- الرشّ- الطشّ، وفي أنواع مسيل الماء اثنا عشر لفظًا وهي: الجدول- الجعفر- النَّمير- المسيل- النَّهر- الغدير- الفلَج- الخلواج- الجارون- المشبرة- السدير- العاقول، وفي لقاء البرِّ والبحر سبعة ألفاظ هي: الشّاطئ- السّاحل- القضة- العراق- الجدَّة-الشطَّ- السّيف، وفي أنواع وجه الأرض وأشكاله ستة ألفاظ هي: الترب- الأديم- الوطاء- المعزاء- الكديد- الكلدة..."[13].
إنّ الترادف في العربية من شأنه أن يحل مسألة الحداثة مقابل القدم فيما يخص مجمل التخصصات العلمية والأدبية يكفي أن يجتهد المشتغلون في الحقل المراد بحثه بأن ينقبوا عن المصطلحات والكلمات ضمن المعاجم القديمة والحديثة ونشريات المجامع اللغوية والاجتهادات الفردية التي قام بها العلماء في كل عصر وفي كل بلد وفي كل جامعة.
2- النحت:
يشكل النحت وسيلة أخرى تساهم في نماء متن اللغة العربية وتعمل على نموها، ويعد سمة نوعية لفصيلة اللغات الانضمامية اللاتينية والأنجلوسكسونية والجرمانية، ففي هذه اللغات يتم توليد الكلمات بضم الألفاظ المتكاملة بعضها إلى بعض، أو اللفظ الجديد من بعض أجزاء الألفاظ المتعاملة، كما يكون بضم اللفظ إلى أدوات معجمية غير ذات وجود مستقل، هي تلك الزوائد التي إذا جاءت في أوَّل الكلمات سميت صدورًا وإذا جاءت وسطها فهي حشوا وفي أواخرها تسمى لواحق.
والنحت في اِصطلاح الصّرفيين هو أن يختصر من كلمتين فأكثر كلمة واحدة، ولا يشترط فيه حفظ الكلمة الأولى بتمامها بالاستقراء، ولا الأخذ من جميع الكلمات ولا موافقة الحركات[14].
وقد نشأ النّحت عند العرب دفعًا للالتباس في حالة النسبة إلى الإعلام المؤلَّفة من مضاف ومضاف إليه فقالوا: عبشمي، ومرقسي، ومن ذلك قول الشاعر العربي:
وَتَضحَكُ مِنِّي شَيخًةٌ عَبشَمِية
كَأن لَم تَر قَبلِي أسيرًا يَمَانيًا[15]
وأوَّل من شرحه وقعّد له الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتابه "العين" وتابعه في ذلك ابن السِّكيت في إصلاح المنطق والجوهري في الصِّحاح والثعالبي في فقه اللغة، وأيسر تعريف للنحت أنه أخذ كلمة من كلمتين أو من حروف كلمتين فأكثر[16].
وقد يأتي النحت على وزن فَعْلَلَ أو فَعْلَلَة وذلك من حروف جملة مؤلَّفة من كلمتين أو أكثر للدلالة على التحدّث بهذه الجملة وقد سمي هذا النحت بالنحت الفعلي فقالوا في ذلك: بَسْمَلَ الرجلُ إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم، وحَوقَلَ إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله، وحَمدَلَ إذا قال: الحمد لله، وسبحل، وسَمعَلَ، وحَيعَلَ ومَشألَ وهلم جرَّا وأنشد الخليل بن أحمد:
أَقولُ لَهَا ودَمعُ العَين جَارٍ
أَلَم تُحزِنكِ حَيْعَلَةَ المنادي؟
وقال آخر:
لقد بَسْمَلَتْ لَيلَى غَدَاة لقيتُها
فَيَا حبَّذا ذَاك الحَبِيبُ المُبسْمِلُ[17]
وقد استغل المتأخرون هذا النوع من النّحت لتوليد العديد من المصطلحات من ذلك قولهم فقلغة[18] من فقه اللغة، وقولهم حَوْسَبَ من حَسَبَ بالحاسوب، وقالوا: فَنْقَلَة نحتًا من قولهم: فإن قيل كذا، وقالوا جَلْمَدَ نحتا من الجلد والجمد، وهمرج من هرج ومرج، واستعمل المحدثون النحت في الألفاظ المعربة فقالوا: كهرومغناطيسي – والكتروتقني – والكترونيك وأفروآسيوي من إفريقيا وآسيا، وصهيوأمريكي من الصهيونية وأمريكا.