mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرفة

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,074
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي الإخفاء والإظهار في قوله تعالى: ﴿ضربَ اللهُ مَثَلاً كلمةً طيِّبةً كَشجرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾

كُتب : [ 03-28-2026 - 05:09 PM ]


أسرارُ البيَان في القُرآن:

الإخْفَاء والإظْهَار في قولهِ تعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾







ذ. مصطفى بوعزة



وذلكَ قوله تعالَى في سُورَة (إِبْرَاهِيم): ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾. ثُمَّ قال عزَّ وجَلَّ بعدَهَا: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرارٍ﴾. تَقرَأ هذَا الكَلامَ فَلا يَسعُك إلَّا أنْ تقُولَ كمَا قالُوا قَديماً: «مَا أَحْسَنَ هَذا الكَلامَ وَأجْمَلَهُ!»، ويَتردَّدُ في سَمْعكَ صدَى هذَا التَّشـبـيهِ التَّمْثيليّ البَديعِ الَّذي يَتعَالى في البَيَان شامِخاً: تَشبيهُ الكلمَةِ الطّيّبة بالشَّجَرة الطّيّبةِ، وتَشبيهُ الكلمَة الخَبيثَة بالشَّجرةِ الخَبيثَة. هذَا البيَانُ البديعُ يأخذُ بلُبّكَ منْ أوّل نَظَر، جَليّاً فَخماً بَالغَ التَّأثير. لكنْ ههُنَا إزاءَهُ بيَانٌ دَقيقٌ، تَستَشعرُهُ وتكادُ لا تُدركُهُ، ذلكَ هوَ البَيانُ الصَّوْتيّ الّذي يَسري في الآيَتيْن، خَفيّاً في الغَايَة من اللَّطافَة والدِّقّة.

والبَيان الصّوتيُّ في القُرآن ألطَفُ بيانٍ فيه وأخْفاهُ، بيدَ أنّه الأشَدُّ تَأثيرا في استجْلاب النّفوس إلَى الخُشُوع والخُضُوع، وحَمل الأسمَاع علَى الإصْغاءِ والشُّهُود. بلْ إنّ لهُ لَأثراً بَارزاً في تَوجيهِ الدّلالَة وانْفِساح المعَاني. وإنّك لَيستوقفُك أمرٌ ذُو شَأنٍ؛ فقدْ نزلَ القُرآنُ مَسموعاً، ولَم يَنزلْ مَكتوباً؛ قرأهُ (جِبْريلُ) عليهِ السّلام عَلى (النَّبيّ) صلّى اللهُ علَيهِ وسلَّم، بالطّريقَة المرتَّلَة المخصُوصَة: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾.

وبهَا تَلاهُ (النّبيّ) صلّى اللهُ عليهِ وسلّم، علَى الصَّحابَة والنّاس، وعلَى تلكَ الطَّريقَة المخصوصَة المرتّلَة وصلَ إلينَا سَماعاً وعرْضاً علَى الشّيوخ والأئِمّة، فقدْ سَبقَت قِراءتُهُ كتَابَتَه، وكانَ تَرتيلُهُ المسمُوعُ حُجّة علَى رَسمِه المكتُوب.

فأنتَ يَتعذَّر عَليكَ مَثلاً قِراءَةُ الحُرُوف المقطَّعَة في أَوائِل السُّوَر قِراءَةً صَحيحةً إنْ لمْ تسمَعْها منْ قارِئٍ عارفٍ بهَا. وكذَلكَ الأمرُ معَ باقي القَواعِد المضبُوطَة في تلاوَة القُرآنِ الكَريمِ وتَجويدِهِ، منْ مِثْل الإخْفَاء، والإظْهَار، والغُنّة، والإدْغَام، والمدُود، والتَّفخِيم، والتَّرقِيق، وغَيرها.

كلُّ ذلكَ إذَا أُدّيَ علَى وجههِ، كانَ أبلَغَ في التّأثير، وَانضمَّ بَيانهُ الصَّوتيّ إلَى المنظُومَة البَيانيّة القُرآنيّة الجَامعَة للْبيَان اللُّغويّ والبَيانِ الصَّرفيّ والبَيان النَّظميّ والبَيان الرَّسميّ.

وأنتَ واجدٌ، أيضاً، أنّ هذَا البَيانَ الصّوتيّ لمْ تَخلُ منهُ النُّصُوص العَربيّة البَليغَة، ومَا فيهَا منَ التّوازِي الصّوتيّ الْـمُبْـهر، فلمّا نزلَ القُرآنُ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِــيّ مُبِينٍ﴾، جاءَ منْ ذلكَ بمَا فَاقَها أشوَاطاً، وعَلَا عَليْـهَا وحَطَمَ مَا تَحتَهُ. ومِن أبدَعِ ما يُذكَر هُنَا ما اشْتَـهَر منْ أبياتِ الاسْتِشْهادَاتِ منْ قَوْل (ابْنِ هَرْمَةَ):

وَأَنَّنِـي حَيْثُ مَا يُثْنِـي الْهَوَى بَصَرِي /// مِنْ حَيْثُ مَا سَلَكُوا أَدْنُو فَأَنْظُورُ

فأشْبَع الضَّمّة منَ (الظّاء) في (أَنْظُر) فَصارَتْ (واواً). وقَدِ اعْتبَرُوا ذلكَ منَ الضَّرُورَات الشِّعْريّة لإقَامَة الوَزْنِ وخُلُوص القَافِيَة. لكنْ يَبدُو أنَّ الأَمْر أعمَقُ من ذلكَ، فالشَّاعِر الكَبيرُ لا تُعوزُه الكلمَاتُ ليُقيمَ بهَا الوزنَ، وإنّمَا هوَ يَخرجُ إلى هَذا الانْزياحِ الصَّوْتيّ لـمَقصدٍ بيَانيّ يُطيلُ فيهِ الصّوت، لطُولِ الأثَر الدّلاليّ، في التَّعبِير عنِ تَدقيقِ النَّظَر وَاسْتِطالتِهِ في المكانِ، بَحثاً عنْ خَفيِّ الأثَر عَلى الأَرضِ، ممَّا تَركهُ الأحبَابُ بعدَ رَحيلهِمْ، بَياناً عنْ شدَّة التَّعلُّق، وفَرطِ الصّبَابَة.

وإنكَ لتَجدُ عندَ (ابنِ جِنّي) في (المحتَسَب في تَبيينِ وُجُوه شَواذّ القِراءَات) كلاماً بديعاً عندَ ذِكرهِ لقِراءَة (الحَسَن البَصريّ)، بمَدّ الهَمزَة في قولهِ تعالَى: ﴿سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾، حيثُ قالَ في [ج/1-ص259]: « وَزادَ في احْتِمال (الوَاو) في هَذا الموْضِع أنّهُ مَوضعُ وَعيدٍ وإغْلاظٍ، فَمُكّنَ الصّوتُ فيهِ، وزادَ إشْبَاعُهُ واعْتِمادُهُ، فأُلحِقتِ (الواو) فيهِ لِـمَا ذَكرْنَا». وكانَ قبلَ هذَا قدْ ذَكر البَيتَ، وأشَار إلى إشْبَاع الضّمّةِ فيهِ. فبَيّنٌ أنّ (ابنَ جِنّي)، جعلَ لإشْبَاع الحَركَة أَثراً في تَقويَة الدَّلالَة لِبَيانِ شدّةِ الوَعيدِ وإغْلاظِ التّهديدِ.

إنَّ هذهِ التّغيِيراتِ الصَّوتيّةَ (مِنْ مَدٍّ، وغُنّة، وإظْهَار، وإخْفَاء وإقْلَاب، و إدْغَام…)، لَيسَت اعْتِباطيّة، وإنَّما هيَ، بالإضَافَة إلَى جَمَالها التَّطْريزيّ، وبَديعِ وَقعِها، وحسْنِ رُوَائِها، منْ وَرَائهَا قصدٌ دَلاليّ قدْ يُسفِرُ عن نَفسهِ بَداءَةً ، وتَقعُ عينُك عليهِ بَداهَةً، وقدْ يَدِقُّ ويَلطُفُ، فيُحوجُكَ إلى فَضلِ تَدبُّرٍ، وعُمقِ نظَرٍ.

وكمَا يَتغيّرُ البناءُ الصَّوتيّ في الحُروف الثّلاثَة: (الأَلِف واليَاء والوَاو)، منْ مَدٍّ طَبيعيّ، إلى مَدٍّ مُشبَعٍ، إذَا تلتْـها الهمزَةُ، أوْ حرفٌ مُشدّد، فكذلكَ الأمرُ معَ حرفِ (النُّون السّاكنَة) و(التَّنوين)، إذَا تلتْهُ حروفُ الحَلقِ السّتَّة: (الهَمزَة والهَاء والعَيْن والحَاء والغَين والخَاء)، فإنّهُ يَفقدُ تِلكَ الغُنّة المستَطالَة الّتي تُثْقِلُه، وتَغلِبُ عليهِ فيَخفَى، وذلكَ إذَا تَلتهُ الحروفُ الفَمَويَّة، وكأنّ (النُّون)، حِينئذٍ، بهذهِ الاستِطالَة في الغُنّة، قدْ صارَتْ حرفَ مَدٍّ.

وقدْ أشارَ إلى ذلكَ (ابنُ جِنّي) في (الخَصائِص)؛ فقالَ في [ج/1-ص463]: «وَ(النّونُ) حرفٌ من حُرُوف الزّيَادَة، أغَنّ، ومُضارعٌ لحُرُوف اللّينِ، وبَيـنهُ وبيْنــها منَ القُربِ والمشَابهَات، مَا قدْ شاعَ وذاعَ… وإنَّما يَقْوَى شبَـهُهَا بهَا، متَى كانَتْ ذاتَ غُنّة، لتُضارعَ بهَا حروفَ الـمَدّ لِلِينِـها، وإنمّا تكونُ فيهَا الغُنّة، متَى كانَت منَ الأَنفِ، وإنّما تكونُ منَ الأنفِ، متَى وَقعَتْ ساكنَةً وبَعدَها حرفٌ فَمَويّ لا حَلقِيّ». فتكونُ هذهِ الحُروفُ، لبُعدِهَا وغُؤُورهَا في الحَلقِ، ذاتَ تأثيرٍ في إظهَارِ النُّون خَفيفةً بَيّنـةً، علَى طبيعَتِـها في لَفظِها حَيّــزاً وزَمَناً.

وهكَذَا فإنكَ بعدُ لَتخلُصُ إلى أنَّ تَوزيعَ الكلماتِ في النّصّ القُرآنيّ توزيعٌ مُعجِزٌ في اخْتِيار تلكَ السيّاقَات الصّوتيّة الّتي تُسهِم في خلقِ تِلكَ التَّغيِيرات الصّوتيّة البَديعَةِ، بضَمّ الألفَاظ بعضِهَا إلى بَعضٍ، مَرصُوفةً مَرصُوصةً في نَظمِهَا، بمَا يُيَـسّر انْسجاماً صَوتيّاً مُحكَماً، تجدُ لهُ أثَراً في توَجيهِ الدَّلالَة، وبنَاءِ المعْنَى.

فانْظُر إلى التَّعْبير عنِ (الكَلمَة الطّيّبةِ)، كيفَ جاءَ في سِلسلَةٍ منْ أصوَاتِ (الغُنّة) المتَواليَة: (مَثَلَ-نْ- كلِمَةَ-نْ- طَيِّبَةَ-نْ- كَشجَرَةِ-نْ- ثابتُ-نْ- حينِ-مْ)، تَزيدُ الكَلامَ وَزناً وثِقَلاً ورَصانَةً وثَباتاً، ثَبَاتَ الشَّجَرَة بأَصْلِهَا، وتزيدُهُ طولاً وامْتداداً كامْتِدادِ الشَّجرةِ الطيِّبَة بفَرعهَا الشَّامخ الذّاهِب في السَّمَاء، وجُذُورها العَميقةِ الضّاربَة في الأرضِ. وقدْ وُضعَت الأسماءُ في سياقٍ صَوتيّ مُحكَمٍ، فالتّـنوينُ فيهَا تعقُبُه حروفُ الإخفَاء: ( ك – ط- وَ – ب)، الَّتي تَستلزمُ غَلبَة الغُنّة فيهِ، فكأنّكَ أمامَ حرفِ مَدٍّ، يَستطيلُ معَها الصَّوتُ ويَمتدّ.

ثمَّ انْظُر إلَى التَّعبير عَن (الكَلمَة الخَبيثَةِ)، كيفَ جاءَ يكاد يَخلُو منْ تلكَ (الغُنّة): أوّلاً بحذفِ التَّنوينِ منْ (مَثَلُ) بإضَافتِـها إلى (كَلِمَةٍ): ﴿وَمَثَلُ كَلِمَة﴾، ثمَّ حذَف الغُنّة منَ الكلَام، لوُجُود حرفِ الحَلْقِ (الخَاء)، في (خَبِيثَة): ﴿مَثَلُ كَلمَةٍ خَبِيثَة﴾ ﴿كَشَجَرَةٍ خَبيثَة﴾، فعَجلتَ في إخرَاج النُّون، من غَير اعْتمادٍ، فجعَلَ ذلكَ الحذفُ التَّعبيرَ خَفيفاً، تَـهْتزُّ فيهِ (النُّونُ) الـمُظهَرَة، وتَضطربُ كأنَّـها تُجْتَثُّ، كَالشّجرَة المجْتَثّة بلَا قَرَار.

فعَلى العَكسِ ممّا سبَق، وُضعَت الأسماءُ في سِياقٍ صَوتيّ مُختَلِف، حيثُ تَلَت التَّنوينَ فيهَا (الخَاءُ)، وهيَ منْ حُروفِ الحَلقِ، فأظهَرتْ صوتَ (النُّون) بلا غُنّةٍ مُمتدّةٍ. ثمّ أنتَ تُدركُ، حتماً، أنّ كلَّ ذلكَ التّوازِي الصّوتيّ ما كانَ ليَبرُزَ هذَا البُــرُوز، لولَا تَنكيرُ تلكَ الأسماءِ، فلَو جاءتْ مُعرّفَةً (الكَلمَة الطّيّبَة – الشَّجرَة الطّيّبة…)، لَـما برزَ شَيءٌ من ذلكَ. ثمَّ انْظُر بعدَ ذلكَ إلى هَذا البَيان البَديعِ، كيفَ قَوَّى دَلالةَ التَّشبيهِ، ورفعَ أقدَارَهُ أشْواطاً فَسيحَةً مَديدةً، في إعْجَاز بَيانيّ يَقصُرُ عنهُ كلُّ كلامٍ، ويَقعُ دُونهُ، وكأنَّ تلكَ (النُّون) بغُنّـتـها المستَطيلَة، قدْ صارَتْ حرفَ مدٍّ مُشبَع، رفعَ الكتلَةَ الصّوتيّة في امْتدادٍ اتَّسعَ بهِ الْـمَبنَى، فأثّرَ على الْـمَعنَى.

وممّا قدْ تجدُه أقربَ إلى هذا بَياناً صَوتيّاً، قولهُ تعالَى في سُورة (آل عِمْران): ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْـهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ في الْأَمْرِ﴾. وهيَ آيةٌ يتجلّى بَديعُ نَظم الأصوَات فِيها، علَى نَسَقٍ ذي تَقابُل صوتيّ لافِتٍ. وهوَ بيانٌ خَفيٌّ يَسمُو بالمعنَى سُموّاً مُعجِزاً، ويُوقعُ الدّلالةَ في القَلبِ قَبلَ وُقوعِها في العَقْل، فتَنْفعِلُ الأذن لَهَا ابتداءً، فَيَسْبقُ الإحساسُ الفَهمَ، أو هُوَ يُرهصُ لهُ ويَستَشرفُه.

فأنتَ تَقرأ الْـمَقطعَ الأوّل من الآيَة، فَإِذَا الأصواتُ تَتوالى قَويّةً جارفَةً تَقرعُ الأذُنَ، فَتسمَع لها وَقعاً فيهِ عُنفٌ وغِلْظةٌ: (الظّاء والعَين والقَاف والضّاد)، وهيَ حروفٌ فيهَا استعْلاءٌ وإطبَاق وَفَخَامَة، فَيَسْبقُ إلى قلبكَ إحساسٌ بالقَسوَة والخُشُونةِ والغِلْظةِ، قبلَ أن تُدركَ المعنَى ذاتهُ في كلماتِ: ﴿فَظّاً﴾، و﴿غَليظَ القَلبِ﴾، و﴿انْفَضُّوا﴾.

ثمّ تَمضي معَ المقطَع الثّاني في الآيَة، فإذَا أنتَ علَى الضّدِّ من ذلكَ، تَتوالَى علَى سَمعِك الأصواتُ لَيّنَةً هامسَةً، في خفَّةٍ ولَطافَةٍ؛ (الفاءُ) الذّلَقيّةُ، و(الهَاءُ) الجَوْفيّة، و(السّين) الصَّفِيريّة، و(الشِّين) المتفَشّيَةُ، فَيَسْبَقُ إلى قلبكَ إحساسٌ بالرِّفْق واللّطافَة والرَّحمةِ ولِينِ الجانِب، قبلَ أنْ تُدركَ ذاتَ المَعْنَى في كلماتِ: ﴿فَاعْفُ عَنْـهُم﴾، و﴿اسْتَغْفِرْ لَهُم﴾، و﴿شَاورْهُم﴾.

وهَكذا تَخرجُ منْ قِراءَة الآيَة بهذَا الملمَح العَجيبِ في التَّناسُق بَينَ الأصوَاتِ والمعَاني، وهذَا الانسجَامِ المعجِزِ في كَلام اللهِ بينَ المبنَى والمعنَى، تجدُ ذلكَ علَى طولِ القُرآنِ منْ فاتحَتهِ إلى خاتِمتِه، يَقوَى أحياناً فيَبينُ بَياناً جليّاً لا يُخطئُهُ الحِسّ، ويَلطُف أحياناً فَيَبِينُ بَيَانَا خَفِيًا يَسْتَلْزِمُ فَضْل تدبُّرٍ، وَعُمْقَ نَظَرٍ.

وإنّكَ إذْ تجدُ هذَا المعنَى في نَفسكَ، ليَنصرِفُ ذهنُكَ حَثيثاً إلَى قَولِ (الوَليدِ بنِ المغِيرَة)، وقدْ سمعَ القُرآن مُرتّلاً منَ النّبيّ، صلّى اللهُ عليهْ وسلّمَ: «وَاللهِ، إنَّ لِقَولهِ الّذي يَقُولُه لحَلاوَة، وإنَّ عَليهِ لطلَاوَة، وإنَّهُ لَـمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وَلا يُعْلَى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ». هذَا البَيَان الصَّوْتيّ في القُرآنِ منْ أَبدَع مَا يَسري خَفيّاً في تَضاعِيف التَّعْبير القُرآنيّ، فلَا تُدركُهُ بَصراً بِعَينٍ، وَلا خَطّاً بيَدٍ، وإنَّما تَستَشعرُهُ بإصغَاءِ سَمعٍ، وتَجويدِ تِلاوَةٍ، بإقامَةِ الحُرُوف عَلى حَقِّها ومُستَحقِّها.



المصدر






التعديل الأخير تم بواسطة شمس ; 03-28-2026 الساعة 05:12 PM
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:18 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by