ويرى بعضُ العُلماءِ أنَّ اللغة العربية هي لغةُ السَّماءِ, لغة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فهي لُغةٌ مُطلقةٌ وكاملةٌ ومن صنع الله تعالى؛ فلذلك هي لغة تامة مطلقة كاملة خالية من النقص والعيب، قال تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ[البقرة:31]، وهي لغةُ آدم عليه السلام التي علّمها الله تعالى له ثم نزل بها إلى الأرض.
وهذه اللغة ليس كباقي اللغات مثل الانكليزية أو الفرنسية أو الألمانية صنعها الانكليز أو الألمان، فتلك اللغات هابطة ناقصة لا يمكن أن تُعطي معاني ودلالات مُطلقةً كاملةً, فكلماتُ تلكَ اللُّغاتِ هي أسماءُ سمتها البشرية ما أنزل الله بها من سلطان:إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ[النجم:24].
فاللُّغاتُ مثل الانكليزية, الفرنسية وغيرها ليست لغة آدم الفطروية التي نزل بها من السماء إلى الأرض, وقيل: هي في أصلها عربيَّةٌ، ولكنَّها تهشَّمت بفعلِ عاملِ الزَّمنِ بشكلٍ نسبيٍّ، فابتعدت عن الكلمات الفطرية التي علّمها الله تعالى لأدم, والعربُ حافظوا على تلك اللغة الفطرة, لغة آدم الفطروية ولم تتهشم منهم لغة السماء ولم يقعوا بما وقعت به البشرية من ضياع لغتهم الأصلية لغة آدم لغة القرآن، ورب ضارة نافعة؛ فبسبب انغلاق العرب على ذاتهم وانكفائهم على أنفسهم وتقوقعهم على ثقافاتهم حافظوا من حيث لم يشعروا على نسبة عالية جدًا من هذه اللغة الفطروية الإلهية, وبأقل تهشيمٍ، وبأقلِّ ضياعٍ، وبأقلِّ تفكيكٍ، على عكس باقي اللغات؛ كالإنكليزية التي اندثرت فيها لغةُ السَّماءِ تمامًا، بل تآكلت تمامًا.
ولو افترضنا جدلًا أنَّ الله تعالى نزَّل قرآنًا باللغة الانكليزية مثلًا، لما كان سيكون بجودة وإعجاز هذا القران المعجزة, والسَّببُ أنَّ المفردات الانكليزية مفردات ناقصة فيها العيب والنقص فهي من صنع البشر، ولا يمكن أن تتحمل تلك المعاني الكاملة المطلقة العميقة التي تتحمل أن تبقى حية فوق الزمن وفوق المكان وتنطبق بكل جيل, ولو أراد الله تعالى أن يقول مثلًا قُلْ هُوَ الله أحدٌ[الإخلاص:1] بالإنكليزي لاحتاج إلى كتب ومجلدات وأسفار لكي تشرح وتفصل معنى هذه العبارة، في حين باللغة العربية ذات العبارة (قل هو الله احد) تتحمل تلك المعاني والأعماق التي تتوسع مع كل زمن ومكان، ودائمًا في العربية يبقى متسعٌ, ودائمًا مع كُلِّ اتِّساعٍ متسعٌ..! فالصياغة اللغوية للمفردات العربية هي وعاء عميق جدا للمعاني..!!، يقول تعالى:وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ[فصلت:44]ـ
عندما علَّم الله تعالى اللُّغةَ للإنسانِ كان لابُدَّ من إطلاقِ مُسمياتٍ على الأشياءِ، وتكون هذه المُسمياتُ صحيحةً؛ لأنَّ علمَ الله تعالى مُطلقٌ بالأشياء، وقدرته على الصياغة أيضًا مُطلقةٌ؛ وليس مثل البشر. وعلمُ الله تعالى غيرُ محدودٍ بالشيء وحيثياته ومميزاته وخواصه وتغيراته، ومع كون سبحانه لديه قدرته مطلقة على صياغة لغوية مطلقة؛ لأنَّهُ هو خالقُ الأشياءِ، ولأنَّهُ هو عَلِمَ بعلمِهِ الكاشفِ لِمَا ستؤولُ إليه تلك الأشياءُ.. كُلُّ هذا يجعل من تلك التسميات التي سمّاها الله تعالى تكون تسميات مطلقةَ لا عيب فيها ولا نقص؛ بحيثُ تكون الكلمة التي يطلقها على الشيء تختصر كُلَّ خواصِّ هذا الشيء الموجود بداخلها وبخارجها ومآلاتها، بحيث لا يحيط بمعناها الكامل أي مخلوق مهما عظم, وبالتالي لا أحدٌ يستطيع أن يحيط بها ويدرك دلالاتها النهائية إلا هو سبحانه:وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ[آل عمران:7]. وعليه، فعندما يريد الله تعالى أن ينزل على البشر كتاب ويكون تبيانًا لكل شيء ولا يحيط به مخلوقٌ يجبُ أن تكون الكلمات في هذا الكتاب ليست وضعية من صنع البشر؛ لأنَّها ناقصة وغير مطلقة, إذن لابُدَّ أنْ تكون كلمات هذا الكتاب مطلقة ومن صنع خالق الأشياء التي سمّى بها تلك الكلمات, إذًا لابُدَّ أن تكون كلمات القرآن هي الكلمات نفسها التي علَّمها الله للإنسان في بداية وجوده. يقول الله تعالى:وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].
وبالتَّالي حتّى تتحقَّقَ هذه المعادلة، ويستقيمَ هذا الناموس المنصف والعادل، وبكون المنهج للبشرية جمعاء، ومحمد رسول للبشرية جمعاء؛ لابُدَّ أن يكون لغة المنهج الأخير والرسالة النازلة من السَّماءِ هي لغةٌ للبشريَّةِ جمعاء، بمعنى هي لغة أبي البشرية جمعاء؛ وهو آدم، قبل أن تتهشم تلك اللغة الفطروية إلى لغات أخرى متعددة وبعيده عن لغة السماء. يقول الفارابي في "ديوان الأدب": "هذا اللِّسانُ كلامُ أهلِ الجنَّةِ، وهو المنَزَّه من بين الألسنة من كُلِّ نقيصةٍ، والمُعلَّى من كُلِّ خسيسةٍ، والمُهذَّبُ ممَّا يُستَهجَنُ أو يُستَشنَعُ، فبنى مباني بايَن بها جميعَ اللُّغاتِ؛ من إعرابٍ أوجَدَه الله له، وتأليف بين حركةٍ وسكونٍ حلاَّه به، فلم يجمع بين ساكنَيْن، أو متحرِّكَيْن متضادَّيْن، ولم يلاقِ بين حرفَيْن لا يأتلفان، ولا يعذب النطق بهما أو يشنع ذلك منهما في جرس النغمة وحس السمع، كالغين مع الحاء، والقاف مع الكاف، والحرف المطبق مع غير المطبق؛ مثل: تاء الافتِعال، والصاد مع الضاد في أخواتٍ لهما، والواو الساكنة مع الكسرة قبلها، والياء الساكنة مع الضمة قبلها، في خلال كثيرة من هذا الشكل لا تُحصَى"( 25).
ولا يعني أنَّ العربية لغة الفطرة أن يكون إدراكها وفهمها أمرًا طبعيًّا لا يحتاج ممارسة وتعلُمٍ وتدريب، بل تحتاج كُلَّ ما سبق وزيادة، يقول ابن خلدون:" إنَّ الملكات إذا استقرت ورسخت في محالها ظهرت كأنَّها طبيعة وجبلة لذلك المحل. ولذلك يظن كثير من المغفلين ممَّن لم يعرف شأن الملكات أنَّ الصَّواب للعرب في لغتهم إعرابًا وبلاغةً أمرٌ طبيعيٌّ. ويقول كانت العرب تنطق بالطبع وليس كذلك، وإنَّما هي ملكةٌ لسانيَّةٌ في نظم الكلام؛ تمكَّنت ورسخت، فظهرت في بادئ الرأي أنَّها جبلةٌ وطبعٌ. وهذه الملكة كما تقدَّم إنَّما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السَّمع والتفطن لخواص تراكيبه، وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك التي استنبطها أهل صناعة اللسان، فإنَّ هذه القوانين إنَّما تفيد علما بذلك اللسان ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلها"(26 ).
وعليه فإنَّ العربية لغة الفطرة كما يرى كثيرٌ من العلماء، والله أعلى وأعلم.
(منقول باختصار من كتاب: العربية لغة العقل والفطرة والعبقرية، للأستاذ الدكتور عبد الله جاد الكريم)
*****
• الحواشي:
( 1) اللغة العربية بين حماتها وخصومها، أنور الجندي، (ص25)، ومجلة اللسان العربي 24/86 عن كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب - زيغريد هونكه).
( 2) الموسوعة العربية العالمية، Global Arabic Encyclopédie، النسخة الالكترونية 2004 م، مجموعة من العلماء والباحثين، مؤسسة أعمال الموسوعة، 1999م،(ص7). وينظر: تاريخ آداب العرب، مصطفى صادق الرافعي، دار الكتاب العربي، ط5،(1/74 ، 75).
( 3) ينظر: عمدة القاري، بدر الدين العيني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1/53، والدر المنثور، السيوطي 1/141، والمزهر، السيوطي، 1/28، وروح المعاني، الألوسي 12/172، وعمدة الكتاب، أبو جعفر النحاس، 1/81، وتاج العروس، الزبيدي،1/13.
( 4) ينظر: روح المعاني، الألوسي 12/174، وتاج العروس، الزبيدي،1/15.
( 5) ينظر: المزهر، للسيوطي (1/30 : 32)، وروح المعاني 7/281 .
( 6) مهد الإنسان العربي نظرية تحتاج إلى تأصيل، محمود عبد الحميد أحمد, مجلة العربي (ع/472)، مارس 1998م،(ص115).
( 7) ينظر: العربية خصائصها وسماتها، عبد الغفار هلال، مكتبة وهبة، القاهرة،ط5، 2014م، (ص105ـ122) .
( 8) ينظر: حضارة العرب، جوستاف لوبان، ترجمة: عادل زعيتر، دار إحياء الكتب العربية القاهرة 1956م،(ص439).
( 9) ينظر: تاريخ العرب قبل الإسلام، محمد سهيل طقوش، دار النفائس، بيروت، 2009م، ط1، (ص108).
( 10) النظرات، المنفلوطي، 2/247.
( 11) الحروف، لأبي نصر الفارابيّ، حققه محسن مهدي، دار المشرق، بيروت.، ص 143 - 144.
( 12) للاستزادة ينظر: تاريخ اللغات، ماريو بِلْ، ترجمة سامي خليل، دار المعرفة، دمشق، 1996م.
( 13) للاستزادة ينظر: اللغة العربية في عصور ما قبل الإسلام، أحمد حسين شرف الدين.
(14) للاستزادة ينظر: عبقرية اللغة العربية ، ص23- 26، وجريدة الزمان، ميشال أمين، لندن، 1/3/2008 م.
( 15) للاستزادة ينظر: العربيّة الفصحى أمّ اللغات الهندية والأوروبية، تحية إسماعيل، عالم الكتب، عدد2، السعودية، مارس1993م.
( 16) صحيح ابن حبان، باب: ما جاء في الطاعات وثوابتها(2/6/ح:261)، وحاشية الشهاب على تفسير البيضاوي، شهاب الدين الخفاجي، دار صادر، بيروت، 1/6، وتاج العروس (3/344)، وتهذيب اللغة 2/221، ولسان العرب 1/587.
( 17) ينظر: عبقرية اللغة العربية، محمد عبد الشافي القوصي، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم، إيسيسكو، 20016م، ص23.
( 18) المستدرك على الصحيحين، الحاكم، باب: فضل كافة العرب(4/79/ح:1999)، والمعجم الكبير، الطبري (11/185/ح:11441)، وشعب الإيمان، البيهقي، باب: فصل في بيان النبي (2/159/ح:1433).
( 19) تاريخ العرب قبل الإسلام، محمد سهيل طقوش، (ص108)، وتاريخ الأدب العربي، أحمد حسن الزيات، ط24، دار المعرفة، بيروت، (ص13)، وتاريخ قريش، حسين مؤنس، ط 1، العصر الحديث للنشر والتوزيع،القاهرة ، 2002م،(ص 206 ، 207).
( 20) ينظر: مصادر اللغة في المكتبة العربية، عبد اللطيف الصوفي، دار الهدى، الجزائر، (ص15)، وفقه اللغة، علي عبد الواحد وافي، مطبعة الاعتماد، القاهرة، (ص107).
(21 ) تاريخ الأدب العربي، أحمد حسن الزيات، (ص14،15).
( 22) ينظر: المزهر، للسيوطي،1/221، والصاحبي (ص52)، واللسان، لابن منظور، دار صادر، بيروت، مادة "عرب"، ودراسات في العربية وتاريخها، محمد الخضر حسين، المكتب الإسلامي – دمشق/ مكتبة دار الفتح – دمشق، الطبعة الثانية، 1960م، (ص128).
( 23) ينظر: المزهر، للسيوطي، (1/221)، والمقدمة، لابن خلدون، ط 2، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1979م، (1/1072)، أحمد حسن الزيات، وتاريخ الأدب العربي، أحمد حسن الزيات، (ص15، 16، 17)، حسين مؤنس، وتاريخ قريش (دراسة في تاريخ أصغر قبيلة عربية جعلها الله أعظم قبيلة في تاريخ البشر)، حسين مؤنس، ط1، العصر الحديث للنشر والتوزيع، القاهرة، 2002م،(ص203).
( 24) ينظر: فقه اللغة وخصائص العربية، محمد المبارك، دار القلم، بيروت، 1968م، ص261.
( 25) المزهر في علوم اللغة وأنواعها، للسيوطي، 1/ 272.
( 26) مقدمة ابن خلدون (2/ 319).