صداقة العربية بين الميمني والتنوخي[1]
إبراهيم عمر الزيبق
قليلة هي الصَّداقات بين العلماء في تاريخنا؛ لغَلَبة المنافسة والغَيْرة فيما بينهم، ولا سيَّما إذا كانوا أصحابَ فنٍّ واحد؛ فالمعاصَرةُ غالبًا ما تُفضِي إلى المنافرة، وكتبُ التراجم مسجورةٌ بأخبار هذه العداوات، ومِن أشهرها خصومة المحدِّثَينِ: مالك بن أنس إمام دار الهجرة، مع علامة المغازي والسِّيَر محمد بن إسحاق، ومِن ثَمَّ وُضِعتْ هذه القاعدة الذهبية في الجرح والتعديل، وهي: (لا يُسمع كلامُ الأقران بعضهم في بعض إلا إذا شُفع بحُجَّة وبُرْهان؛ لأنه غالبًا ما يصدر عن تعصُّبٍ وتحاسُدٍ وشَنآن)[2].
فعجبٌ من العَجَب - والأمر كذلك - أن ترى صداقة عِلمية تأبَّت على هذه المنافسة، وغالبتِ السنين، مستمرَّة في صفائها وألقِها، كالذي كان بين العلَّامتين: الهندي عبدالعزيز الميمني الرَّاجكوتي، والشَّامي عزِّ الدِّين علم الدِّين التنوخي، وقد ألَّف بين قلبَيْهما حبُّ العربية، والرَّغبةُ الصَّادقة في خدمة تراثِها، ونشره بما يليق بأصالتها وجمالها.
وأوَّلُ لقاء بين هذين العَلَمين كان في دمشق سنة 1936م/ 1355هـ، حين قَدِمَ إليها الميمني في رحلته العِلمية بعد زيارته لإستانبول ومِن قبلها لمصر، واطَّلع على ما في مكتباتِهما من كنوز المخطوطات العربية[3]، فيَزُور المجمع العلمي العربي، وكان عضوًا مراسلًا فيه[4]، ويلتقيه التنوخي، وهو من الرَّعيل الأول من أعضائه[5].
كان الميمني إذ ذاك في نحوِ الثامنة والأربعين من عمره، والتنوخي يصغره بعامٍ واحد، فيتعارفان كِفاحًا، وكانا مِن قبلُ قد تعارفا بالرَّأي والخبر، ويصحبه التنوخي لزيارة الشَّاعر العراقي - المقيم بدمشق وقتئذٍ - أحمد الصَّافي النَّجَفي، وقد علِما أن في خزانته نسخة خطية من كتاب "الوَرَقة" لمحمد بن داود الجرَّاح، المقتول سنة 296هـ/ 882م، وكان لنُدْرته في حُكْم المفقود، فيطَّلِعان عليها، فإذا هي بخطٍّ جميل على ورق صقيل، وتشتمل على ترجمة خمسة وستين شاعرًا[6].
ثم يزوران معًا المكتبة الظاهرية - ولا يفصلها عن مقرِّ المجمع في المدرسة العادلية الكبرى إلا شارعٌ ضيِّق - فيطَّلِع الميمني على ما ذَخَرَتْ به من مخطوطاتٍ نفيسة، ويقف على نسخة نادرة من السِّفْر الثاني من كتاب غريب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ تأليف القاسم بن ثابت، فيكتب الميمني على الورقة الأولى فيه: "هذا الكتاب يُعْرف بالدَّلائل، لقاسم بن ثابت، كتبه عبدالعزيز الميمني بخطه سنة 1936م"[7]، ولنفاسته يحثُّ صديقَه التنوخي على تحقيقه ونشره[8].
ويصحبه التنوخي إلى بيتِ صديقِه الطَّبيب الشيخ محمد أبي اليُسْر عابدين، في حيِّ سوق ساروجة، والشيخ أبو اليُسْر من أسرةٍ دِمَشْقية عريقة بالعلم والفضل، نبغ فيها مؤلفون ومُفْتون؛ كأبي حنيفة الأصغر الشيخ محمد أمين عابدين، الشهير بحاشيته "رد المحتار على الدر المختار"، المعروفة بحاشية ابن عابدين، وهي المرجع في المذهب الحنفيِّ، وابنه محمد علاء الدِّين، مؤلف "قرة عيون الأخيار" التي أكمل بها حاشية والده، ومنهم محمد أبو الخير عابدين، مفتي الشام، والد الشيخ أبي اليُسْر، وإليه آلت كتبُ آبائه، وفيها مخطوطاتٌ نادرة.
فيُطلِعهما الشيخ أبو اليسر على تلك النوادر، ومن بينها مجموعة لُغَوية، كُتب على صفحة الطُّرَّة منها: "كتاب المُثنَّى"؛ لحُجَّة العرب أبي الطَّيِّب عبدالواحد بن علي اللُّغوي الحلبي، الشهيد في كائنة الرُّوم بحلب سنة 351 هـ/ 962م[9]، فيحرِص الميمني على اشترائه، ويسأل عن ثمنه، فيجيبه الشيخ أبو اليسر متمنِّعًا: وزنه ذهبًا! ويتوق التنوخي إلى نسخه للاستفادة منه، فيجيبه الشيخ إلى طَلِبته؛ لِما كان بينهما من المحبة والمودة الموروثة من الآباء، على أن ينسخه في منزله، فينسخه التنوخي مع حواشيه، ولم يَدْرِ يومئذٍ أنه وقع على أثر لُغَوي نفيس[10]، سيكتشفه بعد سنين.
وكذلك يحثُّ الميمني صديقَه التنوخي على تحقيق كتاب "المثنَّى" ونشره[11].
ولئن فات الميمنيَّ اقتناءُ هذه المجموعة اللُّغوية النادرة، فإن دمشق لم تضنَّ عليه بأخرى، فبَيْنا هو على وَشك الرَّحيل عنها جاءه الشيخ حمدي السفرجلاني - وهو من علمائها، المهتمين بالمخطوطات وتجارتها - وبيده دَشْت[12] مُبعثَر كان اشتراه بحلب بثمنٍ باهظ، فسأل الميمنيَّ عن اسمه ورسمه ومؤلفه، ومِن نظرة واحدة فَطِنَ الميمني لِما يحويه، فشرط عليه أن يصوِّره أولًا، ثم يدلَّه عليه، وبعد لَأْيٍ وافق الشيخ حمدي، وإذا هو الجزء الثالث من كتاب "شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف"؛ لأبي أحمد الحسن بن عبدالله بن سعيد العسكري، المتوفَّى سنة 382هـ/ 992م، وكان جزؤه الأول قد طُبع منذ زمن طبعةً رديئة، ونسختُه الأم بمصر في جزأين في دار الكتب المصرية، وكان الميمني يتشوَّق إلى نسختِه الكاملة، فإذا هو الآن يظفَرُ بهذا الجزء الثالث، الذي انفرد عن صاحبَيْه، ويبلغ سرور الميمني أقصاه بهذا الفوز العظيم، فبه يتمُّ تمام الكتاب عنده، ويتمثَّل بقول القائل:
أُخَيَّيْنِ كُنَّا فرَّق الدَّهْرُ بيننا ♦♦♦ إلى أمدٍ والمرءُ لا يأمنُ الدَّهرَا[13]
وبإشفاق العالم على تراثِ أمته يُهدِي صورة منه إلى دار الكتب المصرية؛ ليسكنَ مع أخوَيْه بعد طول فراق[14].
ويعود الميمني إلى الهند، وتبقى محبتُه في قلب التنوخي، محدِّثًا طلابه عنه، لَهِجًا بما أوتي من المقدرة في العلم، والبسطة في تحقيق التراث، محبِّبًا إياه لهم بكلماته الحلوة، وإعجابه الذي لا ينقضي، مُثْنيًا على كتابه الفذ "أبو العلاء وما إليه"، وتحقيقاته الغالية في "سمط اللآلي"، حتى أصبحوا وكأنهم يعرفون الميمنيَّ من قُرْب، وكان من هؤلاء الطلاب شاكر الفحام؛ العالم الجليل، ورئيس مجمع اللغة العربية فيما بعد[15].
♦♦ ♦ ♦♦
ويستجيب التنوخي لرجاء صديقه الميمني، فيطَّلع على فهارس المكتبات في العالم؛ لعله يعثر على نسخةٍ ثانية من " كتاب المثنى"، تسهِّل له معارضته وتصحيحه، فلم يجد له فيها ذكرًا، فينشر في مجلة المجمع خبر عثوره على نسخةٍ منه[16]، لعل أحدًا يبشِّرُه بوجود نسخة ثانية له، وتمرُّ الأيام، وما مِنْ مُجيب.
ومع عناء التدريس لم يستطع التنوخي التفرُّغَ لتحقيقه، فيرقد في مكتبته سنين حتى عام 1953م/ 1372هـ، حين ينعم براحة البال، ببلوغه سنَّ التقاعد، فيلحُّ عليه المجمع بالشروع في تحقيقه، بعد أن قرَّر نشره ضمن مطبوعاته، فيلبي التنوخي الرَّجاء، وهو أمنيَّتُه، ويشرع في إعادة نسخه، تمهيدًا لتحقيقه، وتيسيرًا لطبعه، وما إن يتمَّ نسخ أربع وعشرين صفحة منه حتى يجد بعدها أوراقًا بيضًا، والكلام بعدها في الإبدال، وهو يختلف عما في المثنَّى، ويكتشف - ويا لجمال ما يكتشف! - أن ما بين يديه في هذه المجموعة مع "كتاب المثنَّى" كتابانِ آخران لأبي الطيب؛ هما: "كتاب الإبدال"، وقد بُتر من أوله وآخره، وفيه خَرْمٌ في وسطه[17]، و"كتاب الإتباع"، وفيه خرمٌ في أوله ذهب بأول خطبته[18]، وكان يُظن أن تلك الكتب ضاعت فيما ضاع من مؤلفاته[19].
وكان الميمني طوال تلك السِّنين يتتبَّع أخبار صديقه التنوخي، وما آل إليه أمر اكتشافه هذه المجموعة النادرة من مؤلفات أبي الطَّيِّب، فيحثه على نشرها، قائلًا له: "ليس لنشر هذه المجموعة وتحقيقها أحدٌ غيرك ممن توفرت له شرائط النشر العلمي"[20].
♦♦ ♦ ♦♦
وتمضي الأيام بالميمني والتنوخي، ولم يقدَّر لهما اللقاء مرة ثانية إلا بعد عشرين سنة، وذلك سنة 1956م/ 1376هـ، حين قدم الميمني دمشق زائرًا لها، ويومها أنشد للتنوخي:
هنا قبل عشرينَ كنَّا التقينا ♦♦♦ فهل نلتقي بعد عشرينَ عاما[21]
وقدِّر للصَّديقينِ أن يلتقيا مرة ثالثة بعد سنتين، في زيارة الميمني لدمشق في حزيران سنة 1958م/ 1377هـ[22]، وكان قلب الميمني يخفُقُ بحبِّ دمشق وأهلها، وبادلَتْه دمشق ومجمعُها المودة والوفاء[23]، ففي غوطتها الغنَّاء كانا يتنزهان، وعلى ضِفاف بَرَدَاهَا كانا يَجلسان، وأمام ناظرَيْهما الرَّبوةُ التي هام الميمني بحبِّها، فكان لا يذكرها إلا بصفتها التي وصفها الله تعالى بها: ﴿ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ [المؤمنون: 50]، ويتجاذبان أطراف الحديث عن الشعر والأدب والمخطوطات، ويتفكَّهانِ برُوح أخويةٍ صافية، وكان الميمني، وهو يستمتع بهذا المنظر الجميل، يترنَّم ببيت حميدة[24]، مع تغييرٍ يسير في ألفاظه ليلائم معناه:
شيوخُ دمشقَ وشُبَّانُها ♦♦♦ أحبُّ إليَّ مِن الغاليَهْ[25]
وكان التنوخي كعادته يرتجل الشِّعْر في أحاديثه، فارتجل للميمني في إحدى هذه الجلسات:
الله يعلمُ يا عبدالعزيز بما
لكُمْ بقلبيَ من وُدٍّ وإجلالِ
أُحِسُّ بالفَضْلِ في غيري فأَعْرِفُهُ
ما يُنكر الفضلَ إلا كلُّ خَتَّالِ
إنَّ السَّنابل حين الحَبُّ يملؤها
تَحْني الرُّؤوسَ ويعلو الفارغُ الخالي[26]
وفي تلك الزِّيارة، وهما في رحاب المجمع، يرغب إليه التنوخي أن يحدِّثه ببعض ما عثر عليه من نوادر مكتبات المغرب، فيصف له الميمني ما وجده من تلك النوادر في مكتبة الرباط العامة، ومكتبة جامع القرويين بفاس، وفي مكاتب تونس، وبشغف يكتبها التنوخي عنه، وينشرها إتمامًا للفائدة في مجلة المجمع[27].
♦♦ ♦ ♦♦
وفي جلسة كان ثالثَهما الأستاذ سعيد الأفغاني في متنزَّه المهاجرين، يستروحون إلى نسيمه العليل هربًا من حرِّ حَزِيران، ويتجاذبون أطراف الحديث، التي هي ألذُّ مِن السَّلوى لدى كلِّ عارف؛ على حدِّ تعبير الميمني - سأل الميمني سعيدًا عمَّا سقط عليه من نفائس الكتب في رحلته إلى الغرب سنة 1956م/ 1375هـ، فأخبره الأفغاني بأنه عثر في المكتبة الوطنية بباريس على كتاب "توجيه إعراب أبيات مُلْغَزة الإعراب"؛ للرُّمَّاني، ولم يزِدْه فيه شيئًا[28].
وكان الأستاذ الأفغاني قد فرَغ مِن تحقيقه على هذه النسخة الباريسية، وهو على وَشْك الصدور، بعد أن تولَّت الجامعة السورية طبعَه في مطبعتها.
فلما عاد الميمني إلى كراتشي؛ حيث كان يُقِيمُ، بعد إحالته على التقاعد من جامعة عليكرة بالهند[29]، وصلَتْ إليه نسخة مطبوعة من الكتاب في 23 أيلول، بعث بها إليه الأستاذ الشاعر خير الدين الزِّرِكْلي، وما إن بدأ يُطالِع فيه حتى خالجَتْه الشكوكُ، وساوَرَتْه الرِّيَب بصحة نسبته لعلي بن عيسى الرُّماني، المتوفى سنة 384 هـ/ 994م، ولَمَّا تغلغل في أعماقه اكتشف أن الكتاب للحسن بن أسد الفارقي، المقتول سنة 487 هـ/ 1094م، وأن عنوانه على الصَّواب هو: "الإفصاح عن أبيات مشكلة الإيضاح"، وتوجد منه عدَّةُ نسخٍ أقدم من النسخة الباريسية، كان سجَّلها في جُزازاتِه التي علَّقها في رحلته سنة 1936م/ 1355هـ، ولم يطَّلع الأفغاني على هذه النسخ الجليلة، مما أفسد عليه عمله، وحرَمَه المعارضة بها، وكانت منه على طرف الثُّمام، قريبة المتناوَل.
وسارع الميمني إلى كتابة مقالة، دلَّل فيها على صحة ما اكتشفه، وعلَّق على بعض ما ندَّ عن محققه من أوهام، وأرَّخها في 26 أيلول، وبعث بها إلى المجمع، فنُشِرت في مجلته في 1 كانون الثاني 1959م/ 1378هـ؛ أي: بعد نحو ثلاثة أشهر من إرسالِها[30].
وفي الوقت نفِسه أبدى غيرُ واحدٍ من الفضلاء، الذين أهدى إليهم الأفغاني الكتابَ، الشَّكَّ في نسبته للرُّمَّاني، فأدَّاه ذلك إلى إعادةِ البحث، ليكتشفَ خطأه، ويبادر إلى إصلاحه، بأن استدرك في بعض نُسَخ الكتاب، التي لم تُوزَّع بعد، أوراقًا شرح فيها ملابسات هذا الخطأ، واستدراكه الصَّواب، ونشرها في 24 تشرين الأول 1958م/ 1378هـ[31].
♦♦ ♦ ♦♦
وفي العام التالي سنة 1959م/ 1379هـ تبلغ التنوخيَّ وفاةُ والد الميمني الحاج عبدالكريم بن يعقوب، في بلدة راجكوت بالهند، فيكتب إليه معزِّيًا:
كما عزوتُ إنني أعزِّي
عبدالعزيز بالأبِ الأعزِّ
مَنْ جاوز التِّسعينَ عامًا في الهُدى
عليه رحمةُ الإلهِ أبدا
ورثتَ منهُ عُمْرَه العالي الأتم
"ومَنْ يشابِهْ أبَهُ فما ظلمْ[32]"
♦♦ ♦ ♦♦