1. الحقل الدلالي :
الحقل الدّلالي Semantic field أو المجال الدّلاليّ Semantic domain يمكن أن نعرفه إجرائيا بأنه قطاع من المعنى يضم مجموعة من المعاني الجزئية، يأخذ في التوسع والانتشار كلما اتجه التحليل إلى أسفل، ويقابل كل منها بلفظ من ألفاظ اللغة، وربما يعرف بأنه مجال تقع فيه مجموعة من الألفاظ، ترتبط دلالاتها أيّما ارتباط؛ أفقيّاً أو رأسيا، على نحو ما ترتبط الحقائق التي تعبر تلك الألفاظ عن معانيها.
فعلى سبيل المثال المفردات الّتي تخصّ الطّيور؛ أنواعها وأجزاءها ومخلّفاتها، ترتبط بنوعين من العلاقات:علاقات أفقيّة، وهذا النوع من العلاقات يندرج تحت علاقات المغايرة أو الغيرية ومعناها: "كون كل من الشيئين غير الآخر ويقابله العينية"(1) والمغايرة أو الغيرية ليست درجة واحدة، فهي تسير في حط متدرج تبدأ بالتشابه وتنتهي بالضدية، على أن تلك الضدية لا ينبغي أن ينظر إليه من جميع الزوايا، وإلا فما معنى الضدية التي بين الذكر والأنثى في الكائنات الحية، فهي ضدية يمكن أن نطلق عليها إجرائيا ضدية تكميلية ( بمعنى أن كلا من الضدين مكمل للآخر) ويمكن
توضيح نوعي العلاقة بالشكلين التاليين:
في الشكل الأول العلاقة بين لفظة طير وما تحتها ؛ دجاجة وعصفور ونسر وصقر.... الخ علاقة رأسية، وأما العلاقة التي بين الدجاجة والعصفور والنسر ..... الخ علاقة أفقية.
وفي الشكل الثاني العلاقة بين النسر وما تحته من أجزاء وريش ونوع علاقة رأسية ، وأما العلاقة بين الأجزاء والنوع والريش .... الخ فعلاقة أفقية.
ويعرّف أولمان Ullmann الحقل الدّلاليّ بأنّه " قطاع موحدّ بأحكام من المفردات اللّغويّة يساوي أو يشابه مجالاً معيّناً من الخبرة " (1) ، ويعرّفه لاينز Lyons بأنّه: "مجموعة جزئيّة لمفردات اللّغة مرتبطة رأسياً ونحويّاً (2) ، وفي اعتقادي أنّ تعريف Ullmann أشمل ؛ ذلك أنّ كلمة (موحّد بإحكام) تستوعب العلاقة بين مفردات الحقل من جميع جوانبها الرّأسيّة والأفقيّة والنّحويّة ، بينما يغفل تعريف لاينزLyons جانباً مهمّاً من هذه الجوانب وهو العلاقة الأفقيّة ، فهو ينصّ صراحة على العلاقة الرأسيّة الّتي تكون بين مفردات الحقل كما في المثال السّابق: العلاقة بين
النسر وكلّ من الأجزاء والنوع والريش، كما أنّه ينصّ على العلاقة النّحويّة الّتي تكون بين مفردات الجملة كما في قولنا : ركب الولد السّيّارة ، هذه العلاقة وإن كانت أفقيّة فهي لا تتضمّن العلاقة الأفقيّة من جوانبها المختلفة وإلاّ فما العلاقة النّحويّة بين الدّجاج والبطّ أو بين الحمام والصّقر إلى غير ذلك .
وتقوم فكرة الحقول الدّلاليّة على محاولة تصنيف المفاهيم المتعارف عليها بين أبناء المجتمع اللغوي في مجالات دلالية يسير كل منها في اتجاه هابط من العام إلى الخاص ، ومن الكل إلى الجزء ، إلى أن بتم الوصول إلى المفهوم الذي لا يمكن تجزئته إلى ما هو أقل منه ، على نحو يسمح بالدمج والتفكيك عند الحاجة.
فمفهوم إنسان يمكن دمجه صعودا فيما ينضوي تحته (موجود حي ثم موجود) ، ويمكن تفكيك مفهوم موجود هبوطا إلى ما ينضوي تحته(موجود حي ثم إنسان) في أحد اتجاهاتها ، أو( موجود حي ثم حيوان) في اتجاه ثان ، أو ( موجود حي ثم نبات) في اتجاه ثالث.
وبعد الفراغ من تصنيف المفاهيم يتم تصنيف الألفاظ التي تعبر عنها على النحو الذي صنفت به المفاهيم.
وقد بدأت هذه الفكرة في شكل دراسات قام بها لسانيون ألمان ، منهم ابسن (Ipsen) وترير( Trier ) ،عندما قام الأول بصك مصطلح Semantic fields في صورته الألمانية ليعبر به عن مفهوم يغطي مساحة محدّدة من الخبرة مثل مفهوم (sheep) في اللّغات الهنديّة الأوروبيّة (3). وفي عرضه لفكرته شبه( lpsen) الحقل الدّلاليّ (field Semantic) بالفسيفساء ، ثمّ أخذ في توضيح منهجه فبيّن :" أنّ هذا الرّبط للمفاهيم لا يفسّر بأنّه نظم لها مع بعضها في سلسلة على نحو عشوائيّ أو كيفما اتّفق ، ولكّنه ربط تراعى فيه العلاقة بين المفاهيم الّتي يضمها الحقل (1) .
فالمفاهيم في هذه الفكرة يضَمّ الواحد منها إلى الآخر مثل الحقائق الّتي تعبّر عنها ثمّ ترفع جميعها في نظام تصاعديّ متّحد(2). وفي عام 1934م وضع Trier (1894-1970) Jostالإطار العامّ والشّامل لهذه النّظريّة Semantic fields theory في مقالة بعنوان:(Das sprach liche Feld)
بدأ ترير مقالته ببيان أنّ الكلمة يتحدّد معناها من خلال علاقاتها بجاراتها أفقياً ورأسياً ، أي في إطار الحقل الّذي تنتمي إليه والّذي حدّده بالحقل المفاهيميّ Conceptual field (3)، ثم تتابعت الدراسات الحقلية والمحاولات التصنيفية، وقد بلغت تلك الجهود الذروة عندما اتجه الباحثون إلى محاولة وضع مقترحات تهدف إلى تصنيف ألفاظ اللغة جميعها في حقول دلالية، فظهرت عدة محاولات يزعم كل منها أن التصنيف الأمثل لألفاظ اللغة لا يكون إلا على أساس تصنيفها، ومن أهم هذه المحاولات:
1- محاولة أولمان Ullmann
2- محاولة مايير R. Meyer
3- محاولة مصنفي معجم (Greek New Testament).
1- محاولة أولمان Ullmann
ظهرت محاولة أولمان للتصنيف الحقلي في كتابه (Meaning and style) تحت فصل عنوانه: حقول المفاهيم (Conceptual spheres) ناقش في بدايته نظريّة الحقول الدّلاليّة مستعرضاً مراحل تطوّرها منهياً نقاشه بتصنيف الحقائق جميعها في أربعة حقول رئيسة على النّحو التّالي (4) :
أ-الحقول المحسوسة المتّصلة concrete and continuum fields:
ويمثّلها نظام الألوان الّذي يعدّ امتداداً متّصلاً يمكن تقسيمه بطرق مختلفة. وتختلف اللّغات اختلافاً بيّناً في هذا التقسيم ، فاللاتينيّة لا توجد فيها مثلاً كلمات للونين البنيّ والرّمادي (Brown and Grey) والكلمتان المعبرّتان عن اللّونين في الفرنسيّة من أصل ألمانيّ أمّا الرّوسيّة فإنّها تميّز بين نوعين من اللّون الأزرق بكلمتين مستقلّتين فالأزرق الفاتح تعبّر عنه بـ(Sini ) بينما تعبّر عن الأزرق القاتم بكلمة golubal .
وتكون المقارنة أكثر وضوحاً عندما نقارن بعض الكلمات المعبّرة عن الألوان في اللّغتين الإنجليزية والويلزيّة كما يتّضح من الشّكل التّالي :
فالمجال الّذي تعبّر عنه الإنجليزية بأربع كلمات تعبّر عنه الويلزيّة بثلاث ، فمجال اللّون الأخضر في الإنجليزية بدرجاته المختلفة تعبّر الويلزيّة عن جزء يسير منه لا يبلغ نصف المجال أمّا الباقي فإنّه يتداخل مع ألوان أخرى .
وهو ما يدفع إلى الاعتقاد بأنّه ليس هناك حدّ فاصل بين الألوان تتّفق عليه جميع اللّغات وأنّ ما وجد من حدود بينها في لغة من اللّغات كان ناتجاً عن تجارب وخبرات مستعملي تلك اللّغة، فقد تتّفق اللّغات على التّقسيمات الّتي نعرفها في العربيّة أو الإنجليزيّة: الأبيض ، الأسود، الأزرق ... الخ فإذا ما طلبنا من تلك اللّغات وضع حدود لكلّ منها فإنّ كثيراً من هذه اللّغات قد يجد صعوبة في ذلك .
يتابع