اللغة العربية والتعليم العالي
غالب عبدالعزيز الزامل
منذ أنِ انتشَرتْ دعَوات تَعريب العلوم، ثارتْ بهذه القضيَّة زاوبِعُ رفْضٍ وهبَّات تأييد، وغلَب على المَسألة التَّنازُع حَول الفِكرَة، وهو ما لم يَجْرِ على التَّعريب ذاته مِن الأفعال، فبَقِيَ أسير تَجاذُبات وتخبُّطات لم تَستقِم في ناظِمٍ يَنفي عنها العشوائيَّة والتَّكرار، وظلَّتْ تَجارِبُه - ولو نجحَتْ - مَثار تَشكيكٍ وانتِقاص.
ولمَّا كان العصر الرَّاهن مَيدان سِباق مَعرِفيٍّ وتَنافُسٍ فيه، يوجِّهُه ويَستدعيه تطلُّع سياسيٌّ أو تَنافُس اقتصاديٌّ؛ فحَرِيٌّ بنا الوقوف على قُدرة الأمَّة على الإسهام الحضاريِّ العالَميِّ، ومُناقَشة إمكانيَّة تَطويرها علميًّا؛ فتَشترك في النِّتاج المَعرفيِّ والعِلميِّ الإنسانيِّ.
وانطلاقًا مِن قاعدة تواتَرتْ عليها أكثر الدِّراسات العلميَّة مِن أنَّ "استيعاب العُلوم وفهْمها والتميُّز فيها لا يتيسر إلا باستخدام اللغة الأمِّ أيًّا كانتْ"، فإنَّ الحديث سيَتناول هذا الجانب، بعيدًا عن دور اللغة في الحِفاظ على الهُويَّة الثقافيَّة والقوميَّة، أو ارتباطها بالوشائج الدينيَّة، وهي - بِلا رَيب - ذات أهمِّية بالِغة، وإنْ أصبَحتْ - لِلأسَف - محلَّ نَظرٍ مِن الكثيرين، فالحِفاظ على حيويَّة اللغة عبْر اتِّصالها مع تطوُّرات العِلم وإنجازاتِه، لا يَرتبِط بمُبرِّرات قوميَّة أو دينيَّة فحسْب، بل هو مسألة عِلميَّة أساسيَّة، نشأتْ مِن ارتباط اللغة بالتَّفكير؛ فالعِلم تَفكير، واللغة تعبير عنه، ومِن هُنا تَنشأ الأسئلة: كيف نُفكِّر؟ وبأيِّ لغة يَجب أن نُفكِّر؟ وهل التَّفكير بِلُغة والتَّعبير عن الفِكرَة بِلُغة أخرى مُجْدٍ، أو أكثَر جَدْوى مِن توحيد النَّمَط؟
إنَّ واقِع التفكير والتعبير في تعليمنا الجامِعيِّ العربيِّ - وما يَعتريه مِن تداخُل، يَقترِب مِن حدِّ التَّنافُر والتباعُد - يَدفع إلى استِقصاء تَجارِب مُتعدِّدة؛ لإيجاد مقاربة تتلمَّس الخلل، فتَسعى لسَبرِه واجتلاء كُنهِه، وفي التَّعليم العالي أمثلة عديدة صالحة للدِّراسة وأخْذ العِبَر منها.
1- التَّعليم العالي واللغة الأجنبيَّة:
كان مِن أبرز رواسِب الاستعمار في الوطن العربي أنْ صرَف التَّدريس باللغة العربيَّة في المجالات العلميَّة إلى لغة المُستعمِر الأجنبيِّ؛ الإنجليزية في المَشرِق، والفرنسيَّة في المَغرِب العربي.
وقد صار هذا الأمر رَسمًا مُقدَّسًا لا يَحيد عنه أغلَب العرب، ومَن يُحاوِل أن يَنتقِدَه أو يُناقِشه، يَجد دونه رماحًا ونِصالاً تَرميه بالتَّجهيل والتَّخلُّف والتَّقزيم، فهلْ واقِع التعليم العالي في أمَّتنا العربية - والذي قطَع أشواطًا بالتدريس باللغة الأجنبيَّة - يُضاهي نُظَراءه في الغرب أو بعض الدول الإسلامية المُتقدِّمة؟
إنَّ مَن يَقف على واقع تدريس الطبِّ والعلوم باللغة الأجنبيَّة في الدول العربيَّة، يَجد - في الأعمِّ الأغلَب - حالةً شَوهاء، أضرَّتْ بطُلاب العِلم، وشتَّتتْ جُهودَهم؛ إذ تبيَّن أنْ لا قِبَل لِلكَثيرين منهم على إتقان اللغة الأجنبيَّة بسُرعةٍ تُوازي الحراك التَّدريسيَّ، فمَن يتخرَّج في الثانوية العامَّة وقد درَس كل العلوم باللغة العربية، يَنتقل فجْأةً إلى دِراسة مُتعمِّقة وبِلُغة أجنبيَّة لم يكنْ قد أتقَنها بعد، مما يوجِد فَراغًا لا يُمكِن سدُّه بسُهولة، وهو أمر عايَنه مَن خبر التدريس بالجامعات؛ فيَصف "الدكتور عادل جرار" ذلك بالقول: "أدركَ مُدرِّسو العلوم الطبيعيَّة والتطبيقيَّة في الجامعة الأردنيَّة - مثلاً - جوانب الإعاقة هذه منذ سِنين؛ لذلك تجد أنَّ مُحاضَراتهم هي بالعربيَّة (العامِّية في الغالِب)، مع اختِلاطها بالكلمات الإنجليزية، فنرى (أل) التعريف تدخل على كلمة لم تُعرَّب أو كلمة لم تُترجَم، ولكن مع إقرارهم هذا بعجْز الطُّلاب عن المتابعة، فإنهم ما زالوا مُصرِّين على أن يَستعمِلَ الطالب كتابًا إنجليزيًّا، فتَتفاقَم المُشكِلة لدَيه كما ذكرْنا؛ لأنه يَسمَع شرْحًا بالعربية، ويُجاهِد ليُتابع النصَّ الأجنبيَّ".
واتَّفق مع الرأي السابق "الدكتور خالد بن عبدالغفار آل عبدالرحمن" - عميد كلية الطب في جامعة الإمام -: "والواقِع أنَّ تَعلُّم الطبِّ في البلاد العربية بلُغات أجنبية هو هزيمة نفسية، خاصَّةً إذا عَلمْنا أنَّ الطالب عند تخرُّجه لا يَملِك في الغالب أن يَكتُب صفحةً واحدة باللغة الإنجليزية دون أن يَرتكِب العديد مِن الأخطاء، كما نَجِده يتجنَّب الحوار والمُناقَشة لضعْف لُغته؛ ذلك لأنه يدرس بلغة إنجليزيَّة ضَعيفة، هي هَجين مِن اللغتين العربية والإنجليزية، ولبُطءِ قراءته نَجده يَعتمِد على المُلخَّصات، وقليلاً ما يعود إلى المراجِع".
وأما "الدكتور عبدالملك أبو عوف" - الأستاذ بكلية الصيدلة بجامعة القاهرة - فيتحدَّث عن تجرِبته حين انتُدب لتدريس الكيمياء العضوية بجامعة دِمَشق، بالقول: "ما أحبُّ أن أركِّز عليه هو حُسن النتائج التي أحرَزها الطلاب، بالنِّسبة لنتائج أقرانهم طلاب كلية الصيدلة بالقاهرة، وكثافة التَّحصيل وحُسن الاستيعاب الذي توصَّلوا إليه؛ لأنَّ تفهُّم الطالب للغة المُحاضَرة وشرْحها، كان يُعفيه مِن بذْل مَجهود مُضاعَف يَنصرِف نِصفُه لفهْمِ اللغة، والتعرُّف على المُفرَدات الصَّعبة في اللغة الأجنبية التي يدرس بها، ويَنصرِف النِّصف الآخَر مِن الجهد لاستيعاب المادَّة العلميَّة نفْسِها".
وقد زاد "السيد فراج" على ضَعفِ الطلاب هذا، ضَعفًا آخَر لا يَقلُّ خُطورة لَحِقَ بالأساتذة أنفسهم، فيقول: "وإذا عَلمْنا أنَّ هؤلاء الأساتذة الذين يُدرِّسون العلوم بالإنجليزية في الغالب لا يُجيدون هذه اللغة التي يُدرِّسون بها، وأنَّ لغتهم التدريسيَّة خَليط مُتناثِر مِن العربية والأجنبيَّة، لعَلمْنا مدى الخسارة التي تَقع على طلابنا؛ فلا هُم ارتبَطوا بتُراثهم فوعَوه، ولا هم توصَّلوا إلى علم غيرهم ففَقِهوه".
وهذه الحقيقة أكَّدتْها دِراسة إحصائيَّة تُبيِّن أنَّ 93% مِن أعضاء هيئة التدريس بكليَّة الهندسة بجامعة الملك سعود يَستخدِمون مزيجًا مِن العربية والإنجليزية في أثناء مُحاضَراتهم، فيما يستخدم 6% اللغة الإنجليزية وحدها، ولم يُعلِّم بالعربية سوى 1% مِن أعضاء هيئة التدريس.
ولذا نجد أنَّ العَطاء المَعرفيَّ والعِلميَّ لهؤلاء الطلاب لا يَرقى إلى نِسبة الأعداد الهائلة المتخرِّجة في الجامعة، فلم يَتجذَّر العِلم في نُفوسهم، ولم يَملِك تَفكيرَهم، وما سال على لسانهم؛ إذ " لا يُصبِح العِلم جزءًا مِن ذاتنا، إلا عِندما نُفكِّر فيه بلُغتنا ونُطوِّره بلُغتنا، والمجتمع الذي يَستعير لغةً أجنبيَّة لتكون لغته العلميَّة لن يَجد العدد الكافي مِن أبنائه ممَّن يَتفاعلون مع العلوم أَخذًا وعَطاءً".
2- واقِع اللغة العربيَّة في الجامعات:
إذا ما تمَّ بيَان واقِع تعليم العلوم باللغة العربية في الوطن العربي، نجد أنَّ تَدريس الطبِّ بالعربية في سوريَّة لم يكنْ أول مُحاوَلة عربية، غير أنه كان أدوَمَها وأكثرها رُسوخًا، وتَكاد تَبلُغ قرنًا مِن الزمن؛ ففي عام 1919 شرَعتْ مَسيرة تعريب الطبِّ مع افتِتاح مَعهد الطب العربي الذي شكَّل نواة جامِعة دِمَشق، وقد عُرفت بالجامعة السورية وقْتَ تأسيسها سنة 1923، وفي عام 1924 تمَّ إصدار المجلة الطبيَّة العربية.
ولم تكن البداية مُيسَّرة، غير أنَّ عَزيمة رُوَّاد التعليم في سورية كانت جبَّارة، فشرَعوا بتأليف الكُتب الطبية، وإيجاد المُصطلَحات الطبية وتطويرها، حتى مضَى التعليم يحثُّ الخُطى بكل كفاءة واقتدار، وأصبح خرِّيجو الطبِّ في سورية لا يَقلُّون كفاءةً ومهارةً عن خرِّيجي الكليات التي تُعلِّم باللغة الإنجليزية في الدول العربية.
وتُثبِت أحقية التعليم باللغة العربية إحصاءات ودراسات أُجرِيَت حول الصعوبات التي يُواجِهها خرِّيجو الجامعات السورية، إذا ما قرَّروا إتمام تحصيلهم العلميَّ في الدول الأجنبيَّة، ومِن أهمِّ البحوث ذلك المسْح الذي أجراه المجلس الصحيُّ الأمريكي الدولي (aihc) حول صُعوبة الانتقال إلى دراسة الإنكليزيَّة والتحضير للامتحانات الطبية الأمريكية، فظهَر أنَّ 32 % مِن هؤلاء الطلاب عدُّوا الأمر سهلاً، و44 % صعبًا بعض الشيء، و24 % صعبًا، واللافِت أنَّ الصُّعوبة لم تَكنْ في المادَّة الطبِّية نفسِها أو المُصطَلحات العلمية، بل انحصرَتْ في اللغة الإنجليزية وعدم إجادتها، ولا يَخفى أنَّ الأمَّة العربيَّة تُعاني مرَضًا عُضالاً في تدريس اللغات، فهي أعجَز مِن أن تَخدِم لُغتها القوميَّة، فضلاً عن تعليم اللغات الأجنبية، فالمُشكِلة الأولى هي تطوير تعليم اللغات وإجادتها.
ولعلَّ نتائج اختِبارات المجلس التعليميِّ للأطبَّاء الأجانب في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة (ecfmg) تُقدِّم دليلاً إضافيًّا؛ إذ يتَّضح مِن جدول العلامات أنَّ مُعدَّل علامات السوريين أعلى قليلاً مِن المُعدَّل الإجمالي للمُتقدِّمين، مع العلم بأن الاختبار يُعقَد باللغة الإنكليزية.
ولهذا الأمر رأى 85 % مِن الطلاب أصحاب العيِّنة نجاح التدريس باللغة العربية، مع الإشارة إلى ضَرورة تطوير التجربة وتحديثها.
ومِن هنا؛ فإنَّ الخبرة السورية في تعريب الطبِّ والعلوم هي تجربة رائدة بلا شكٍّ، ولا تَدفع نجاحات البداية ضَرورة مُراجَعتها وتطويرها، ولا سيَّما في ظل تَراجُع التعليم الجامعي بشكلٍ عامٍّ وجُموده أمام التطوُّرات العلميَّة المُتسارِعة؛ وذلك لتلافي نقاط الضَّعف، وتَقوية الوهَن الذي أصاب حركة الترجمة والتأليف فيها.
3- فوائد التعليم بالعربيَّة:
في استبيانٍ أجْرَتْه جامعة الملك فيصل لطُلاب الطبِّ حول مَوقِفهم مِن تعريب العِلم الطبِّي، تبيَّن أنَّ 80% من الطلاب يوفِّرون ثُلث الزمن أو أكثر عند القراءة باللغة العربية مُقارَنةً باللغة الإنجليزية، وأنَّ 72% مِن الطلاب يوفِّرون ثُلث الزمن أو أكثر عند الكتابة باللغة العربية مُقارنةً بالكتابة باللغة الإنجليزية، ويفضِّل 23% فقط مِن الطلاب الإجابة على أسئلة الامتحان باللغة الإنجليزية، ويرى 75% أنَّ مَقدرتهم على الإجابة الشفويَّة والنِّقاش أفضل باللغة العربيَّة.
وكذا الحال في نتائج دراسة مُماثِلة على طلاب الطبِّ جامعة الملك سعود (1998)؛ حيث أفاد 49% فقط مِن الطلاب أنهم يَستَوعِبون أكثر مِن 75% مِن المُحاضَرة عِندما تُلقى باللغة الإنجليزية، وتَزيد نسبة استيعاب المحاضَرة إذا استُخدمت اللغة العربية مع الإنجليزية عند حوالي 90% مِن الطلاب، أما إذا كانت كلها باللغة العربية، فقد أفاد حوالي 60% منهم أنَّ نسبة الاستيعاب تزيد، وأفاد 46% من الطلاب أنهم يَحتاجون إلى نِصف الزمن لقِراءة مادَّة مَكتوبة باللغة الإنجليزية لو كُتبتْ بالعربية، كما أفاد 30% منهم أنهم يحتاجون إلى ثُلث الوقت، و17.7% أنهم يحتاجون إلى نفس الوقت، ويُفضِّل 45% مِن الطلاب الإجابة على ورقة الامتحان باللغة العربية، و36.9% الإجابة عليها باللغة الإنجليزية، بينما يُفضِّل 15.1% الإجابة باللغة العربية مع كتابة المصطلحات باللغة الإنجليزية، ويَرى 50.7% أنَّ التدريس باللغة الإنجليزية يُقلِّل مِن فُرصة المُشارَكة في أثناء المُحاضَرات، ويؤيد 60% مِن الطلاب التدريس باللغة العربية، وأفاد 92.9% مِن الطلاب بأنه يُمكن البدْء في تَطبيق التَّعريب فَورًا.
وأمَّا مسألة الرُّسوب والنَّجاح، فقد أظهرَتْ دراسة تقويميَّة دعَمها مَجمع اللغة الأردني نتائجَ باهِرة؛ إذ انخفضَتْ نِسبَة الرُّسوب في الكليات العِلميَّة مِن 30% عندما كان التدريس باللغة الإنجليزية إلى 3% فقط عِندما درَس الطلاب باللغة العربية، ولم تَكنِ النَّتائج وحْدَها كلَّ المَغانم، بل وفَّرت اللغة العربية كثيرًا مِن الوقت والجُهد في دِراسة المادَّة.
في ضَوء المُعطيات البحثيَّة التي تؤكِّد أهميَّة اللغة الأمِّ في التعليم العالي، فإنَّ الدعوة لِتَعريب الطبِّ والعلوم لا تَعني بأيِّ حال ألا يُتقِن الطالب لغةً أجنبيةً واحدة على الأقلِّ، بل هو مِن هذا الباب أوجَب؛ ولِذا فإنَّ تدريس طُلاب العُلوم المُختلِفة اللغة الأجنبية، والسَّعي لبُلوغهم مَرحلَة الإتقان - هو أمْر تَفرِضه عَولمةُ العِلم، بل إنَّ وجودَ مُقرَّر دراسيٍّ واحد في كلِّ سنة دراسيَّة أمْر محمود، يأتي كتَطبيق عمَليٍّ لمَهارات الطلاب المُكتسبَة باللغة الأجنبية، ولا أُغالي إذا قُلتُ: إنه يَنبغي تَطوير وسائل تدريس اللغات، وربْط مَنهج اللغة الإنجليزية بالكليات العِلميَّة بالمَناهِج العالَميَّة لِتَدريس اللغة، كـ"التوفل" مثَلاً، فيَتخرَّج طالب الطبِّ أو العُلوم حامِلاً شهادةً دوليَّةً تُمكِّنه مِن إكمال دراسته في أيِّ مكان دون عَناءٍ أو جهدٍ إضافي.
4- مُعوِّقات التعريب:
يرى كثيرون أنَّ مُعوِّقات جمَّة تَحول دون تعريب العلوم وانتشاره في أرجاء الوطن العربي، وقد يستغرب القارئ الكريم إذا ما قُلتُ: أن لا مُشكلة تَقف أمام التعريب، فإذا استعرضْنا هذه المُشكلات التي حدَّدها أغلب المُهتمِّين والمُتابِعين لهذه القضيَّة، سنَقِف عند النقاط الآتية:
أ- مُشكِلة الكتاب الجامعي والمَراجِع العِلميَّة:
يظنُّ الكثيرون أنَّ هذه المُشكلة أهمُّ ما يُعيق التَّعريب؛ فالمراجع العلمية باللغة العربية نادِرة وقَليلة، ولعلَّ سبب ذلك يعود إلى مشكلتَي التأليف والترجمة، فالكُتب العلميَّة المؤلَّفة باللغة العربية قليلة جدًّا إذا ما قيسَتْ بالكُتب المُترجَمة، التي هي أيضًا شَحيحة.
وأرى أنَّ هذه المسألة أهوَن الأُمور؛ فنحن إذ نعيش في زمَن العَولمة، وقِطاع الأعمال العابِر للقارَّات، وما تَبِعه مِن تحوُّلات اقتصاديَّة واجتماعيَّة هائلة، بِتْنا نُشاهِد مِن غير بني جِلدتنا مَن هو أحرص على لُغَتنا، لا غيرة ومحبَّة، ولكن مِن باب التجارة والاقتصاد، فاليوم باتَتْ شركات مِن مثل "مايكروسوفت"، أو "غوغل"، وغيرهما، حاميةً للغة العربية ومُسانِدةً لها في وجه الطوفان اللُّغويِّ للإنجليزية، حتَّى كادتْ هذه الشركات الأجنبيَّة تَبَزُّ عملَ المجامع اللغوية العربيَّة، أو تَكون واحِدةً منها في أقلِّ تقدير، وهدفها واحد هو الظفَر بسوق اقتصاديٍّ معلوماتي يَربُو عدد المُستهلِكين فيه على (350) مليون نسمة، وبالقياس على هذا؛ فلا غَرْو أنَّ دُور النَّشر العالَميَّة العلميَّة لو وجدتْ سوقًا مُتعطِّشةً للمَعرفة بلُغتها الأمِّ، لانبَرتْ إلى ترجمة الكتب إلى العربيَّة، مثلما تفعل مع كثير من اللغات التي تَنشُر تَرجمتَها فوريَّة بمُوازاة طبعة الكتاب الأصليَّة.