إشكاليات التلقي
الناقد والروائي عبد الفتاح صبري
مسألة كيفية التعليم ليست مشكلة، المهم التعليم ذاته وبرامجه الباحثة عن الفائدة والجّدة. وهل كان التعليم منذ عدة عقود قليلة فيه إشكاليات التلقي للغة حينما كانت العملية التعليمية جادة وتقدم العلوم كلها برصانة وأن المردود كان عاليا وكان الخريج واعيا عارفا عالما بما حصل عليه من جرعة ثقافية وتعليمية وفائدة؟
الآن كل الإطار التعليمي بحاجة الى تغيير واستبدال وأن المنهج الآني ليس للغة العربية فقط يحتاج الى إعادة صياغة بما يتناسب وتطور الحياة والتقنية وتعدد مشارب وموارد التعلم، خاصة فيما يتعلق بالتكنولوجيا وأدوات التواصل الجديدة، هو في تقديري بحاجة الى تغيير منهج التفكير لدى النشء وأن نغرس فيهم روح الابتكار والتجويد والتأمل، واللغة العربية بحاجة الى إعادة نظر شاملة الى مناهجها في كل العملية التعليمية وفي كل المراحل التعليمية وبما يفيد إتقانها والتعرف على قواعدها وجمالياتها، وأن يستمر الأداء فيها وأن تكون أساسية حتى انتهاء المرحلة التعليمية الجامعية، حتى نعرف لغتنا والتي هي في الأساس لغة التعبير والتداول اليومي والانساني وحتى تتواشج في لحمة الإنسان العربي وأن تكون ثقافته الصحيحة نحو فهم ذاته ونفسه ودينه. اللغة العربية كمادة تعليمية مثلها مثل باقي العلوم تحتاج الى إعادة هيكلة دائمة، وبما يتسق والمخرج المتوخى والنهائي لإنسان عصري متعلم ومتمكن من علمه ولغته ومعارفه.
وأرى أن اللغة العربية لغة حية وثرية وقديما حينما كان العرب في أوج مجدهم وكانوا أصحاب علوم ونظريات وفلسفة وطب أطّروا للنظريات وقدموا رؤاهم بلغتهم العربية تلك اللغة الراسخة القويمة، وكان الغرب يترجم عنهم ومازالت تلك المخطوطات محفوظة لدى الغرب دليلا دامغا على قدرة اللغة العربية وإمكاناتها العظيمة، وهي كغيرها من اللغات الحية تتطور ككائن حي لتلائم العصر باستمرار.
ولماذا نبحث في ذلك ونحن أساسا لم نحاول التطويع وترجمة المصطلحات والمفاهيم العلمية من عدمه، نحن لدينا أساسا قصور في الترجمة وفي قضايا أخرى أكثر أهمية متصلة بذات السياق، لذا علينا ان نترجم لنرى إن كانت اللغة قادرة على الاحتواء وأن تلبي لغة العلم والتكنولوجيا. نحن في الواقع لانحاول بل نجنح الى تعريب صوتي للغات الأخرى المنقول عنها، وهذه كارثة لأننا بذلك نخلق لغة هجينة، ولنا في دول آسيوية تعلم العلوم بلغتها دليل وبرهان على أن أي لغة لابد وأن تستجيب لما يريد ناطقوها، وليس غيرهم من الأمم، بل لنا في التجربة السورية دليل دامغ على حيوية اللغة حيث يتم تعليم الطب والعلوم باللغة العربية، فهل كان صعبا على باقي الدول أن تنحو صوب هذه التجربة الناجحة المتفردة؟
إذا القصور يكمن في عدم محاولتنا نحن للبحث والتوصيف وخلق التحاور اللغوي مع العلوم والتكنولوجيا واللغة ساعتها ستستجيب لكل معطيات العصر، علينا البحث في أطر الحفاظ عليها والتمسك بها وتقويتها لدى الأجيال الجديدة والتالية، وهذه مسؤولية تقع على عاتق جميع المؤسسات ذات الصلة بالموضوع وعلى رأسها الجامعات والمعاهد العليا، ومجامع اللغة العربية. بعد ذلك يمكن القول إن العربية لغة عظيمة وفي مقدورها أن تكون لغة العلم المعاصر، باعتبارها واحدة من اللغات الست المسجلة رسميا في هيئات الأمم المتحدة على أنها لغة تعليم ولغة حية معاصرة.