5 ـ مفهوم النموذج (paradigm)، ومبررات استعماله في هذه المحاضرة:
بنى العالم الأمريكي "توماس كون" رؤيته لتطورات العلوم في كتابه "بنية الثورات العلمية" على القول بانقطاعات بين مراحل تطور العلم المختلفة سماها بـ "الثورات" العلمية. غير أن إطلاق اسم الثورة على هذه القطائع لا يقتضي بالضرورة ما تعنيه هذه الكلمة حرفيًّا في كل حال كما قد يُفهم. بل قد تعني لفظةُ الثورة في سياق تطورات العلوم ـ إلى جانب الدلالة على التغيير الجذري ـ مجردَ التغيُّر الذي يقابل التغيُّر الحاصل بالتراكم. وقد نبَّه هو على هذه الدلالة الخاصة نصًّا بقوله: ((فالثورة عندي نوعٌ خاص من التغير ينطوي على نوعٍ معين من التجديد، أو إعادة تنظيم التزامات جماعة البحث. ولكنْ ليس من الضروري أن تكون تغيُّرًا هائلا، ولا من الضروري أنْ تبدو حدثًا ثوريًّا في أعين الغرباء عن جماعة البحث... إذ نظرًا لأنَّ هذا الطراز من التغير الذي نادرًا ما تسلِّم به فلسفة العلم وتضعه موضع الدراسة يقع بانتظام على هذا المستوى المحدود الضيق. لذا بات التغير الثوري مقابل التغير التراكمي بحاجة ماسَّة إلى أنْ نفهمه)) . ولقد اضطُر لتكرار بيان معنى ما يمكن تسميته بالثورة في سياق تطورات العلوم بقوله أيضًا: ((ويكفي أن تكون هي المقدمة العادية التي تهيئ آليَّة للتصحيح الذاتي، تكفل ألا يطرد جمود العلم القياسي ويمضي إلى الأبد دون أي تحدِّيات)) . وعلى أية حال يمكن القول ببساطة تبعًا لبعض الباحثين: إن الثورة العلمية في جميع الأحوال لا بد أن تعني بداهة: ((إزاحة الشبكة أو الإطار التصوري الذي يرى العلماءُ العلم من خلاله وإحلال بديل آخر)) .
ويحتلُّ مفهوم النموذج الإرشادي (البرادايم) المركز من أطروحة الثورات العلمية المشار إليها. إذ يعني هذا المصطلح عند كون: النظرية أو النظريات المعتمدة التي تُعَدُّ نموذجًا مشترَكًا تشترك فيه جماعة من الباحثين (الجماعة العلمية) في حقلٍ علميٍّ ما في عصرٍ معين، وكذلك طرق البحث المميزة لهذه الجماعة، والتي يتبعونها لتحديد المشكلات العلمية الرئيسة في الحقل وحلِّها . أو هو ((النظرية النموذجية العليا التي تسيطر على جماعة الباحثين طيلة فترة معينة من الزمن، والتي يفسرون من خلالها كل شيء، وذلك قبل أن تسقط وتنهار ويحل محلها نظرية جديدة)) . ويرى كُون أنَّ النموذج الإرشادي الذي يتعاون على صقلِه وتهذيبِه وسدِّ الثغرات فيه بالضرورة أعضاءُ ما يُسمى عنده اصطلاحيًّا بـ "الجماعة العلمية" قد يستمر العمل به طويلا، وقد يحل محله نموذجٌ مختلف، أو يُحَوَّل النموذج نفسه إلى وجهة جديدة تلائم الأوضاع الجديدة .
هذه لمحة سريعة عن المفهوم لا يتسع وقت المحاضرة لأطول منها. ولكني أرجو أن يكون واضحًا في الأذهان أنه يمكن القول إن التغيرات التي حصلت في علمي النحو والصرف هي تحولات في النماذج بين عصر وعصر آخر. وقد تناولت في بحث سابق لي بعنوان "نحو سيبويه ونحو المتأخرين" من هذا المنظور تحولات النحو العربي بين ما كان نموذجًا علميًّا عند سيبويه وما أصبح نموذجًا تعليميًّا عند المتأخرين . وأرى الآن هنا أن الاختلاف البيِّن في علم الصرف العربي بين مرحلتين على النحو الذي عرضته في السطور السابقة هو تحوله من نموذج علمي في المرحلة المتقدمة حينما كان علم "الصيغ" إلى نموذج تعليمي في المرحلة المتأخرة حينما صار علم "الصياغة". ولكن لا بد أن نلاحظ أن الصرف في المرحلة المتأخرة استوعب المرحلة المتقدمة وبنى عليها؛ إذ حوفظ على الأبواب القديمة وأضيفت إليها الأبواب الجديدة. لكنه أصبح نموذجًا تعليميًّا بالكامل وأصبح النظر في باب الإعلال والإبدال من الصرف يشبه النظر في التصغير والنسب وغير ذلك، أي: أنه علم صياغة المفردات بما فيها الأبنية المعتلة.
النموذج القديم الذي كان معنيًّا بتغيرات المعتل على وجه الحصر (علم الصيغ المعتلة) يُعد في جوهره جهدًا في الأصوات، ومرحلة متقدمة في حقل الدراسة الصوتية، وهو الحقل الذي تميز فيه العلماء العرب كما هو معروف ومشهور عند الغربيين. ولكن الغريب هو أن أشهر المآخذ التي يأخذها أكثر الباحثين المحدثين على علم الصرف التراثي هو افتقاره إلى الاعتداد بحقائق الصوت. بل إن عناوين أبرز ثلاثة كتب ظهرت واشتهرت بين الباحثين بوصفها تقدم علم الصرف من منظور جديد كانت تفتقر إليه كتب الأقدمين تنص في عناوينها على ضرورة النظر إلى الصرف من خلال علم الأصوات، هي: (المنهج الصوتي للبنية العربية لعبد الصبور شاهين)، و(التصريف العربي من خلال علم الأصوات الحديث للطيب البكوش)، و(الصرف وعلم الأصوات لديزيرة سقال).
وشيء غريب آخر هو أن بعض هؤلاء الثلاثة وغيرهم من الباحثين يقترحون لكلمات معتلة من نحو "قال" وباع" وزنها على "فال". والقائل بهذا لا يعرف أنه يقع في تناقض؛ لأنه إن قال: "وزنها كذا" فمعناه أنه يستعمل الميزان الصرفي الذي جاء به علم الصرف التراثي، والميزان ـ كما تقدم ـ لم يأت إلا لوزن المعتل ببيان وزنه المخالف صوتيًّا بالضرورة لصورته الحالية، المطابق لما كان عليه قبل الإعلال، والمطابق أيضًا لمقابله من الصحيح. فكيف يقول: "وزنها.."، ثم يقول: "فال"؟ هذا لا يستقيم؛ فالميزان هنا قد عُطِّل كما هو واضح. أقول هذا مع أني أتفهم دوافع تجنبهم الإقرار بقول القدماء بتحرك حرف العلة وانفتاح ما قبلها وانقلاب الواو ألفًا، وقول القدماء إن ما قبل الألف مفتوح، وقولهم إن الألف مدة ساكنة... إلخ، لما في ذلك كله من تعارض مع حقائق علم الأصوات الحديث، ولا أعارض شيئًا من ذلك الآن. لكني فقط ألفت النظر إلى التناقض بين استعمال مصطلح الميزان وما سموه الوزن الصوتي.
****
6 ـ خاتمة وعودة إلى سؤال المحاضرة:
أرجو أن أكون قد نجحتُ من خلال العرض السابق في إيضاح عدد من النقاط التي عنيت هذه الليلة بإيضاحها، وفي الإجابة عن بعض الأسئلة التي أثرتها في مستهلها، مع أني أعلم أن إثارة الأسئلة في كثير من الأحيان أفضل من الإجابة عنها.
وأهم ما أود العودة إليه في نهاية هذا العرض هو سؤال المحاضرة المثار في عنوانها: هل فهمه الدارسون؟ فأقول:
ـ لم أجد من استنتج من اختلاف التبويب الصرفي، ودخول أبواب عديدة في علم الصرف لم تكن فيه في مرحلة سابقة، مع ظهور ذلك ووضوحه، شيئا مما عرضته المحاضرة.
ـ لم أجد في آثار الدارسين ما يوضح بجلاء حقيقة الميزان الصرفي ومحوريته في علم الصرف العربي على النحو المعروض هنا. بل لقد كان التعامل في المجمل مع الميزان يؤكد عدم التنبه إلى دوره وحقيقة عمله.
ـ لم أجد ما يشير إلى أن الصورة الذهنية الشائعة لعلم الصرف (وهي كونه العلم الذي يعين على إجادة صياغة المفردات) إنما تتفق مع ما آل إليه العلم في مرحلة متأخرة، وليس مع ما كان عليه في العصور الأولى.
ولهذا سأجازف بالإجابة عن السؤال المثار في عنوان المحاضرة بـ (لا).