يستبدّ البُعْدُ المفهوميّ لبعض الألفاظ - في بعض الحقول المعرفية- بمَكْمَنِ المعنى في اللفظ، ويحاصره محاصرةً تَجِدُ الدلالة معها نفسَها عاجزةً عن سلوك مجالها المألوف، من "الإفراد" إلى "الجمع"، أي أن المبنى اللغويَّ، في حالة الإفراد، يحملُ معاني نوويّةً وهامشيةً لا تلبثُ أن تحلَّ محلّها معانٍ ودلالات مبايِنة حين ينتقل ذلك المبنى من صيغة "المفرد" إلى صيغة "الجمع".
ولْنضرب لذلك ثلاثةَ امثلة من حقل البلاغة العربية:
***
1) لفظ "البلاغة"- بصيغة المفرد- عندما تسمعه، يتراءى أمامك عالَم من الجمال اللغوي: بديعًا وبيانًا ومعانيَ.
وحين تجمعه: "البلاغات"، يحيلك إلى: علوم الحديث، أو الدوائر الأمنية والقضائية، أو إلى إحدى قنوات الاتصال في المنكب البرزخي (البلاغات والاتصالات الشعبية)!
2) ولفظ "البيان" -مفردا- تفهَمُ منه السحرَ الحلال: صورًا فنيةً مؤثِّرةً ، و"دلالةً ظاهرةً على معنى خفيّ"، وإيرادًا للمعنى بطرق مختلفةٍ ... فإن جمعته: "بيانات"، فستجد نفسك في عوالمَ وعلومٍ يوحِّد بينها انعدامُ صلتها بالبلاغة: كعالَم الشبكات، والبحوث الإجرائية، والعلوم الإدارية ... حيث تلفي: تدفّق البيانات، وتحليلها، وتدقيقها.
3 ) ولفظ "الإنشاء" -إفرادًا- يوجهك نحو ضرْبٍ من التعبير يُراعى فيه التأنُّقُ والجمالُ: مفرداتٍ، وتراكيبَ وصورًا، فإن جمعتَ اللفظ: "إنشاءات"، أحاطتْ بك: المعداتُ، والرافعات، والحفَرُ العميقة، والمباني والجسور والطرق وما يضاهيها!
***
وهكذا يبدو "المفرد اللغويّ" المُثار - رغم حمولته المفهومية المكتنزة، وبريقه الجمالي المشعّ، واستبداده بالمعنى "البلاغي" - عاجزا عن المضيّ في بعض المسارات والدروب اللغوية المعبدة (عبور اللفظ مجالَه الدلاليَّ المعهود من مفرده إلى جمعه، دون انحراف في مستوى الدلالة بين بنيتيِ: الإفراد والجمع).
***
فهل يصح - في ضوء ما سبق- أن نَصِمَ "الفرد" المستبدَّ منا - قياسا على اللغة- بالعاجز؟