اللغة العربية ودورها في التشريع والقضاء
المحامي الأستاذ فهد أبو العثم
المملكة الأردنية الهاشمية
المقدمة:
اللغة هي وعاء الأفكار وهي أداة التعبير عنها، ذلك أن المفاهيم التشريعية والآراء القانونية إنما يتم التعبيرُ عنها من خلال اللغة سواء كانت ألفاظاً ومعاني أو جملاً ومباني.
ولما كان فهمُ التشريع والإحاطةُ بمعانيه، وتحديدُ مقاصده وغاياته لا يكون فقط بمعرفـة اللغـة وإنمـا بإتقانهـا، باعتبار أن التشريع يتمثل في قواعدَ مسكوبةٍ في قوالبَ لغويةٍ ومبادئَ موضوعيةٍ في إطار لغوي.
ومن هنا فإن إتقان المشرعين والمشتغلين في عالم القانون للغة الوطنية ليس ضروريًّا فحسب ولكنه أمرٌ حتمي، وإن القاضي لا يمكن أن ينهد بمسؤولياته إن لم يكن كذلك أيضاً.
ونعني باللغة هنا هي اللغةُ الرسمية الفصيحة، وإن كان معرفة القاضي للهجات المحلية في المنطقة التي يمارس فيها وظيفته أمراً مهماً وضروريًّا.
ولما كانت الأحكام القضائية عنواناً للحقيقة، ولأن اللغة هي وسيلة الإيصال والاتصال، فإن العناية باللغة في الأحكام القضائية تغدو مهمة أهمية الحقيقة نفسها، لأن الحقيقة في الأحكام يُعبر عنها من خلال اللغة، حيث تأتي الأحكام القضائية مفسرة للنصوص القانونية بمناسبة تطبيقها على الوقائع، بل إن المنطق يشكل في معظم الأحيان وسيلة إقناع واقتناع في مضمون الحكم القضائي، هذا المنطق إذا لم تكن وسيلته اللغة السليمة فإنه لن يؤدي مهمته.
إن إعمال قواعد الإقناع والاقتناع هو الذي يضفي المصداقية الحقيقية للأحكــام القضائيــة، وهـذه تقــوم بشكــل أسـاسي على توظيف الأسلـم والأصح في صياغة الأحكام، هذه الصياغة التي تمثل الصورة التي تظهر فيهـا ما توصلت إليـه المحكمـة من قناعـة، وهذه القناعـة تختلف باختلاف الصياغة، فالصياغة إذن هي المعبرة عما توصلت إليه المحكمة من قناعة.
وكثيراً ما وقفنا على حالاتٍ تكتنفها أخطاءٌ قضائيةٌ وإجرائيةٌ فاضحة جراء فقدان هذه المعرفة، ولا يعني ذلك صدوداً من القاضي أو المشرع عن إتقان لغةٍ ثانية بالإضافة إلى لغته الأصلية، بل العكس هو أمرٌ مستحب ومستحسن في تأهيله، لأن من شأن ذلك هو إطلاعه على تجارب الآخرين واستفادتهُ من ثقافتهم، فضلاً عن أنه يوسع الإدراك ويقوي ملكة التحليل والمقارنة.
ومن هنا كان إتقانُ اللغة العربية أحدَ المهارات الأساسية المطلوب توافرُها فيمن يمارس القضاء والتشريع، ولعل لغتنا العربية من أقوى اللغــات في التعبيــر وبـالتـالي في الإقنـاع.
ولمـا كـانـت عمليـة تسبيب الأحكام القضائية وتعليلِها تهدف إلى حد كبير إلى الإقناع، فإن تحقيق هذا الهدف لا يكون إلا باستعمال مستوى اللغة وقوتها.
وليس هذا فقط بالنسبة للقاضي، ولكن المحامي جديرٌ أيضاً بأن يحسن استعمالَ وسيلة الاتصال في مرافعاته وآرائـه القـانـونيـة، خـاصـة أن الصياغة القانونية للنصوص تعتمد المعنيين اللغوي والاصطلاحي، وأن الوصولَ إلى رأي في الذهن شيءٌ والتعبيرَ عن هذا الرأي شيء آخر.
إن مجال أعمال المحاماة يحتاج إلى نفس القدر من العناية والاهتمام إن لم يكن أكثر، فإذا كانت مهمة القاضي هي تفسير النص القانوني وإفراغ هذا التفسير في شكل حكم قضائي، فإن مهمة المحامي هي أكثر لزوماً لاستعمال المنطق والتعبير من خلال اللغة.
إن اللغة هي وسيلة التعبير عن إرادة المشرع والقاضي، وهذه الآراء تظهرُ من خلال مفردات اللغة وتعابيرها، إذ إن أول ما يجب أن يتبادر للذهن عند محاولة فهم النص وتَفسيرِه هو فهمُ المعنى اللغوي ثم الاصطلاحي لألفاظ النص وعباراته، أي المعنى الذي تؤديه مباشرة ألفاظُ اللغة وتعابيرُها سواء كانت هذه المعاني حقيقية أم مجازية.
فعندما ينص قانون العمل مثلاً على أنه:
"يجوز للعامل إثباتُ حقوقه بجميع طرق الإثبات"، فإن المعنى المباشرَ المستفاد من هذا النص هو مبدأُ حريةِ الإثبات بالوسائل كافة، ولا يحتمل النصُ أي تفسير أو تأويل آخر.
وهنا أقول:
إنه بقدر تضلع المشرع والقاضي في معرفة اللغة العربية تكون قدرتـه على فهــم النصـوص وإدراكِ معانيهـا القريبـة والبعيــدة، وليس معنى ذلـك أن يعـرف الواحـدُ منهـم اللغـةَ معرفـة أئمتهـا، وإنما يكفيه منها القدرُ اللازم لفهم النصوص التشريعية فهماً سليماً يمكنه من معرفة المرادِ منها.
ومن جهة أخرى فقد يكون النص التشريعي واضحَ الدلالة بشأن حالة أو حالات معينة، ولكنه لا يشمل حالةً أو حالاتٍ أخرى هي من باب أولى، إلا أن العلة في هذه الحالة أو الحالات الأخرى واضحةٌ، فمثلاً: تنص المادة (1042/1) من القانون المدني الأردني على أنه:
"يشترط لصحة القسمة قضاءً أن تتم بطلب من أحد أصحاب الحصص المشتركة".
فمن باب أولى أن طلب القسمة المقدم للمحكمة من جميع أصحاب الحصص المشتركة هو طلبٌ مقبول، ولا يقالُ إنه ليس هناك منازعةٌ في القسمة.
وقد يكون عكس ما يقضي به النص صالحاً لأن يكون حكماً في مسألة هي عكس الحالة التي يحكمها النص، وهو ما يعرف (بمفهوم المخالفة).
فمثلا: تنص المادة (231) من القانون نفسه على أنه:
"إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه".
ومفهوم المخالفة أنه "إذا صح الشيء صح ما في ضمنه".
نخلص من هذا أن لغةَ التشريعِ والتقنين يجب أن تكونَ مصوغةً بعبارات بسيطة شديدةِ الوضوح محكمةِ البناء، ويتأتى هذا باستخدام الجملِ القصيرة ذات التركيب السلس.
وفي هذا السياق أقول: إن الطبيعةَ الخاصة للغة التشريع والتقنين والتي تميزها عن غيرها، يغلب عليها استخدامُ زمن المضارع كأن يقال مثلاً "يلغى القانون" أو "يُنشأ بموجب هذا القانون.........إلخ"، وذلك كله بهدف إعطاء أمرٍ تشريعي.
وكذلك استخدام الفعل بصيغة الإيجاب بدلاً من النفي، فمثلاً في قانون المقاييس والمواصفات وبدلاً من النص "يجب أن لا يكون المنتج غير مطابق للمواصفات" فإن الأصح أن يكون النص "يجب أن يكون المنتج مطابقاً للمواصفات والمقاييس........إلخ".
أهمية اللغة في مسيرة الحضارات:
لقد كان للغةِ العربية شأنُها الكبير في مسيرة الحضارات بما لها من خصائصِ العراقة في تكوينها وسلامة أصولها وغزارة مفرداتها وانفتاحها على التطور، وهي خصائصُ جعلها تتشرف بنزول القرآن الكريم معجزةً خالدةً من الهداية والبلاغة وقيم الحق والخير، حتى أن تواصـلَ تطورهــا يفصــح عن نهضــة الأمـة، ويبشـر بـأن تكــون اللغة العربيــةُ أساس وحدة الأمة في الفكر والتشريع ومَصدرَ الهداية لوحدتها الكبرى.
وتزداد أهميتها سواء في التعويل عليها في التربية والتعليم أو في الإعلام أو الفقه أو التشريع والقضاء و.... و.... إلخ.
وبالتالي فهي حقيقةً الجسرُ الذي بواسطته نعبر إلى حضارة الأمم وتراثها المعرفي والثقافي والتشريعي.
دور اللغة في تنمية المعرفة والتشريع:
إن اللغة العربية هي مفتاحٌ لمغاليق المعرفة، فهي تجعل المرء متصلاً ببيئته، كما يكون بمقدوره متابعةُ ما تصل إليه العلومُ والآداب من تجديد وتحديث.
وهي قبل ذلك وبعده تلعب دوراً مهماً في حياة الأمم وتاريخها، لأن اللغة هي الأمة كما قال العلامة فيخته:
"اللغة والأمة أمران متلازمان ومتعادلان".
ويقول الإمام الحصري "إن الأمم تتميز بعضها عن البعض في الدرجة الأولى بلغتها، وإن حياة الأمم تقوم قبل كل شيء على لغاتها".
ويؤكد أهمية اللغة بوصفها مخزن ذخائر الشعب فيقول:
"إن لغةَ الآباء والأجداد مخزنٌ لكل ما للشعب من ذخائر الفكر والتقاليد والتاريخ والفلسفة والدين، إن قلب الشعب ينبض في لغته، وإن روح الشعب تكمن في لغة الآباء والأجداد".
أقول:
لم يشهد التاريخُ على مر العصور لغةً ذاع صيتها وكثر الناطقون بها، وتسنمت ذروة المجد في المعارف الإنسانية مثل ما شهدته اللغة العربية التي تمثل أداة التواصل حين نكتب وحين نتحدث وعند ممارسة لغة الصحافة والإعلام.
اللغة العربية والدستور:
قلنا إن اللغة العربية هي وعاءُ الفكر وهي قوامُ النص وبيتُ الأفكار ومن هنا فإن اللغة التي يصاغُ بها الدستور تتحكم في تحديد مفاهيمه وبيان مقاصده.
ولكن لغة الدستور تختلف عن لغة التشريع، فالأولُ بحكم تربعه على قمة النظام القانوني يستخدم لغة تعلو في خطابها ومضمونها على لغة التشريع، فلا تلجأ إلى التفصيل حتى تفسحَ للتشريع سلطة الملاءمة وفقاً للظروف والمقتضيات بخلاف لغة التشريع، فإنها أكثرُ تحديداً لما تعبر عنه.
كما أنها بدورها يجب أن تعلو في مضمونها على لغة الأنظمة واللوائح التي تهتم بالتفاصيل الدقيقة من أجل تنفيذ مضمون التشريع.
كما تختلف لغة الدستور في تحديد أهدافها ومراميها عن لغة البرامج السياسية للحكومات أو الأحزاب أو التكتلات التي تقوم على العبارات الفضفاضة.
ولقد عني الدستور الأردني بالتعبير عن مكانه اللغة العربية داخلَ مؤسسات الدولة، مثلما أوضح دعائم مكانة اللغة العربية حين نص في المادة (2) على أن:
" الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية".
وإذا كان هذا البحث ليس معنياً مباشرة بالشق الأول من هذه المادة، إلا أن اللغة العربية متضمَنة في هذا الشق، لأن العلاقة بين الإسلام والعروبة هي علاقة وطيدة، فاللغة العربية هي لغة القرآن، والقرآن هو الذي رفعها وحفظها، وهو ما يرتب العلاقة بين لغة الدولة وعقيدتِها الدينية الرسمية باعتبار أنها لغةُ القرآن الكريم.
وإعمالاً للقيمة الدستورية للغة العربية، فقد كانت لغةُ المحاكم هي اللغة العربية، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يرتبط تراثنـا القـانـوني والقضـائي بلغتنا العربية الفصحى، فتكون هذه اللغة في المرافعات القضائية والأحكام من أرفع اللغات بلاغةً ورصانة.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أنه ليس من قبيل المصادفة أيضاً أن كان محامونا وقضاتنا ورجال القانون فيما مضى ذوي حاسة لغوية مميزة ومرهفة ومستوى راق من القدرة على التعبير.
وفي هذا السياق أيضاً فقد ورد النص على أهميتها والتعويل عليها في كثير من المنظومة القانونية، ومنها:
قانـون التحكيـم مثلاً على أن يجري التحكيـم باللغـة العربيـة ما لم يتفق الطرفان خلاف ذلك، وهو ما نصت عليه المادة (28) من قانون التحكيم رقم 31/2001 بقولها:
"يجري التحكيم باللغة العربية ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك.... إلخ".
وقانون التربية والتعليم حيث نصت المادة (4) منه على أن:
"اللغة العربية ركن أساسي في وجود الأمة العربية وعامل من عوامل وحدتها ونهضتها......".
كما أشارت المادة (9) منه على أن:
"مرحلة التعليم الأساسي تهدف إلى أن يكون الطالب متقناً المهارات الأساسية للغة العربية بحيث يتمكن من استخدامها بسهولة ويسر".
كما أشارت المادة (11) منه على أن:
"مرحلة التعليم الثانوي تهدف في نهايتها أن يكون الطالب قادراً على استخدام اللغة العربية في تقرير قدرته على الاتصال وتنمية ثقافته العلمية والأدبية ومراعاة مقومات البناء اللغوي للغة وتذوق فنونها".
وقانون التعليم العالي والبحث العلمي (رقم 23/2009) :
حيث نصت المادة (3) منه على أن "التعليم العالي يهدف إلى اعتماد اللغة العربية لغة علمية وتعليمية في مراحل التعليم العالي وتشجيع التأليف العلمي بها والترجمة منها وإليها واعتبار اللغة الإنجليزية لغةً مساندة"
وقانون رعاية الثقافة (رقم 36/2006):
فقد نصت المادة (3) منه على أن "تتولى وزارة الثقافة تعزيز الاهتمام باللغة العربية الفصيحة وتوظيفها في مختلف مجالات الحياة".
و قوانين الجامعات الأردنية ذوات الأرقام (52/1972، 25/1985، 17/1997):
فقد نصت جميعها على أن "اللغة العربية هي لغة التدريس في كليات الجامعة".
وقانون مجمع اللغة العربية الأردني (رقم 40/1976):
فقد نص في المادة (4) منه على أن المجمع مكرس لأهداف من بينها "الحفاظ على سلامة اللغة العربية وجعلها تواكب متطلبات الآداب والعلوم والفنون الحديثة".
كما نص في المادة (5) منه على الوسائل التي يحقق المجمع من خلالها أهدافه ومن بينها:
"القيام بالدراسات والبحوث المتعلقة باللغة العربية".
و"نشر المصطلحات الجديدة التي يتم توحيدها في اللغة العربية بمختلف وسائل الإعلام...".
أقول:
إنه وبالرغم من صراحة النصوص الدستورية والقانونية هذه فليس بالدستور والقانون وحدهما يتم الحفاظُ على اللغة العربية وضمان نهضتها وسموها، وإنما تحيا اللغة وتزدهر بإبداع الجماعة الناطقة بها في شتى المجالات ومناحي العلوم.
- ففي المدارس والجامعات:
نقول إن المدرسة تعتبر هي المؤسسة الأولى المعول عليها في تعلم اللغة وغرس مبادئها وتعلق نفوس الدارسين بها من خلال المدرس المؤهل والمنهج المعتمد للتدريس، ولست في موقع الحكم على مدرس اللغة العربية ولا على المناهج المعتمدة، ولكن مخرجات التطبيق تنبئ عن أن اللغة العربية على ألسنة وأقلام أجيالنا الصاعدة التي بدأت تتبوأ قيادات المجتمع.
أقول أصبحت لغة ركيكة مشوبة بعيوب في اللفظ والمعنى مختلطةً برطانةٍ من لغات أخرى.
- وفي الإعلام والإعلان:
فإن الصورة تلقي بظلالها على العديد من الأخطاء التي ترتكب بحق اللغة، إلى المدى الذي أصبحت معه لغة بعض وسائل الإعلام لغة "عامية" فضلاً عن الإعلانات التجارية والاجتماعية مثل "القرض الشخصي بيحلي حياتك" و...... و..... إلخ.
وحتى المخاطبات الرسمية والقرارات الإدارية:
فيمكن أن تلاحظ العجب العجاب في مفردات اللغة وصياغة جملها، حتى أننا نستطيع القطع أن ما من كتابٍ أو قرارٍ يصدر إلا ويحتوي غالباً على خطأٍ إملائي أو في النحوِ أو الصرف.
ومثالنا على ذلك كتابٌ صادرٌ عن جهةٍ رسميةٍ عليا يقول محرره بالحرف الواحد:
"....... فلم يعد هنالك مبرراً لإبداء أي رأي قانوني بخصوصهِ".
اللغة في الوقت الحاضر:
على أنه من الملاحظ أنه أصبح واضحاً في الآونة الأخيرة وفي ميدان القانون والقضاء عدمُ الاهتمام بالتعرف على أصول الصياغة القانونية، علماً بأن الصياغة المعيبة يمكن أن تؤدي إلى منازعات بل وإلى خسارة الدعوى من جانب الطرف الذي يفسر النصُ لغير صالحه، وبالمثل يمكـن أن يؤدي القصور في الصياغة إلى استغلال الخصم لما يعتورها من عيوب لكسب الدعوى لصالحه.
ومن خلال معايشتي للعمل القضائي حقبة طويلة من الزمن، فقد لاحظـت في الآونــة الأخيــرة أن بعض المعنيين بالقـانـون يعتقدون أن موضوع اللغة والاهتمامَ بها يخرج عن دائرة اهتمامهم، وربمــا يفســر ذلك نـدرة ما كتب حوله، حتى أن المكتبة العربية تكاد - فيما أعلم - تخلو من أية مؤلفات معمقة في هذا الموضوع.
ولا بد من الإشارة هنا بأن الصياغة التشريعية هي أهم أنواع الكتابات القانونية، فهي التي تحدد الحقوق وتفرض الواجبات والالتزامات وتخول الصلاحيات والامتيازات.
ومن هنا فإن الصياغة هذه يجب أن تتسم بالسهولة والبساطة، وأن تخلو أيضاً من المحسنات والأساليب البلاغية، حيث أنها تلحق غموضاً بالمعنى قد يكون مطلوباً في لغة الأدب، لكنه من المحرمات في اللغة القانونية.
وفي هذا أسوق قولاً للفقيه الكبير د.عبدالرزاق السنهوري حيث يقول:
"يجب أن تكون لغة التقنين واضحة ودقيقة، فاللغة المعقدة تجعل القانون مغلقا،ً كما أن اللغة غير الدقيقة تجعل القانون مبهماً.....".
أقول وبملء فمي إن المراقب لاستعمال اللغة العربية في أيامنا هذه يرى – بكل أسف - أن خطراً يواجهها الآن يهب من التآكل العام للغــة الفصحى وغياب لإلمام بها وبمعانييها ونحوها وصرفها، وهذا التآكل المروّع لا تحتمله المواد القانونية والأحكام القضائية، بالإضافة إلى ما نلاحظه في مدارسنا وجامعاتنا من تصرفــات مهينة مع اللغة.
فلقد اطلعت على كتابات لطلاب جامعيين يؤدون إجاباتهم باللغة العامية، وإذا طُلب منهم الالتزام بالنحو والصرف كانت الإهانة أبلغ والأسف والحزن أعمق.
وسامحوني إذا تسببت لكم بتعكير صفوكم من خلال ما أسوقه لكم من أمثال على انتهاك حرمة اللغة انتهاكاً صريحاً يهدد حتى وجودها:
الأول:
أن استاذاً جامعياً طرح سؤالاً في الامتحان النهائي على طلاب سنة ثانية أو ثالثة يطلب فيه إعراب جملة:
"إن التشبه بالكرام فلاح".
فجاءت الإجابة لدى الكثيرين منهم على النحو التالي:
إن: حرف جر.
التشبه: اسم مجرور.
ب: حرف جر.
الكرام: اسم مجرور.
فلاح: فاعل مجرور.
بينما أجاب البعض الآخر منهم:
إن: نصب.
التشبه: فاعل منصوب.
بالكرام: مجرور
فلاح: مفعول به.......
هذا في عالم الجامعات...
وفي عالم القضاء والقانون فهاكم بعض الأمثلة:
- لم يرتضي المدعيين بهذا القرار.
- وعن السبب الأول الذي يخطئ فيه المستأنفين المحكمة.........
- وبخصوص اللائحتين الاستئنافيتين المقدمتان.......
- إعادة قيد العقار باسم المستأنفان.
- وهو ما يعتبر مخالفاً لأحكام الماديتين اللتان أوجبتا على المحامي.....
- أن يكون النص التشريعي المطعون فيه مخالف للدستور.
- وحيث أن مدة الطعن هي ستين يوماً.
- حيث لم يبنى على وقائع صحيحة.
- تحتفظ المدعية بتقديم أية بينات ترا معها المحكمة.
- فإن مخالفة المستدعى ضدهما الوزيران.
- حيث أن القرار مخالفاً لأحكام المواد..........
- فيكون الاستئناف المقدم منهما بتاريخ 3/8/2011 مقدم.....
- وقد حضر مزاودين عدة.....
- وقد قاما المستأنفان بدفع مبلغ.....
تغيير الحكم المقرر نتيجة الخطأ في اللغة:
وردت الجملة التالية في حكم قضائي:
"وقد أيد المدعيين الخبير.....إلخ".
في ضوء ورودها بهذا الشكل فهذا يعني أن الخبير:
- وهو ( فاعل مؤخر).
- هو الذي أيد (المدعيين) مفعول به مقدم، وهو ما ليس وارداً عند مصدر القرار.
علماً بأن سياق الحكم والمضمون المراد قضاؤه هو أن الخبير أيده المدعيان، وكان ينبغي أن ترد العبارة كالتالي:
"وقد أيد المدعيان الخبير.......الخ".