قُبْلة شاعر:
قالتْ: أَتَذْكُرُ عِنْد ما قَبّلْتَنِي = وَزَرَعْتَ في شَفَتَيَّ لَحْنًا مُبْهَما
فأَذابَ مِنْ رُوْحِي بَقايا بُؤْسِها = وَرَمَى بِقَلْبِي رَجْفَةً وتَبَسُّما
وتَحَوّلَتْ صحراءُ قلبي واحَةً = تروي عِطاشًا قد تَخَرَّمَهُمْ ظَما
فسبَحْتُ في بحْرِ الغرامِ ولم أَجِدْ = مِن فَجْرِ أَنْوارِ النَّعِيْمِ تَجَهُّما
وانْحَلَّ مِن نفسي نَسِيْجُ تُعُوْسِها = وانْسَلَّ مِنْها ما غَثَا أَوْ أَسْقَما
وأضاءَ في قلبي محانِيَ أظْلَمَتْ = فَغَدا فُؤادي مِنْ دَرَارِيِّ السَّما
زادَتْ – ولحْنُ الحُبِّ يَرْقُصُ حَوْلَنا = ورَنَتْ زُهُوْرُ الرَّوْضِ تَرْقُبُ مَبْسَما-::
وُلِدَ النَّعِيْمُ بِقُبْلَةٍ لَحَّنْتَها = عِنْدَ اللِّقاءِ، وكُنْتَ أَنْتَ المُنْعِما
قُل لّي - شِغَافَ القَلْبِ – كيف طَبَعْتَها = مِنْ أَيِّ كَرْمٍ صُغْتَها؟؟ مِنْ أَيْنَ ما؟؟
ودنا المَساءُ وإِنَّنِي مِنْ قَوْلِها = في هِزَّةٍ قَدْ حِرْتُ أَنْ أَتَكَلَّما
والدّمْعُ في عَيْني يَمُرُّ شَظِيّةً = فانْسابَ دَمْعي مِنْ شرايِيْني دَما
قد أَذْكَرَتْني كُلَّ ما عانَيْتُهُ = منْ غائِرِ الأَوْجاعِ سِفْرًا أَضْخما
فأَجَبْتُها - واللّيلُ يَدْوِي صَمْتُهُ = والقَلْبُ مِنْ هَوْلِ السُّكُوْتِ تَبَكّما
والرُّوْحُ تَسْبَحُ في جَحِيْمِ عَنائِها = والكِبْدُ يَبْغِي أَنْ يَصِيحَ تأَلُّما:
مِنْ خَمْرَةِ الحُبِّ العَتِيْقِ قَبَسْتُها = وخَزَنْتُها بين الضُّلُوعِ لِتُكْتَما
قد غُصْتُ في بَحْرِ الشُّعورِ لأَجْلِها = وأَقَمْتُ من أغلى الدّموعِ مآتِما
وجَعَلْتُ نارَ الشّوْقِ جَنَّةَ عاشِقٍ = ونَسجْتُ ثوبَ القَوْلِ شِعْرًا أَنْعَما
ونَثَرْت عُمْري في دُرُوْبٍ جَمَّةٍ = في كلِّ فَجٍّ قد تركتُ مَعالِما
في كُلِّ أَرْضٍ للأساطيرِ انتهى = سَعْيِي، ولم أَغْنَمْ سِوَى أَنْ أَسْلَما
لكنّني من أَجْلِ عَيْنِكِ لم أَقِفْ! = وَمَضَيتُ كالإِعْصارِ، كَمْ قَدْ حَطَّما
حتَّى أَتَيْتُ على صحارى قَدْ علا = فيها صِياحُ الشَّوْقِ مُرًّا عَلْقَما
كَمْ أَنْفُسٍ قد أُحْرِقَتْ في مَهْمَهٍ = مِنْ فَوْحِ نار الشوق ها قَدْ أَظْلَما!
قالوا: تقدَّمْ والتمسْ دَرْبًا، ولا = ترجُو نجاةً قبْلَ أَنْ تَرْوَى بِمَا
لم أَسْتَمِعْ إلَّا لصَوْتِ تَلَهّفي! = ونداءُ قلبي في ضلوعي أَرْزمَا
وتركتُ زادي غَيْرَ صِدْقِ مَشاعِرِي = قد أَكْتفي، فأَنالُ ذاك الْمَغْنَما
فَوَجدتُها محروسةً من أَلْفِ جِنْـ = نِيٍّ، لَكَمْ من دُونِها سَفَكُوا الدِّما
قد أَزْمَعُوا حَرْقي، ولكنْ رَدَّهُمْ = أَنِّي فَكَكْتُ طَلاسِمًا وطَلاسِما
وكَذا بِصِدْقِ الحُبِّ قَدْ ساوَمْتُهُمْ = حتّى قَبَسْتُ لكِ النّصِيْبَ الأَفْخَما
خَمْرًا لِشِدَّةِ صَفْوِها وَنَقائِها = قَدْ يَسَّرَتْ لِيْ الْحُبَّ أَنْ أَتَعَلَّما
قَدْ نَوّرَتْ بين السماءِ وأَرْضِنا = مِنْ كُلِّ فَجٍّ غائِرٍ قَدْ أَعْتَما
كَمْ أَشْعلَتْ في قَلْبِ كُلِّ صَبِيَّةٍ = نُورًا تقدّسَ في القلوبِ؛ فأَنْعَما
ما ذاقَها مِنْ عاشِقٍ مِنْ قَبْلِنا = إِلَّا تَشَظَّى في الشِّفاهِ فأَبْسما
لَوْ باعَها الرُّهْبانُ كُلُّ جُرَيْعَةٍ = بالنَّجْمِ، ما أَبْقَوْا سَمًا أَوْ أَنْجُما
مِنْ عَهْدِ آدَمَ عَصْرُها ودِنانُها = فَتَعَتَّقَتْ!! حتّى إِلَيْكِ تُقَدَّما