تطوير اللغة العربية
د. عبدالناصر بوعلي
تمهيد:
إن الدافع وراء كتابة هذا المقال هو تلك الحمية التي أثارها فيّ خبر أوردته جريدة الشروق اليومية العدد 2335 بتاريخ 17/ 02/ 2009 يتحدث فيه صاحبه عن ذكرى احتفال اليونسكو باليوم العالمي للغة الأم وإن هذه الأخيرة تقدم في هذه الذكرى طبعة جديدة من كتاب "أطلس اللغات المهددة بالخطر" والذي يطرح فيه مؤلفوه مجموعة من الأسئلة بشأن اللغات المهددة بالانقراض، وتساءل كاتب الخبر: هل العربية مهددة بالموت؟
ثم جاءت ندوة المجلس الأعلى للغة العربية بعد ذلك وطرحت أمر اللغة العربية بجدية كبيرة، وراقني كثيراً كلمة الأستاذ الفاضل الدكتور محمد العربي ولد خليفة بما حملته من طرح سليم ورأي بنّاء وتوجه سديد، فارتأيت أن أسهم بهذا المقال علّه ينال رضا هيئة تحرير مجلتنا الغرّاء "العربية" ويطبع في أحد أعدادها المقبلة.
لقد كانت اللغة العربية لعدة قرون سابقة لغة العلم والحضارة، والثقافة والفكر واستطاعت أن تتسع لأنواع الثقافات ومختلف العلوم التي ورثتها الحضارة العربية الإسلامية عن الأمم السابقة منذ القرن الثاني الهجري، بل وقد تجاوزت الاستيعاب إلى الإبداع والابتكار، فأضاف أبناؤها إضافات علمية إلى جميع أنواع العلوم المتداولة، وشكلت حلقة مهمة في سلسلة التطور الحضاري للإنسانية. وقد شهد لها بذلك الأعداء قبل الأهل والأصدقاء.
ثم عدت عليها عوادي الزمن وأصيبت الأمة في كيانها بفعل تكالب الأعداء عليها من الخارج متمثلا في حروب وهجمات الحاقدين، وبعد سقوط غرناطة اتسعت دائرة الحقد فتكاتف الأعداء وشنوا عليها حروبًا صليبية في المشرقين الأقصى والأدنى وهجمة استعمارية شرسة أتت على الأخضر واليابس في المغرب العربي. ومن ناحية أخرى فقد نال الأمة تمزقات داخلية وخلافات وحروب أهلية صاحبها انحلال اجتماعي وسياسي كبيرين.
وكانت نتيجة هذا سلبية على اللغة العربية، فقد انزوت على نفسها وتقهقرت وضعفت بضعف أهلها وانزوائهم، وأصابها الصدأ والركود.
ولم تستيقظ إلا بعد أن وجدت العالم يعيش في الطباعة المتنوعة ويشاهد التلفاز ويسافر في الطائرات الفخمة ويرسل الأقمار الصناعية والصواريخ وينزل الإنسان على سطح القمر، فاحتارت من أين تدخل هذا العالم ولسان حالها يقول:
ليت شعري والمنى لا يدرك ♦♦♦ هل أغدون يوما وأمري مجمع[1]
فمن أين تدخل خضم المعارف الإنسانية المتسارعة التي حولت مجريات حياة الإنسان رأسًا على عقب وأتت بما لم يكن يومًا في الحسبان، فهل تقبع في مكانها وتراقب ما يجري حولها فتتراجع وتزول وهذا ما يرغب فيه أعداء العروبة والإسلام والحاقدين على الحضارة العربية. أم أنها تنفض الغبار عن نفسها وتثير في نفسها الأدوات الكامنة في طبيعتها اللغوية التي لا يمكن أن تجعل منها لغة ميتة، بل تؤهلها لاستيعاب ما يجدّ من المعاني العلمية والفكرية والثقافية؛ وهنا تكمن عظمة هذا الخلود.
لقد بدأت أمتنا العربية والإسلامية يقظتها في بداية القرن العشرين بفضل رجال شمّروا على سواعدهم ودخلوا معترك الصراع يدفعهم في ذلك إيمانهم الراسخ بقيمة هذه اللغة الشريفة التي وسعت أحكام كتاب الله تعالى فكيف لا تسع اليوم أسماء مخترعات، فظهرت اجتهادات هنا وهناك في الوطن العربي وقامت مؤسسات ومراكز وجماعات تعني باللغة العربية في القاهرة، وبغداد، ودمشق، وتونس، والجزائر، والرباط... فكان لها الشرف في وضع أسس النهضة بهذه اللغة مدركة أنه لا يمكن أن تنهض الأمة ويحيا مجدها إلا بلغتها، ومن المؤسف أن هذا الجهد كان يقابله تيار يناصب العربية العداء فيثير الشكوك في مقدرة هذه اللغة من أن تخوض مسار البحث العلمي وتخترق المد التكنولوجي الهائل الذي يعرفه العالم من حولنا.
على أنه وبعد أن تحررت أقطار المغرب العربي من ربقة الاستعمار وظهور سياسات في الوطن العربي تعمل على إحياء مجد الأمة وربطها بتاريخها العريق خاضت هذه الأقطار معركة داخلية تمثلت في تعريب المجالات العلمية والثقافية والإدارية وغيرها من قطاعات المجتمع، وعلى الرغم مما انتاب هذه العملية من نقائص بفعل عداء أتباع الاستعمار من جهة والاندفاع العاطفي غير المعتمد على التخطيط العالمي والتدبير المحكم فقد حقق قفزة نوعية في نشر الوعي بأهمية استرجاع اللغة العربية لمكانتها الرائدة، وهكذا انتشرت في الوطن العربي الجامعات والمعاهد العلمية التي تستعمل العربية في أنشطتها العلمية المختلفة.
ما يواجه اللغة العربية من مشاكل:
لقد ذكرنا أن اللغة العربية استطاعت أن تفلت من قبضة المستعمر والحاقدين عليها واجتازت امتحانًا صعبًا كسبت الرهان فيه وهي الآن تخوض غمار الصراع من أجل فرض وجودها على مستوى رقعتها البشرية أولا والتطلع إلى الانتشار وهنا ينبغي الإشارة إلى الدور العظيم الذي يمثله النص القرآني في المحافظة على هذه اللغة ونشرها، فالقرآن الكريم حفظ اللغة العربية من الضياع ومنع تشتتها واندثارها ووحدها على صورتها المعروفة الآن عندما استعمل لهجة قريش وقضى على فوضى اللهجات التي كانت سائدة.
إن العربية تتعرض الآن لخطر عظيم يأتي من المد العولمي الذي يهدف في حقيقته إلى أمركة العالم وأوربته وطبعًا عولمة العالم بلغتهم وثقافتهم وسياستهم لا بلغتنا وثقافتنا ثم الأخطر من ذلك يأتيها من أبنائها العاقين الذين دارت في مخيلاتهم هذه القناعات واعتنقوا هذا التوجه وقالوا إن العربية عاجزة على حمل الفكر التكنولوجي وكأن ذلك حكرًا على اللسان الانجليزي أو الفرنسي، وتناسوا ما حققه الصينيون واليابانيون والروس والكوريون والهنود بلغاتهم وثقافتهم في هذا الميدان، إن هذا التحليل ليس بهدف التضييق من مجال تعلّم اللغات العالمية ولا التقليل من شأن الاستعانة بها بقدر ما أريد - التنبيه إلى ضرورة جعل اللغة لغة العلم والاختراع التكنولوجي، والإبداع الفكري والأدبي.
وأمام هذا الخطر الداهم يجب أن نعني بسلامة اللغة العربية والعمل على جعلها وافية لمطالب العلوم والفنون وجميع شؤون الحياة الحاضرة، فبالرغم من أن اللغة وسيلة الاتصال والتفاهم بين الأفراد والجماعات فإنها في مفهومها القومي غاية في حد ذاتها، ذلك أن الأمة التي ليست لها لغة كاملة وصحيحة لا يمكن أن تبدع فكرًا صحيحًا.
ومما لا شكّ فيه أن اللغة العربية تواجه الآن مشكلات مهمة لا بدّ من دراستها وتناولها بصورة موضوعية ومن هذه المشكلات نجد:
1- قضية المصطلحات الحديثة في اللغة العربية.
2- تعلم نحوها وصرفها.
3- المعجم اللغوي للغة.
1- مشكلة المصطلحات:
قد لا نبالغ إذا قلنا إن الأمة العربية تحتاج إلى المصطلحات العصرية اللغوية كما نحتاج إلى جميع وسائل التقدم الحضاري، إن توفير هذه المصطلحات يرتبط أساسًا بالوجود وبالتطور الحضاري، وهي مشكلة واجهتها جميع الأمم والشعوب، فاليابانيون والصينيون استطاعوا أن يطوعوا لغاتهم القومية واستوعبوا جميع المصطلحات العلمية التي وصلت إليها الحضارة المعاصرة، بل وها هي اللغة الفارسية الآن تنطلق بشعبها لكي تصل إلى طليعة الدول النووية. وهناك العديد من الدول الأخرى التي تمكنت من جعل لغاتها القومية لغات تستوعب جميع العلوم والمعارف مثل التركية، والدانمركية، والإسبانية...
إن التاريخ يؤكد لنا جيدا أن اللغة العربية قديمًا تمكنت من اجتياز صعوبات الترجمة واستيعاب المعاني الحضارية فقد وضع علماؤها العديد منن المصطلحات لمخترعات ونظريات علمية متقدمة آنذاك وذلك عن طريق تفعيل خصائص اللغة العربية من اشتقاق ونحت، وتعريب ومجاز... الخ. وترجموا مفاهيم في غاية الدقة حتى غدت اللغة العربية لغة العلم والحضارة. ومن الكتب التي حملت هذه المعارف نذكر:
كتاب "مفاتيح العلوم" للخوارزمي، وكتاب "التعريفات" للجرجاني، و"المعرب الأعجمي في لغة العرب" للجوالقي، وكتاب "شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل" للخفاجي...
لقد عمد العرب قديما إلى التعريب والترجمة، فعربوا عن الفارسية: الإبريق، والسندس، والدولاب، والدسكرة، والسميد، والجلاب، والنرجس، وعربوا عن الهندية: الزنجبيل، والفلفل، والشطرنج، والمسك، والكافور، والقرنفل... وعن اليونانية: الفردوس، والترياق، والقنطار، والقسطاس، والمغناطيس[2]...
وكانوا في بداية الأمر يتبعون هذه المصطلحات بشرح معانيها إلى أن تؤلف الكلمة في العربية ويتحدد مدلولها. من هنا أتتنا هذه المصطلحات العلمية الكثيرة التي نستعملها اليوم وكأنها خلقت مع العربية مثل الفلسفة، والسفسطة والكيمياء، والفيزياء والجبر والجغرافيا. وبذلك تمكنت اللغة العربية من اجتياز مرحلة تمازج وتلاقي الحضارات وفي ذلك قال أحمد أمين: «خرجت اللغة العربية عن هذا المأزق سليمة قوية واسعة، وهي لغة الدين ولغة العلم والأدب والفلسفة، واضمحلت بجانبها كل لغات البلاد المفتوحة. فاللغة السريانية التي ترجمت إليها الكتب اليونانية، أخذت تتدهور بعد أن نقل ما فيها إلى اللغة العربية. والفرس في ذلك العصر أصبحت لغتهم العلمية والأدبية هي اللغة العربية، إن ألّفوا أو شعروا أو كتبوا فبالعربية.... وكذلك اللغات الأخرى من رومانية وقبطية في الشام ومصر، وكسبت العربية من ذلك أنها أصبحت في تآلفها وعلومها نتاج كل هذه الأمم تلبس كل أفكارهم وتعبر عن قرائحهم وكسبوا منها ما لها من ثقافة إسلامية وأدبية»[3].
ومع مطلع القرن العشرين شعر أبناء هذه اللغة بأهمية الاعتناء بقضية المصطلح العربي فبذل بعض الباحثين مجهوداتهم المعتبرة في اختيار المصطلحات المفيدة والصالحة لمختلف المناحي الجديدة في العلم والاختراع والفكر، واهتمت المجامع اللغوية في أنشئت لفرض تطوير اللغة العربية والمحافظة عليها بهذا الجانب، وهكذا بحث المؤتمر العالمي العربي الثاني الذي عقد في القاهرة سنة 1955 موضوع المصطلح من جميع الجوانب ودعا إلى توحيد الترجمة العربية لنحو عشرة آلاف مصطلح في مختلف التخصّصات منها الفلك، والرياضيات، والطب، وعلم النبات، والكيمياء، والعلوم الاجتماعية والاقتصادية وتوالت المجهودات عبر السياسات المنتهية في الأقطار العربية عبر ما أصبح يعرف بسياسة التعريب فيما بعد. كما حصل في الجزائر وجاء إنشاء المختبرات العلمية على مستوى العديد من الجامعات لهذا الغرض أيضًا.
وبالرغم مما أنجز وتم لكننا مع الأسف مازلنا لم نواكب الركب ولم تحقق الأهداف التي طمحنا الوصول إليها والسبب في ذلك لا يعود طبعًا إلى طبيعة اللغة ولكنه يكمن في نقص الجدية وقلة المتابعة والاهتمام وإلى ضعف السياسات التي توجّه المؤسسات العلمية العربية، والتي ما زالت تفضل الركود أو أنها لا تريد فعلاً للغة العربية أن تسود وتدخل بقوة مجال التطور العلمي.