السياق ودلالة صيغة الجمع
د. مفرح سعفان
تتميز صيغة الجمع في اللغة العربية بمرونة دلالية عجيبة. إذ يمكن أن تتعدد دلالاتها، فيصير لها أكثر من معنى، وقد تدل على معنى وظيفي آخر غير معني الجمع كالمصدرية مثلا، بل قد تتحول أحيانا عن معني الجمع لتدل على نقيضه ، وهو معنى الإفراد.
والسياق هو الذي يفرق لنا بين كل هذه الدلالات المتباينة لصيغة الجمع الواحدة ، تفرقة واضحة مباشرة دون أن تشعر بأي خلل أو اضطراب أو تناقض في تفسير معنى صيغة الجمع في سياقاتها المختلفة، اعتمادا على فطنة القارئ وذكائه في استنباط المعنى المراد منها في كل سياق، وهذا هو أجمل ما في هذه الظاهرة.
فقد يكون لصيغة الجمع الواحدة معنيان مختلفان،
ويفرق السياق بينهما. ومن ذلك على سبيل المثال :
۱- كلمة (القواعد)
ففي قوله تعالى: " وإذ يرفع إبراهيم
القواعد من البيت وإسماعيل " ( البقرة / ۱٢٧ ).
هي هنا جمع قاعدة ، وهي أساس البيت.
مثل: فاكهة وفواكه، وناصية ونواص.
وفي قوله سبحانه: " والقواعد من النساء
اللاتي لايرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن " ( النور / ٦٠ )
هي هنا جمع ( قاعد) - بدون التاء لأنها صفة دالة على مؤنث حقيقي، فهي المرأة التي تقعد في بيتها لكبر سنها - مثل : حامل وحوامل، وطالق وطوالق، وكاعب وكواعب......
٢- كلمة ( أسفار)
فهي جمع (سفر) - بكسر السين وهو الكتاب - في قوله سبحانه:
" كمثل الحمار يحمل أسفارا" (الجمعة / ٥)
وهي جمع ( سفر) - بفتح السين والفاء - في قوله سبحانه :
" وقالوا ربنا باعد بين أسفارنا " (سبأ/۱٩).
٣- كلمة ( أشعار)
قد تكون جمع (شعر - بفتح الشين) -" كما في قوله سبحانه: " ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين " ( النحل /٨٠)
وقد تكون جمع ( شعر) بكسر الشين.
٤- كلمة ( أسحار)
قد تكون جمع ( سحر ) بفتح السين والحاء ،
كما في قوله تعالى: " وبالأسحار هم يستغفرون "
( الذاريات / ۱٨) وهو وقت قبيل الفجر.
وقد تكون جمع ( سحر) بكسر السين. بمعنى
أنواع السحر المختلفة .
٥ - كلمة ( قائلون)
قد تكون جمع ( قائل) ؛ المشتقة من ( قال - يقول - قولا)
كما في قوله تعالى : " والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ".( الأحزاب / ۱٨)
وقد تكون جمع قائل، المشتقة من ( قال - يقيل
قيلولة ) - أي دخل في وقت القيلولة - مثل
(بان - يبين - بينونة ) كما في قوله تعالى: " وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون " ( الأعراف / ٤)
أي فجاءها بأسنا ليلا وهم نائمون أو نهارا وهم
قائلون في وقت القيلولة.
مثلما قال في آية أخرى: " قل أرأيتم إن أتاكم
عذابه بياتا أو نهارا " ( يونس / ٥٠).
وقد يتردد معنى الكلمة بين معنى الجمع ومعنى
المصدر، فيفرق السياق بينهما. وذلك مثل :
۱- كلمة ( قعود)
إذ قد تكون جمع ( قاعد)
كما في قوله سبحانه: " الذين يذكرون الله
قياما وقعودا ". ( آل عمران / ۱٩۱)
وقد تكون مصدرا للفعل ( قعد) كما في قوله
سبحانه: " إنكم رضيتم بالقعود أول مرة "
( التوبة / ٨٣).
٢- كلمة ( نسك)
فهي قد تكون جمع ( نسيكة) - بمعنى الذبيحة أو الهدي - مثل: صحيفة وصحف.
كما في قوله سبحانه: " ففدية من صيام أو صدقة
أو نسك ".(البقرة / ۱٩٦)
وقد تكون مصدرا للفعل ( نسك) بمعنى ( عبد)
كما في قوله سبحانه : " قل إن صلاتي ونسكي
ومحياي ومماتي لله رب العالمين "(الأنعام /۱٦٢)
أي : إن صلاتي و كل عبادتي .... لله رب العالمين.
هذا وقد يتردد معنى الكلمة بين الجمع والإفراد.
والسياق هو الذي يفرق لنا بينهما، ومن ذلك مثلا :
۱- كلمة ( آنية)
ففي قوله سبحانه : " يطاف عليهم بآنية من
فضة " ( الإنسان / ۱٥ )
هي جمع تكسير ، على وزن ( أفعلة)
مثل: إله وآلهة ، ولسان وألسنة ، وسلاح وأسلحة.
وفي قوله تعالى :" تسقى من عين آنية " ( الغاشية /٥)
هي مفرد مؤنث على وزن ( فاعلة) من الفعل
( أ نى - يأنى )
بمعني اشتعل واستعر ، فهو آن وهي آنية.
٢- كلمة ( خلال)
فهي في قوله سبحانه: " من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال " ( إبراهيم / ٣۱)
جمع خلة - بضم الخاء بمعنى الصداقة - المذكورة
في قوله تعالى: " من قبل أن يأتي يوم لابيع فيه
ولا خلة ولا شفاعة " ( البقرة / ٢٥٤).
ولكنها في مثل قوله تعالى: " وفجرنا خلالهما
نهرا " ( الكهف /٣٣) هي: اسم مفرد، وهي ظرف مكان منصوب.
٣ - كلمة ( فلك) بضم الفاء
فهي اسم مفرد بمعنى ( السفينة الواحدة) في قوله سبحانه: "و يصنع الفلك" ( هود / ٣٨)
ولكنها جمع ، بمعنى السفن ؛ في مثل قوله تعالى :
"وترى الفلك مواخر فيه " ( النحل/ ۱٤).
بدليل وصفها بالجمع ( مواخر) .
وهكذا يفرق لنا السياق بين الدلالات المختلفة
لصيغة الجمع، تفرقة واضحة تمنع من الشعور
بأي لبس أو اضطراب أو تناقض في المعنى بين
السياقات المختلفة للصيغة الواحدة.
وهذا من أجمل خصائص العربية.
وبالله التوفيق،،
المصدر