احتفاءً باليوم العالمي للغة العربية: قراءة في القصيدة الداليّة
الدكتور علي بن تميم
نحتفي في الثامن عشر من ديسمبر كلّ عام باليوم العالمي للّغة العربية، أي منذ أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها في ديسمبر 1973 بإدخال اللغة العربية إلى مجموعة اللغات الرسمية في الأمم المتحدة.
وقد اعتاد كثيرون أن يمارسوا الخطابة في هذا اليوم ليبينوا أمرين:
عظمة العربية في الماضي من جهة، وواقعها البائس في هذه الأيام من جهة أخرى. فتكون احتفالاتهم بالعربية امتداداً للوقوف على الأطلال الذي يبكي ويستبكي. والاحتفال بالعربية لا يكون بالخطابات ولا بالمواعظ ولا بالبكاء على اللّبن المسكوب، بل بالعمل الدؤوب الذي يسعى لمعرفة ما تواجهه العربية المعاصرة من مشكلات، والسعي لإيجاد حلول لها من أجل بناء مجتمع المعرفة.
ولست أريد أن أتحدث عن ميّزات العربيّة ولا عمّا قاله الباحثون عن خصائصها، لأن ذلك يصرف النظر عن واقعها الذي يحتاج إلى مبادرات علمية وثقافية أكثر من الحاجة إلى التغني بها، فعلينا أن ننقذ العربية من «هذا الحب القاسي». على حد تعبير محمود درويش ذات يوم.
وهنا أتوقف عند التجربة الإماراتية التي تسعى إلى بناء منظومة ثقافية تسهم في جعل العربية لغة معاصرة مملوءة بالحياة والحيوية وقادرة على استيعاب علوم العصر وفلسفاته. فهذا المنظور الاستراتيجي الإماراتي يخرج من التنظير إلى الفعل، ومن التغنّي إلى العمل الدؤوب، ومن التمنّي إلى البناء.
والمتأمل في رؤية دولة الإمارات للغة العربية، يرى أنها تنظر للعربية بوصفها وعاءً للثقافة وعنواناً للهوية، وأنّ المحافظة عليها، والعمل على تطويرها، لون من المحافظة على الذات الثقافية والسعي لتقدمها.
لقد أطلقت دولة الإمارات مجموعة من البادرات الثقافية التي تسعى إلى الارتقاء بالعربية وتنمية الوعي بما تمتلكه من طاقات. فجاءت جائزة الشيخ زايد للكتاب لرفد الحياة الثقافية العربية بإبداعات ودراسات عربية مرموقة توسّع آفاق العربية المعاصرة وتشحذها.
علي بن تميم
علي بن تميم
ولعلّ تكريم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، للفائزين بجائزة أوائل الإمارات 2018، يأتي تجسيداً لريادة جائزة زايد للكتاب ودورها الفاعل في دعم الثقافة العربية وعناية سموه بالمبادرات التي تنصف المثقفين.
كما جاء إطلاق مشروع «كلمة» للترجمة لنقل المؤلفات العالمية إلى العربية لصناعة أفق معرفي عريض وإثراء معجم العربية، وما كان لهذا المشروع وغيره من المشروعات المعرفية الكبرى أن تنجح لولا رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي يرى أنّ الثقافة كانت وستبقى المقياس الأول لتحضر الأمم وقدرتها على التطور والارتقاء وبناء الهوية المتفتحة الواثقة بنفسها، دون أن تتنكر لقيمها وأصالتها.
وعليه، لقد أُطلق مشروع كلمة بهدف إحياء حركة الترجمة في العالم العربي، عن طريق نقل الأعمال الإنسانية في مجال الإبداع والفكر والثقافة، ومما لا شك فيه، فإن هذا النقل قاد إلى تطوير قدرة اللغة العربية وتوسيع معجمها المعرفي والعلمي، وقد كان سموه دائماً متابعاً لحركة التأليف في العربية، ومن هُنا جاءت جائزة الشيخ زايد للكتاب، لتؤكد حرص سموه على تشجيع التأليف العربي ونقله إلى مستويات منهجية علمية وفكرية تليق بمكانة اللغة العربية ومنزلتها في عصورها الذهبية، دون الانقطاع عن التأليف لأغراض الطفولة، فتطور اللغة ينبغي أن يبدأ مع النشء، كما حرصت الجائزة، وانطلاقاً من مكانة الثقافة العربية على تكريم جهود الباحثين والعلماء في اللغات الأخرى خدمة للثقافة العربية، وإضاءة لدورها الحضاري، وتقويضاً لقوى التطرف والإرهاب، والتي تريد تكريس صورة نمطية عن العربية وثقافتها تخلو من التسامح والتعددية، كما أنه لم يفت أبوظبي عاصمة دولة الإمارات الانفتاح على كافة أصناف التأليف العربي بكامل اتجاهاته ومساراته، وقد شهدت العربية عرسها في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، هذا المعرض الذي يشكّل أبرز حدث ثقافي يحتفي باللغة العربية ومبدعيها ومفكريها، والغرض من ذلك إعطاء صورة مشرقة عن حيوية اللغة ومرونتها وقدرتها على استيعاب الجديد في حقل الكتاب.
وهكذا فإن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، يدرك أشد الإدراك بأن تقوية العربية مرتبطة بدفع عجلة المشروعات الحضارية والثقافية والفكرية المرتبطة باللغة، فليس ثمة فصل بين اللغة والتفكير ، وليس ما نشهده اليوم في إعادة افتتاح المجمع الثقافي إلا مثالٌ بارزٌ على الرغبة في إعطاء الثقافة منزلتها المستحقة وإحياء لغتها التي تشكل الوعاء لهذه الثقافة، ولسنا نبالغ إن قلنا إن مكتبة المجمع الثقافي التي ستخصص للأطفال والناشئة والأسرة بشكل عام ما هي إلا قاعدة ثقافية ومعجمية داعمة للغة الأطفال وثقافتهم بوصفها تشكِّل حجر الأساس في النهضة اللغوية الأصيلة.
وفي هذا السياق، فإن برنامج «أمير الشعراء»، الذي يعنى بالشعر العربي الفصيح يعكس حجم الاهتمام لتعزيز حضور الشعرية العربية الأصيلة بوصفها الحاضن للقيم العربية وتراثها، ولكونها المدونة الحية المعبرة عن الإبداع العربي الذي يبرز حجم المواهب والابتكارات في الأساليب الشعرية العربية وجدتها وأصالتها في الوقت نفسه.
أما مبادرات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الثقافية والمعرفية، فيصعب التوقف عندها في هذه المناسبة لتعدد مناحيها، لكنها تهدف إلى تحفيز الإبداع والابتكار وتنمية المعرفة وتطوير اللغة العربية لتستأنف مسيرتها الحضارية.
فقد تم إطلاق جائزة «محمد بن راشد للغة العربية» التي تعد أرفع تقدير لجهود العاملين في ميدان العربية أفراداً ومؤسسات. وليس من شك في أنّ محاور الجائزة الخمسة التي تجمع بين: التعليم والتكنولوجيا (التقانة) والإعلام والسياسة اللغوية والتخطيط والتعريب والثقافة والفكر، تسعى إلى النهوض بالعربية المعاصرة، وجعلها لغة العلم والفكر والحياة.
أما مبادرة «بالعربي» التي أطلقتها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، فإنها تمثل لوناً من الأمن اللغوي الذي يجعل من وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة لإثراء الحصيلة اللغوية لمستخدميها.
وتأتي مبادرة تحدي القراءة العربي التي يُشارك فيها ما بين خمسة إلى عشرة ملايين طالب وطالبة، لترقى بالعربية من خلال تنمية حبّ القراءة لدى الأطفال والشباب في العالم العربي، وجعلها عادة متأصلة في حياتهم تعزز شغف المعرفة لديهم، وتوسع مداركهم. وتنمي مهارات الطلاب في التفكير التحليلي والنقد والتعبير، وتعزز قيم التسامح والانفتاح الفكري والثقافي لديهم من خلال تعريفهم بأفكار الكتاب والمفكرين والفلاسفة بخلفياتهم المتنوعة وتجاربهم الواسعة في حقول ثقافية متعددة.
هكذا يتم الاحتفاء باللغة والاحتفال بها لتستأنف مسيرتها الحضارية بعيداً عن جلد الذات والتغني بالأمجاد.
(1)
اخترت في سياق هذا الاحتفال أن أتوقف عند إحدى قصائد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ليتبين لنا كيف يحتفي سموه بالعربية إبداعاً مثلما تحتفي بها مبادراته على مستوى الفعل. فكل من يتابع إبداعات سموه، يعرف أثرها الفاعل في تطوير العربية ونحت مصطلحات جديدة، كمصطلح أصحاب الهمم، على سبيل المثال، وما يزال قوله:
«نفتش عن قادة يحركون الجبال ويقودون التغيير ويصنعون المستقبل همتهم في السماء وطموحاتهم معانقة النجوم» يشكل حافزاً للجميع كي يعملوا ويبدعوا ويطوروا لغتهم وقاموسهم المعرفي، لأنه يصعب الفصل بين اللغة والتفكير.
أما القصيدة التي سأتوقف عندها في هذه المناسبة، فمطلعها:
حياك من فلك الجزيرة فرقد
أنواره عز يكال وسؤدد
وتقع في أربعة وستين بيتاً. وهي واحدة من إبداعات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الشعرية السامقة التي تحتفي باللغة في إطار شعري بديع.
تعد القصيدة الدالية المشار إليها واحدة من عيون الشعر العربي المعاصر لما فيها من مقدرة لغوية عالية وشاعرية فياضة وبناء محكم يتنامى ويتفرع، مثلما تتسع جوانب الصورة فيها عندما يتم تأملها من زوايا مختلفة.
بنى محمد بن راشد قصيدته على لون من السجال الشعري الراقي الذي لا يعني بالضرورة وجود شاعر يوجه له الخطاب، فالقصيدة تتشكل وكأنها تكشف عن وجود قارئ ضمني كما في نظرية التلقي، وهذا القارئ يشكّل شبكة من الاستجابات، ويرافق الشاعر في مختلف تجليات القصيدة ويكون معه وهو يبني منظوره للعالم، ويصنع أنا أخرى تجلّي أبعاد هذا الخطاب الشعري وتلفت النظر إلى مراميه.
لهذا كان من الطبيعي أن تُبنى القصيدة على لون من الحركة المتدفقة التي تجعل من الشعر أفقاً فسيحاً، وتحيل ذلك كله إلى بنية تمتاز بالحياة والحيوية والسجال القائم على الجمع بين الشعري والمعرفي.
قدم محمد بن راشد قصيدة طويلة موزونة مقفاة تقوم على وحدة المشاعر وترتيب الأفكار والصور، فجاءت القصيدة كالبنية الحية، لكل بنية فيها وظيفة ويقود بعضها إلى بعض عن طريق الترابط والانسجام.
ويحسن قبل الحديث عن حركة التنامي في الداليةّ أن أشير إلى مجموعة من السمات الفنية التي تشكل السمات العامة الكبرى لخطاب محمد بن راشد الشعري:
1 - الاحتفاء بالصورة الفنية:
ففي قصائد محمد بن راشد صور فنية موحية، تتسق مع السياق النفسي والموضوعي وتنبثق من جو النص وتتنامى في سياقه. فهو يقول:
فأخذت من شمس النهار إياتها
وسبكته فبدا يغار العسجد
قد كحلت عين الصباح أناملي
ودليله أنْ في يديّ المرود
ففي سياق الاحتفاء بالشعر وقدرته على التصوير، تجمع القصيدة بين قدرتها على سبك خيوط الشمس الذهبية التي تشبه الذهب والجوهر، وقدرتها على الإمساك بالنقيض الذي يتبدى في الكحل. والمتتبع للنص، يكتشف نتيجة الجمع بين نقيضين يفضيان إلى الجمال والتألق:
شذرات شعر لا يلم بوحيها
إلا أخو بدع يحل ويعقد
إن كان من شعر يخر له الورى
فأنا بدعت فمن تراه سيسجد
وقد ذكر أبو الفرج: «قدم الفرزدق فمر بمسجد بني أقيصر، وعليه رجل ينشد قول لبيد:
وجلا السيول عن الطلول كأنها
زبر تجد متونها أقلامها
فسجد الفرزدق فقيل له: ما هذا يا أبا فراس؟ فقال: أنتم تعرفون سجدة القرآن، وأنا أعرف سجدة الشعر».
2 - صدق التجربة الإبداعية:
يصدر محمد بن راشد في خطابه الشعري عن صدق فني يتسق تماماً مع طبيعة تجربته الإبداعية، وهذا الصدق في التجربة هو ما يمنح نصوصه الشعرية مزيداً من الخلود، ويجعل من تجربته رافداً قوياً للشعرية العربية المعاصرة.
إنّ شعر محمد بن راشد لا يحاكي تجارب شعرية أخرى ولا ينسج على منوال أحد، ولا يستعير تراكيبه وصوره وتجاربه، لهذا بقيت إبداعاته تتمتع بشباب دائم وحضور متألق وبقيت نسماتها العذبة ونفحاتها العطرة تهب على المتلقي في الإمارات، وفي العالم العربي وتسهم في بلورة ذائقة جمالية راقية.
وترنمت بغريبها وقريبها
الصادحات فكل طير ينشد
خلصت ولحن زلزل إيقاعها
وتساهموا فيها فغنى معبد
والمتأمل في البيت يعي أنّ نقل إيقاع هذا النص الشعري الباذخ إلى عالم اللحن يتطلب عازفاً عبقرياً مثل منصور زلزل (المتوفى 176 هجرية) الذي كان من أشهر ضاربي العود ومن أهم الموسيقيين الذين ظهروا في أوائل العصر العباسي، وشهد له بذلك تلميذه وابن شقيقته اسحق الموصلي، ويتطلب أن يختار له مغن يتفوق على أقرانه فجرى اختيار المغني الشهير معبد الذي توفي 126 هجرية لينهض مع منصور زلزل بهذه المهمة الجمالية الرفيعة لتبينّ القصيدة أنها ذات صلة عميقة بالنص الشعري العربي لغةً وإيقاعاً وغناءً، وأنّ ما فيها من صور ولغة وإيقاع تتصل بأبهى عصور الشعر العربي، وما فيه من غناء وحضارة مضيئة.
3 - تعد اللغة من أرفع الأدوات في تشكيل النص الشعري.
والملاحظ أنّ خطاب محمد بن راشد الشعري يحتفي باللغة، ويعتني بها ويحرص على معرفة دقائقها، ويعلي من دورها في الأداء والتعبير.
إن اللغة في القصيدة الدالية تسعى إلى خلق مبدأ التناسب بين اللغة والسياق لخلق الانسجام والتماسك في بنية النص الشعري. ومن الواضح أنّ التوظيف المتنوع للغة داخل القصيدة، يكشف عن ثقافة واسعة ومقدرة على تطويع اللفظة الشعرية والسعي لإكسابها روحاً جديدة. فالدالية تنقل المفردات من أصولها القاموسية إلى تكوينات شعرية أعمق دلالة. وهنا يتضح دور خطاب محمد بن راشد الشعري في إنتاج لغة شعرية جديدة لتوليد المعاني والدلالات وإضفاء صبغة التنويع عليها، لأن الشعر الحقيقي يعيد إنتاج اللغة ويرفدها وينفض الغبار عنها.
وفي ضوء ما يقوله الفيلسوف الألماني هايدغر يصعب الحديث عن تردّي اللغة أو تخلّفها في ظل الإبداع الشعري، فثمة لغة بالمعنى السائد تشكل وسيلة للتواصل وهناك لغة شعرية هي التي تثري اللغة وتجددها وتوسع استخداماتها، ولذا فإن اللغات ذات الآداب الحية تظل نابضة بالحياة قادرة على التجدد.
ليس في الدالية اختزال يفضي إلى غموض الفكرة وجعلها متشحة بضبابية مستغلقة، كما أنّ لغتها حمتها من الوقوع في براثن الترهل والإطناب والحشو، فالملاحظ أنّ المعنى في الدالية يتنامى، فتنبثق الفكرة من الفكرة وتتوسع جوانب الصورة، اعتماداً على الصورة السابقة وتتشكل الدلالة من مستويات متعددة تفضي إلى بناء نص متكامل على المستوى الجمالي.
لقد عالجت الدالية موضوعاً واحداً يتمثل في الإعلاء من الشاعرية، لكنها تفرعت إلى وحدات موضوعية توالت وتوالدت كي تتضح معالم الصورة الشعرية.