بلاغةُ التّقديم والتأخير في قولِه تَعالى: ((يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ))
د. عبد الرحمن بودرع
بلاغةُ التّقديم والتأخير في قولِه تَعالى: " يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ*وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون"(آل عمران106-107)
أثيرَ في مجلسٍ من مَجالسِ العلم نقاشٌ حول الآيَة الكريمَة، وذهبَ أحدُهُم إلى أنّ الابْيِضَاضَ قُدّمَ في الأوّلِ على الأصلِ، ثمّ أخِّرَ من بعدُ، عُدولاً عن الأصلِ، ويظلُّ السؤالُ المُثار: كيفَ يكونُ تَقْديمُ الشَّيء عَلى الشَّيء للعنايةِ والاهتمامِ، في موضعٍ، ثمّ يكونُ تقديمُ ما أُخِّرَ سابقاً، على ما قُدِّمَ سابقاً، للعناية والاهتمام أيضاً، على سبيل العدول عن الأصل؟
فهل العدولُ عن الأصل مُسوِّغٌ للتصرف في الرتبة ، أم هَلْ تتحكَّمُ في التّرتيبِ بواعثُ من المَعْنى ومَقاصد المُتكلّمِ، وليس يتحكّمُ فيه التصرفُ في الأصل، لأنّ التصرف في الأصلِ أو العدولَ عنه، لا يبدو مُسوِّغاً منطقياً أو بلاغياً تَداولياً لتعليل التّصرُّف في ترتيب الكلامِ، ويبدو أن المُخاطَبَ يعلَمُ بوقوع ابْيِضَاضِ الوُجوه واسْودادِها في ذلك اليوم، يعلمُ المُخاطبُ ذلِكَ مِن طريقِ إحالَة الظّرفِ "يومَ" على مَعْلومٍ عندَه؛ ويدلُّ على هذا العلمِ السابقِ قولُه تعالى: «ويومَ القيامة تَرى الَّذين كَذَبوا على الله وُجوههُم مُسوَدّة» [الزمر: 60] وقوله: «وُجوهٌ يَومَئذٍ مُّسفرةٌ ضاحكةٌ مُّستبشرةٌ، ووُجوه يَّومئذٍ عَليها غَبَرَةٌ تَرهَقُها قَترَة» [عبس: 38-41] فلعِلْمِه بذلك اليوم أحيلَ على وقوع التَّقابُل: الابيضاض والاسوداد...
أمّا مسألةُ التّرتيبِ ففي قولِه تعالى: «فأمّا الذينَ اسْوَدَّتْ وُجوهُهم أكَفَرتُم بَعدَ إيمانكم»، نشْرٌ مَعْكوسٌ للَّفِّ السّابقِ، وعكسٌ في التّرتيبِ؛ ففي اللّفّ تقدّمَ الابيضاضُ وفي النّشرِ الذي هو تفصيلٌ للإجمال السابق، تقدّمَ الاسودادُ، وفيه إيجاز.
ومن المُفيدُ ههنا إيرادُ تَعليل الشيخ الطّاهر بن عاشور رحمه الله للترتيب في اللّفّ، ولعكس الترتيب في النشر: « قَدّم عند وصف اليوم ذكرَ البياض، الَّذي هو شعارُ أهلِ النَّعيم، تَشريفاً لذلك اليوم بأنَّه يوم ظُهور رحمة الله ونعمته، ولأنّ رحمة الله سَبَقت غَضَبَه، ولأنّ في ذكر سِمَة أهل النَّعيم، عَقب وَعيد بالعَذاب، حسرةً عليهم؛ إذْ يَعلمُ السَّامع أنّ لهم عذاباً عظيماً في يومٍ فيه نَعيمٌ عَظيمٌ،
ثُمّ قدّم في التّفصيل ذكر سمة أهل العذاب تعجيلاً بمساءتهم.» [انظر التحرير والتنوير/تفسير سورة آل عمران]
فتبيّنَ أنّ العنايةَ والاهتمامَ مَعْقودان وواقعانِ على ترتيب اللّفّ لأنّه هو الذي ورَدَ به الإخبارِ عن أحوالهِم وهو أوّل ما يطرقُ سمعَ المُخاطبِ . والله أعلَمُ
المصدر