في وصف الكلام البليغ يقولون : (( هَذَا كَلام بَالِغٌ حَدَّ الإِعْجَازِ ، وَإِنَّهُ لَكَلام يَمْلِكُ الْقُلُوبَ ، وَيَسْتَرِقّ الأَفْهَامَ ، وَيَسْتَعْبِدُ الأَسْمَاع ، وإِنَّه لا يَرِدُ عَلَى سَمْعِ ذِي لُبّ فَيَصْدُرُ إِلا عَنْ اِسْتِحْسَان ، وَهُوَ عُنْوَانُ الْبَيَان ، وَآيَة الْبَرَاعَة ، تَتَمَثَّلُ الْبَلاغَةُ فِي كُلِّ فِقْرَةٍ مِنْ فِقَرِهِ ، وَتَتَجَلَّى الْفَصَاحَةُ فِي كُلِّ لَفْظٍ مِنْ مَنْطُوقِهِ ، وَيَتَبَارَى مَعْنَاهُ وَلَفْظه إِلَى الأَفْهَامِ ، وَتَكَادُ تُدْرِكُهُ الأَفْهَامُ قَبْلَ الأَسْمَاعِ )) .
وفي ضدِّه-أي في غير البليغ-يقولون : (( إَِنَّهُ لَكَلامٌ مُبْهَمٌ ، مُغْلَقٌ ، مُعَقَّدٌ ، يَنْبُو عَنْهُ الْفَهْمُ، وَتَحَارُ فِيهِ الْبَصَائِرُ ، وَتَضِلُّ فِي تِيهِهِ الأَوْهَامُ ، وَتَسْأَمُهُ الطِّبَاعُ ، وَتُعْرِضُ عَنْهُ الْقُلُوبُ ، لا يَشِفّ ظَاهِرُه عَنْ بَاطِنِهِ ، وَلا يَتَجَاوَبُ أَوَّلُه وَآخِرُه ، وَلا تَعْرِفُ لَهُ وُجْهَةً، وَلا يُسْفِرُ عَنْ مَعْنىً ، وَلا يَرْجِعُ إِلَى مَحْصُول ، وَإِنَّمَا هُوَ أَلْفَاظ مَسْرُودَة تَنْهَالُ اِنْهِيَالاً ، وَكَلِمَات شَوَارِد تُكَالُ جُزَافاً، وَفِقَر مُتَنَاكِرَة تُعَارِضُ أَعْجَازهَا هَوادِيهَا، وَيَدْفَعُ آخِرهَا أَوَّلهَا ، وَإِنَّمَا هِيَ جُمَلٌ مُتَقَطِّعَة السِّلْك ، مُتَنَافِرَة اللُّحْمَة، سَقِيمَة الْمَعَانِي ، مُلْتَاثَة التَّعْبِير ، كَأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنْ الْمُعَمَّيَاتِ ، وَضَرْبٌ مِنْ الْمُعَايَاةِ، وَضَرْب مِنْ الرُّقَى ، وَكَأَنَّهَا رَطَانَة الأَعْجَام، وَكَأَنَّهَا طَنِينُ الذُّبَابِ )) .
[مقتبس من كتاب نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد لإبراهيم اليازجي]