تطبيق ابن مضاء للنحو من غير عامل في باب الاشتغال
من كتاب الرّد عَلى النّحاة لابن مضاء
ومن الأبواب التي يظن أنها تعسر على من أراد تفهيمها أو تفهمها، لأنها موضع عامل ومعمول، ولا داعية لي إلى إنكار العامل والمعمول، باب اشتغال الفعل عن المفعول بضميره مثل قولنا (زيداً ضربته).
وأقول: إن كل فعل تقدمه اسم وعاد منه على الاسم ضمير مفعول، أو ضمير متصل بمفعول، أو بمخفوض، أو بحرف من الحروف التي يخفض ما بعدها، فإن ذلك الفعل لا يخلو أن يكون خبراً أو غير خبر، وغير الخبر يكون أمراً. أو نهياً، أو مستفهماً عنه، أو محضوضاً عليه، أو متعجباً منه. فإن كان أمراً أو نهياً فالاختيار في النصب، ويجوز رفعه، كقوله (زيداً أضرِبْه)، وكذلك (زيداً اضرِبْ غلامه)، وكذلك (زيداً امرُرْ به)، والنهي كالأمر، قال الأعشى:
هريرةَ ودَّعْها وإن لام لائمُ ... غداة غدٍ أم أنت للبين واجمُ
وكذلك إن كان الأمر باللام، كقولك (زيداً ليضرِبْه عمرو).
وإن دخلت أمَّا قبل الاسم فكذلك، تقول (أمَّا زيداً فأكرمْهُ) (وأمَّا عمراً فلا تهنه) والدعاء يجري مجرى الأمر والنهي في اللفظ، يقال (اللهم زيداً ارحمْه، واللهم عبدَ الله لا تعذبْه) وكذلك (زيداً سُقياً له وعمراً رَعْياً له، وأما الكافر فجَدْباً له) لأنه دعاء، وقال أبو الأسود الدؤلي:
أميرانِ كانا آخياني كلاهما ... فكُلا جزاه اللهُ عني بما فَعَلْ
وإذا قلت (زيداً فاضرِبْه)، فلا يجوز في زيد إلا النصب، ولا يجوز فيه الرفع على الابتداء، كما يجوز في (زيدٌ اضربْه)، فإن جعل خبر مبتدأٍ محذوف جاز، كأنه قال: (هذا زيد فاضرِبْه). ولا يجوز (زيدٌ فاضرِبْه) على أن يكون زيد مبتدأً. واضرِبْه خبره، كما لا يجوز زيد فمنطلق وقال الشاعر:
وقائلةٍ خَولانُ فانْكح فتاتَهُمْ ... وأُكرُوْمَةُ الحيَّيْنِ خِلْوٌ كما هيا
فخولان خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه خولان.
وأما قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ
وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا}، وقوله {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}. فإن سيبويه - رحمه الله - جعلهما مبتدأين، ولم يجعل فعلى الأمر خبرين عنهما، لكنه جعل الخبرين محذوفين، تقديرهما: في الفرائض أو فيما فرض عليكم الزانية والزاني. ويظهر إنهما مبتدآن وخبرهما الفعلان ودخلت الفاء في الخبر، كما تدخل في خبر (الذي سرق فاقطع يده)، لأن معنى السارق الذي سرق، وليس بمزلة (زيد فمنطلق)، لأن زيداً لا يدل على معنى، يستحق أن يكون الخبر مسبباً له، كما في السارق، فإن في السارق معنى ترتَّب عليه قطعُ يده، وقد قرئ بالنصب. وقال سيبويه: وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوة ولكن أبت العامة إلا الرفع. وأما إن كان الفعل مستفهماً عنه بالهمزة، فإن الاختيار نصبه، ويجوز رفعه، كقولك (أزيداً أكرمته)، قال الله عز وجل {أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ}
وكذلك (أزيداً ضربت أخاه، وأزيداً مررت به، وأزيدًا مررت بأخيه)، وقال:
أثعلبةَ الفوارسِ أم رياحاً ... عدلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا
وتقول: (أعبد الله كنت مثله، وأزيداً لست مثله) بناء على أن كان وليس فعلان. وهذا لا يجوز عندي، حتى يسمع من العرب. وتقول: (ما أدري أزيداً ما مررت به أم عمراً، وما أبالي أعبد الله لقيت أم أخاه عمراً).
وإن كان العائد على الاسم المقدم قبل الفعل ضمير رفع، فإن الاسم يرتفع كما أن ضميره في موضع رفع. ولا يضمر رافع كما لا يضمر ناصب، إنما يرفعه المتكلم وينصبه إتباعا لكلام العرب، وذلك كقولك (أزيدٌ قام)، وقال الله تعالى: {قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ}.
وقولنا إنه تارة منصوب على أنه غير مبتدأ، وتارة مرفوع على أنه مبتدأ، فلا منفعة في ذلك. وقال تبارك وتعالى: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ، أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ} فأنتم في موضع رفع، وكذلك (أزيدٌ ضرب أبوه عمراً). وكذلك (أزيدٌ ضُرب) و (أزيدٌ ذُهبَ به)، لأنه في موضع رفع، وكذلك (أزيدٌ مُرّ
بغلامه)، وقال عدي بن زيد في الأمر:
أَرواحٌ مودَّعٌ أم بكورُ ... أنت فانظر لأيِّ ذاك تصيرُ
فإن عاد عليه ضميران احدهما في موضع مرفوع، والآخر في موضع منصوب، أو أحدهما متصل بمرفوع، والآخر متصل بمنصوب، كقولك (أعبد الله ضرب أخوه غلامه) لك في عبد الله الرفعُ والنصبُ، إن رُوعي المرفوع رُفِع وجُعل المنصوب كالأجنبي، وإن رُوعي المنصوب نُصب.
وقال أبو الحسن الأخفش تقول: (أزيداً لم يضربه إلا هو)، لا يكون فيه إلا النصب، وان كانا جميعاً من سببه، لأن المنصوب ها هنا اسم ليس بمنفصل من الفعل وإنما يكون الأول على الذي ليس بمنفصل لأن المنفصل يعمل كعمل سائر الأسماء ويكون هو في مواضعها، وغير المنفصل لا يكون هكذا. وكذلك (أزيد لم يضرب إلا أباه) لأن الفعل زيد، إذا كان مع اسم - يعني ضمير الفاعل الذي في يضرب - غير منفصل، لم يتعدّ إلى زيد، ولم يتعدّ فعل زيد إليه، ألا ترى أنك لا تقول (أزيداً ضرب) وأنت تريد أزيداً ضرب نفسه، ولا (أزيد ضربه) وأنت تريد أن توقع فعل زيد على الهاء، والهاء لزيد، فلذلك لم يعمل في زيد.
قال المؤلف رضي الله عنه: هذا بناء على أن المرفوع يرتفع بفعل مضمر، والمنصوب ينتصب كذلك أيضاً. فإذا قيل (أزيداً لم يضربه إلا هو) فتقدير المحذوف (ألم يضرب زيداً إلا هو)، وهذا جيد، لأن الفاعل مضمر منفصل. ولو رَفَع (زيداً) حملاً على الضمير المنفصل، فقال (أزيد لم يضربه إلا هو) لكان تقدير المحذوف (ألم يضربه إلا زيد)، وهذا لا يجوز، لأن فعل زيد لا يتعلق به ضمير زيد المتصل، لا تقول (ما ضربه إلا زيد) والضمير لزيد، فإن قيل: لمَ لا يكون التقدير (ما ضرب إلا إياه زيد) قيل: لأن معنى المحذوف يكون مخالفاً لمعنى المنفى المذكور، لأن إلا إذا دخلت على الفاعل، كان المعنى أن المفعول لم
يصل إليه فعل أحد، إلا فعل الفاعل، والفاعل يحتمل أن يكون فعلُه وصل إلى غير ذلك المفعول، ويحتمل أنه لم يصل إلا إلى ذلك المفعول، وإذا أدخلت إلا على المفعول نفيت عن الفاعل أن يفعل بغير المفعول، وجائز أن يوقع الفعل بالمفعول غير الفاعل، وجائز أن لا يوقعه إلا ذلك الفاعل. وإذا قلت (أزيد لم يضرب إلا إياه) فالرفع في زيد، لا غير، لأن تقدير المحذوف (ألم يضرب زيد إلا إياه)، وهذا حسن. ولا يجوز النصب في هذه المسألة، كما لا يجوز الرفع في الأول، لأنه لو نَصَب (زيداً) لكان التقدير (ألم يضرب إلا زيداً) لأن ضمير الفاعل في الفعل الظاهر متصل، ولا يجوز ذلك، لا يجوز (ما ضرب إلا زيداً) ولا (ما إلا زيداً ضرب). ولا يجوز إدخال إلا على ضمير الرفع حتى يقال (ألم يضرب زيداً إلا هو) لأن معنى المحذوف يجب أن يكون كمعنى المنفي المذكور. وهذا ليس كذلك لما تقدم في المسالة الأولى.
وهذا كله بناء على مذهب الإضمار، وما من يرى أن العرب إنما راعت المعاني، وجعلت اختلاف الألفاظ في الغالب دايلاً على اختلاف المعاني. وعدم اتفاقها، فإنه يجيز النصب والرفع في كل واحدة من المسالتين، لأن زيداً فاعلاً ومفعول، فالرفع باعتبار كونه فاعلاً، والنصب باعتبار كونه مفعولاً، ألا ترى انك تقول: (أزيد لم يضرب عمراً إلا هو)، فتحمل على المنفصل و (أزيداً لم يضرب عمراً إلا إياه) حملاً على المنفصل، ولو قلت (أزيداً لم يضرب عمراً إلا هو) لم يجز. وإذا قدرت عاملاً على مذهبهم، لم يكن بد من أن تقول (ألم يضرب عمراً إلا زيد لم يضربه إلا هو)، وهذا من الأدلة البينة على أن العرب لم تُضمر شيئاً.
وتقول (أخواك ظناهما منطلقين) فللأخوين هنا ضميران مرفوع ومنصوب، وهما متصلان، فحملت الأول على المرفوع من قِبل أن الظاهر يتعدى فعله في هذا الباب إلى مضمره، نحو (ظنهما أخواك منطلقين)، إذا ظنا أنفسهما، ولا يتعدى
فعل المضمر إلى الظاهر، نحو قولك (زيداً ظَنَّ عالماً)، إذا ظنَّ نفسه ولكن يتعدى فعل المضمر إلى المضمر، مثل قولك (أظنني ذاهباً). وهذا بناء أيضاً على أن المرتفع والمنتصب، ارتفاعه وانتصابه بفعل مضمر، وأما على ترك الإضمار، فإن الرفع والنصب جائزان، إلا أن ما لا اختلاف فيه أولى مما فيه خلاف، في هذه المسألة، وفي المسالتين المتقدمتين. والإطالةُ في هذه المسائل - وهي مظنونة غير مستعملة، ولا محتاج إليها - لا تنبغي لمن رأى أن لا ينظر، إلا فيما تمس الحاجة إليه، وحذفُ هذه وأمثالها من صناعة النحو مقوٍّ لها، ومسهَّل، ومع هذا فالخوض في أمثال هذه المسائل التي تفيد نطقاً أولى من الاشتغال بما لا يفيد نطقاً كقولهم: بِمَ نُصِب المفعول: بالفاعل، أم بالفعل، أم بهما!.
وتقول (أأنت عبد الله ضربته) الاختيار عند سيبويه رفعُ عبد الله، لأن حرف الاستفهام قد حال بينه وبين عبد الله قوله (أنت)، لكنك إن شئت أن تنصبه، كما نصبت (زيداً ضربته)، جاز.
وقال أبو الحسن الأخفش وأبو العباس بن يزيد النصب أجود، لأن (أنت) ينبغي أن يرتفع بفعل، إذا كان له فعل في آخر الكلام، وينبغي أن يكون الفعل الذي يرتفع به (أنت) ساقطاً على (عبد الله)، على أصلهم في إضمار الفعل في هذا الباب. واحتجَّ أبو العباس احمد بن ولاد عليهما لسيبويه بان قال: إنما يُرْفَع الاسم الواقع قبل الفعل، وينصب، بإضمار فعل، إذا كان الفعل خبراً عنه، كقولك (أزيداً ضربته) لو رفعته بالابتداء لكان (ضربته) خبراً له، وكذلك (أزيد قام) لو رُفِع (زيد) بالابتداء لكان (قام) خبراً له، وأنت إذا قلت (أأنت عبد الله ضربته)، ورفعت (أنت) بالابتداء، لم يكن (ضربته) خبراً عنه، وإنما خبره الجملة التي هي (عبد الله ضربته)، فهي بمنزلة قولك (أزيد أخوه قائم). وما قاله محتجَّاً عن سيبويه، مردود بما ذكره سيبويه في باب ما جرى في الاستفهام من أسماء الفاعلين والمفعولين مجرى الفعل، قال فيه: (أزيداً أنت ضاربه) إن
(زيداً) يختار فيه النصب، كما يختار في (أزيداً تضربه)، إذا كان اسم الفاعل يراد به الفعل. ولو كان ما قاله ابن ولاد صحيحاً، لكان (زيد) مرفوعاً، لأنك لو رفعته بالابتداء، لكانت الجملة من المبتدأ والخبر خبره. ولسيبويه أن يقول: إني لم أمنع نصب زيد من أجل هذا، و (أنت) عندي فاعل بفعل مضمر، لكن الفعل المضمر في هذا الباب لا يعمل إلا في معمول واحد. ويلزمه على هذا أن لا يجيز (أزيداً درهماً أعطيته إياه)، على أن ينصب (زيداً ودرهماً)، بفعل مضمر تقديره (أأعطيت زيداً درهماً). ونقول لو جاز هذا لجاز (أزيداً عمراً قائما أعلمته إياه!)، فإنه إذا جاز أن يعمل في اثنين، جاز أن يعمل في ثلاثة.
وإن كان الفعل محضوضاً عليه بألا أو هلا أو لوما أو لولا، لم يكن في الاسم إلا النصب، تقول (هلاَّ زيداً أكرمته)، وكذلك سائرها. وإن كان متعجبَّاً منه فلا يجوز فيه إلا الرفع، وذلك قولك (زيد ما أحسَنَه) و (زيد أحْسِن به).
وإن كان الفعل خبراً فإنه يكون موجباً ومنفيَّا وشرطاً، فإن كان موجباً، وكان الاسم مقدمّاً مبتدأ به، جاز فيه الرفع والنصب، والرفع أحسن، تقول (زيدٌ لقيته، وزيداً لقيته). فإن كان منفيَّاً بما أو لا جاز في الاسم الرفع، والنصب أحسن، قال الشاعر:
فلا ذا جلالٍ هبنَهُ لجلالِهِ ... ولا ذا ضياعٍ هنّ يتركْنَ للفقرِ
وقال آخر:
فلا حسَبَاً فخرْتَ به لتيمٍ ... ولا جدًّا إذا ازدحم الجدود
وكذلك تقول (ما زيداً ضربته)، إذا لم يكن التي تكن يكون بعدها الاسم مرفوعاً، وخبره منصوباً. وان كان الفعل شرطا بدخول (إنْ) عليه كان الاسم منصوباً، وفي رفعه خلاف، وقال الشاعر:
لا تجزعي ان منفساً أهلكتُهُ ... وإذا هلكتُ فعند ذلك فاجزعى
ولا يكون تقديم الاسم على الفعل في شيء من أدوات الجزاء - إلا في إن وحدها - إلا في ضرورة الشعر.